خبراء المناخ

استعادة النظم الإيكولوجية والمحافظة على التنوع البيولوج عبر الاحتفال باليوم العالمي للتربة

محمد بنعبو

تحتفل دول المعمور يوم 5 دجنبر 2021 باليوم العالمي للتربة تحت شعار وقف تملح التربة وزيادة إنتاجيتها لما يمثله تملح التربة من تهديد لمخزوننا العالمي من التنوع البيولوجي ومن تهديد كذلك لأمننا المائي والغذائي لنا وللأجيال القادمة، وتوجد الأملاح بشكل طبيعي في التربة والمياه وتتحرك بحرية في ثنايا التربة وربما دعمت التربة المالحة بطبيعتها النظم البيئية الغنية، إلا أن العمليات الطبيعية مثل الجفاف والأنشطة البشرية، وبخاصة أساليب الري الخاطئة يمكن أن تزيد من نسبة الأملاح في التربة، وهي عملية تسمى تملح التربة وتتسبب في تشقق التربة ضعف إنتاجيتها، بينما تعتبر عملية تملح التربة وزيادة صوديوميتها من العمليات الرئيسة لتدهور التربة التي تهدد النظام الإيكولوجي، ومن المسلم به أنها من بين أهم المشاكل العالمية في ما يتصل بالإنتاج الزراعي والأمن الغذائي والاستدامة في المناطق القاحلة وشبه القاحلة، وللملوحة تأثيرات خطيرة على وظائف التربة، مثل انخفاض الإنتاجية الزراعية، ونوعية المياه، والتنوع البيولوجي للتربة وتآكلها. والتربة المتأثرة بالملوحة ضعيفة في عزل الملوثات وتصفيتها، فضلا عن إضعافها قدرة المحاصيل على امتصاص المياه وتقلل من وجود المغذيات الدقيقة، كما أنها تركز الأيونات السامة للنباتات وهو ما يؤدي إلى تدهور بنية التربة، ويهدف اليوم العالمي للتربة لهذا العام إلى التصدي لهذه المشاكل من خلال حملة معنونة ‹›وقف تملح التربة وصوديوميتها وزيادة إنتاجيتها›› إلى إذكاء الوعي بأهمية صون النظم البيئية الصحية ورفاهية الإنسان من خلال مواجهة التحديات المتزايدة في إدارة التربة، ومكافحة تملحها، والتعريف بأهمية التربة وتشجيع المجتمعات على تحسين سلامة التربة، وفي نظرة استشرافية للمستقبل يجب التذكير بأنه في عام 2002، قدم الاتحاد الدولي لعلوم التربة اقتراحا بإقرار الاحتفال باليوم العالمي للتربة في الخامس من دجنبر لأهمية التربة واعتبارها عنصرا حاسما من النظام الطبيعي ولإسهامها الحيوي في رفاه الإنسان، وتصدرت مملكة تايلاند الجهود في ذلك المضمار، ومن ثم دعمت منظمة الأغذية والزراية في إطار «الشراكة العالمية من أجل التربة» وتدشين يوم دولي رسمي للتربة بغرض إذكاء الوعي العالمي، وتأكد ذلك يوم 22 يوليوز 2013، اليوم الذي أقرت فيه منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة في مؤتمرها الثامن والثلاثين بالإجماع اليوم الدولي للتربة وطلب اعتماده رسميا من الجمعية العامة في دورتها الثامنة والستين، وفي شهر دجنبر 2013، أعلنت الجمعية العامة أن 5 دجبر هو اليوم العالمي للتربة، وتنظم الشراكة العالمية من أجل التربة بالشراكة من منظمة الأغذية والزراعية فعاليات للإحتفال بهذا اليوم الهام منذ 2012.

ويؤكد الخبراء أن تملح التربة يستهلك ما يصل إلى مليون ونصف هكتار من الأراضي الزراعية المنتجة سنويا بينما تقدر الخسارة السنوية في الإنتاجية الزراعية بسبب التملح ما يصل إلى 31 مليون دولار أمريكي حيث تشير التقديرات إلى أن هناك أكثر من 833 مليون هكتار من التربة المتأثرة بالملوحة أي 8.7% من مساحة الأرض، وتعتبر النظم الإيكولوجية البرية والبحرية وتنوعها البيولوجي الأساس للنمو الاقتصادي، والتنمية المستدامة ورفاه الإنسان في أفريقيا، غير أن الكثير من النظم الإيكولوجية في المنطقة تواجه تدهورا شديدا يؤدي إلى تدهور التنوع البيولوجي أو فقدانه وإعاقة أو توقف وظائف النظم الإيكولوجية وخدماتها، وبالتالي يهدد قدرة أفريقيا على تحقيق خطة الاتحاد الأفريقي لعام 2063 وأهداف التنمية المستدامة لعام 2030 وأهداف التنمية المستدامة المذكورة فيها. ويؤثر تجهور الأراضي والنظم الإيكولوجية على سبل عيش البشر، والهوية الثقافية والمعارف التقليدية للمجتمعات والقدرة الإنتاجية للاقتصادات الأفريقية على النحو المبين في التقارير الأخيرة من المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية، وتشمل الدوافع المباشرة لتدهور الأراضي والنظم الإيكولوجية التغير في استخدام الأراضي وتحويل الغابات، والمراعي، والأراضي الرطبة وغيرها من المناطق الطبيعية لإنتاج الأغذية والتنمية الحضرية ضمن جملة أسباب. وتدهور الأراضي والنظم الإيكولوجية يتسارح بدرجة عالية من جراء تغير المناخ، والنمو السريع للسكان، وعدم تخطيط الحضرنة، والبنية التحتية والتنمية الصناعية، والتلوث والنفايات والطلب المتزايد على الخدمات.

ولاحظ التقييم الإقليمي للتنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية لأفريقيا الذي أجراه المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية أن الاستثمار في تجنب تدهور الأراضي والنظم الإيكولوجية وفي أنشطة الاستعادة يكون سليما من الوجهة الاقتصادية. وبينما وصلت تكلفة تدهور ألأراضي على المستوى العالمي إلى حوالي 490 بليار دولار أمريكي في السنة، فهي أعلى بكثير عن تكلفة الإجراءات لمنع حدوثه، فالمنافع بما في ذلك منع فقدان الأنواع وانقراضها، والحفاظ على الخدمات الرئيسية للنظم الإيكولوجية والهويات البيولوجية الثقافية، يمكن أن تعزز من القدرة على الصمود. وتسهم استعادة الأراضي بدرجة كبيرة في تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدام ويمكن أن تشكل حلا للتكيف مع المناخ والتخفيف من حدته عن طريق تحسين عزل ثاني أكسيد الكربون والدورة الهيدرولوجية، ويعتبر هذا مهما بصفة خاصة في النظم الإيكولوجية الهشة التي يمكن أن تسهم استعادة الأراضي إلى منع الانهيارات الأرضية والحد من الأضرار من تغير المناخ والأحداث القاسية، ولتنفيذ المادة 8 من اتفاقية التنوع البيولوجي  وتحقيق الهدفين 14 و15 من أهداف أيشي للتنوع البيولوجي، هناك حاجة إلى بذل جهد متسق وتعاوني لدعم وتيسير وزيادة وتمويل وتنفيذ أنشطة استعادة النظم ايكولوجية على أرض الواقع، وقد قام مؤتمر الأطراف في اتفاقية التنوع البيولوجي، وخصوصا من خلال مقرراته بحث الأطراف وتشجيع الحكومات الأخرى والمنظمات ذات الصلة، وكذلك الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، وأصحاب المصلحة المعنيين، على تعزيز ودعم واتخاذ إجراءات من أجل استعادة النظم الإيكولوجية، من بين جملة أمور، من خلال، وحسب الاقتضاء، الاستفادة من خطة العمل قصيرة الأجل بشأن استعادة النظم الإيكولوجية كإطار مرن وفقا للظروف الوطنية.

وفي عام 2016، اعتمد مؤتمر الأطراف في اتفاقية التنوع البيولوجي في مقرره 13/5 خطة عمل قصيرة الأجل بشأن استعادة النظم الإيكولوجية، كإطار مرن ويمكن تكييفه مع الظروف الوطنية والتشريعات الوطنية لإجراءات فورية نحو تحقيق الأهداف 5 و12 و14 من أهداف ايشي للتنوع البيولوجي والهدفين 4 و8 من الاستراتيجية العالمية لحفظ النباتات، والأهداف والغايات الدولية الأخرى المتفق عليها، ولاسيما الأهداف المحددة في الاستراتيجيات وخطط العمل الوطنية للتنوع البيولوجي أو في الاستراتيجيات والخطط الأخرى ذات الصلة. والأنشطة الرئيسية الأربعة في الخطة تتضمن: أ) تقييم فرص استعادة النظم الإيكولوجية؛ ب) تحسين البيئة المؤسسية التمكينية لاستعادة النظم الإيكولوجية؛ ج) تخطيط أنشطة استعادة النظم الإيكولوجية وتنفيذها؛ د) الرصد والتقييم وإبداء التعقيبات ونشر النتائج. ورحب مقرر مؤتمر الأطراف في اتفاقية التنوع البيولوجي مع التقدير بالعمل الجاري للمنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي لإجراء تقييم مواضيعي لتدهور الأراضي واستصلاحها كواحد من الجهود المبذولة لتحقيق الأهداف المتعلقة بالاستعادة بحلول عام 2020.

ويعتبر التنوع البيولوجي في القارة الإفريقية أحد الأصول الأساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة ويمكن استخدامه على نحو مستدام ومنصف للحد من عدم المساواة والفقر في القارة والمواءمة بين خطة الاتحاد الأفريقي لعام 2063 وأهداف التنمية المستدامة وأهداف أيشي للتنوع البيولوجي التي ترتبط بحفظ التنوع البيولوجي ومساهمات الطبيعة لرفاه البشر في أفريقيا، تيسر إعداد مداخلات من شأنها أن تحقق نتائج إيجابية متعددة. وترغب أفريقيا في ضمان أن بيئتها ونظمها الإيكولوجية سليمة ومحمية لدعم الاقتصادات وسبل عيش المجتمعات القادرة على الصمود أمام المناخ.

وتقترح خطة العمل الأفريقية المتعلقة باستعادة النظم الإيكولوجية لأغراض زيادة القدرة على الصمود تدابير محتملة للسياسات، وإجراءات استراتيجية، وآليات للتعاون وإجراءات على أرض الواقع لإحداث تقدم في استعادة الأراضي والنظم الإيكولوجية في أفريقيا. وقد تم تيسير إصدار هذه الوثيقة من جانب أمانة اتفاقية التنوع البيولوجي بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومختلف الشركاء وأصحاب المصلحة الآخرين، ولاسيما نقاط الاتصال الوطنية لاتفاقية التنوع البيولوجي، وأصحاب المصلحة الآخرين بما في ذلك المؤسسات التقنية الحكومية، والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية.

وتمت مناقشة مشروع العناصر لخطة العمل خلال الاجتماع التحضيري للخبراء لمؤتمر القمة الوزارء الأفريقي للتنوع البيولوجي واجتماع فريق الخبراء للدورة السابعة الخاصة للمؤتمر الوزاري الأفريقي بشأن البيئة الذي انعقد يومي 16 و17 شتنبر 2018 في نيروبي. وقد تم تأييدها من الدورة السابعة الخاصة للمؤتمر الوزاري الأفريقي بشأن البيئة المنعقد في 19 شتنبر 2018، وسيتم تنفيذ الخطة الأفريقية لاستعادة النظم الإيكولوجية بواسطة جميع الدول الأفريقية الأعضاء بتوجيه من الاتحاد الأفريقي والشراكة الجديدة من أجل تنمية أفريقيا بصفتها المؤسسة الرائدة في تيسير وتنسيق ورصد وتقييم الخطة وبالتعاون مع الجماعات الاقتصادية الإقليمية وغيرها من المؤسسات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق