سلايدرسياسة

أهو انقلاب للجيش أم هي سيطرة دولة «العصابات المسلحة»

د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال*

التعريف الصحيح لأي مشكلة، هو الخطوة الاولى في حلها. فهل ما حدث في السودان يوم 25 اكتوبر 2021م، كان انقلابا للجيش السوداني.. على السلطة التي كان جزء منها؟ وفقا للمعطيات والواقع الماثل امامنا فان تسمية ما حدث بالانقلاب امر ليس صحيح. كجزء أساسي من الاجابة على السؤال اعلاه، نطرح سؤالا فرعيا وتمثل الاجابة عليه جزء من الاجابة على السؤال الاصلي.

ما هي اسباب الانقلاب الأساسية؟

لجنة ازالة التمكين ومحاربة الفساد:

لقد وجدت تلك اللجنة تأييدا شعبيا لا مثيل له، وانسابت اليها المعلومات والمستندات بشكل خرافي، وأصبح بطرفها معلومات وادلة عن الفساد، ليس من قبل حزب البشير فحسب وانما ايضا فساد الاجهزة الامنية والعسكرية والشرطية وغيرها، والمليشيات والحركات المسلحة، فأصبحت خطرا على قيادات تلك المنظومات المشاركة في الحكومة، ولهذا السبب تم اصطناع قحت ٢ وتمويل مواكبها واستضافة اعتصامها حول القصر! وتصوير الامر وكأنه خلافات حزبية.

ولعل الجميع قد لاحظ ان اول مقاومة للانقلابيين بدأت من مباني لجنة ازالة التمكين، التي تم رفع الحراسة المستحقة لرئيسها بالإنابة، وسفر أحد قياداتها الى الخارج. وقد بدأ الصراع ضد اللجنة مبكرا عندما استقال ياسر العطا من رئاستها، وتهريب التركي اوكتاي بواسطة البرهان.  رغم ان لجنة اديب للتقصي في مجزرة الاعتصام لم تقدم عملا ملموسا في الامر، الا انها حصلت على مستندات ووثائق تكشف بوضوح المتورطين في مجزرة الاعتصام…لذلك من اسباب الانقلاب دفن تلك اللجنة واعدام مستنداتها، وفعل نفس الشيء مع لجنة ازالة التمكين والفساد.

على مدى سنوات عديدة نشرت المنظمة العالمية للفساد transparency.org تقارير عن حالة الفساد في دول العالم، وقد لاحظت احتلال السودان للمرتبة الثانية والثالثة في قائمة أكثر دول العالم فسادا لسنوات عديدة والى عام 2020م وايضا كتبت دوريات عالمية متخصصة عن فساد الاجهزة الامنية والعسكرية وسيطرتها على الاقتصاد، وتغذيتها للحروب والصراعات.. وان قيادات تلك الاجهزة يتولاها اعضاء التنظيم الاسلاموي الحاكم، وايضا الفاسدين من غير عضويته.. لقد كانت تلك الاجهزة شريك اصيل وأساسي في كل جرائم حزب المؤتمر الوطني بقيادة البشير.. وهو في الاصل من قيادات الجيش المنتمية لحزب الاخوان المسلمين بقيادة د. حسن الترابي، الذي ازاحه تلاميذه وساندوا البشير في حروب السلطة والثروة. نصت الوثيقة الدستورية على تسليم السلطة للمدنيين، لذلك انقلب تحالف الكارتيلات على الوثيقة الدستورية لقطع الطريق امام رئاسة المدنيين والتي تعني الكثير والمثير. وليس فقط الرمزية. لقد صرح مناوي بأنهم ابان مفاوضات جوبا عقدوا مع حميدتي والعسكر اتفاق تحت الطرابيزة» من بنوده:

• عدم تسليم السلطة للمدنيين كما نصت الوثيقة الدستورية

• عدم تسليم البشير للمحكمة الجنائية

• دفن لجنة التقصي في مجزرة القيادة

• دفن ماضي المجازر في السودان

وما ادلى به مناوي عن اتفاق «تحت الطرابيزة» مع العسكر تصدقه الوقائع، من خلق قحت ٢ ومواكبها واعتصام القصر وصولا للانقلاب.

السلطة والثروة تؤامان يرافقان الفساد:

قيادات الجيش السوداني (وليس الجيش السوداني) أحد المليشيات/الكارتيلات التي تسيطر على الثروة /الموارد في السودان، الى جانب مليشيات حميدتي والحركات المسلحة، وبالتالي فان تحالفهم يضمن لهم استمرار تلك السيطرة.. ومزيدا من الثراء.. الذي تسنده علاقات اجنبية شريكة في انقلاب السلطة والثروة وأبرزها الامارات ومصر واسرائيل وروسيا.. التي تستفيد من استيلاء (تحالف الكارتيلات) على حكم السودان.. وتمرر اجندتها ومصالحها دون ادنى اعتبار لمصلحة السودانيين.

الجيش المهني الواحد المحترف:

ان مطالبة السودانيين بكافة احزابهم ومنظوماتهم بضرورة اعادة هيكلة الاجهزة الامنية والعسكرية وتكوين جيش واحد بعقيدة وطنية،  فان  هذا الامر يشكل تهديدا لمليشيا قيادات الجيش، ومليشيا حميدتي والحركات المسلحة وجميعهم استولوا على موارد السودان من معادن ومناجم وتجارة وتهريب وتقول تقارير  عديدة بانهم يعملون في تجارة كل شيء من الذهب الى المخدرات ..قامت  قيادات مليشيات الجيش والاجهزة الامنية والعسكرية بالتصدي لأمر اعادة هيكلة الجيش ..وتسويقه وسط تلك الاجهزة بان المقصود منه الفصل والتشريد والتخريب ..يكذبون لحماية انفسهم ومصالحهم ..واعادة الهيكلة  تعني المزيد من النهضة والنمو والتحديث للأجهزة الامنية والعسكرية لتقوم بدورها على اكمل وجه.. ان تسويق الامر وكأنه صراع بين دعاة المدنية ومنسوبي الاجهزة الامنية والعسكرية امر غير صحيح.. ودعاوى باطلة يقف من خلفها الفسدة.. ويشبه تعريف انقلاب الكارتيلات بانه انقلاب قام به الجيش. الذي احسب ان معظمه سمع بالانقلاب من اجهزة الاعلام.

والجيش السوداني يعاني من زمن طويل من التهميش وانشاء قوات مسيطرة وموازية له من قبل الاسلامويين.  وتلك القوات والمليشيات تحصل على مرتبات تساوي أكثر من ثلاثة اضعاف منسوبي الجيش! والغريب ان مرتبات مليشيات حميدتي تاتي من الخزينة العامة، والضابط في مليشيات حميدتي يحصل على مرتب أكثر ثلاث مرات من مثيله في الجيش.. ويفوق مرتب الطبيب والمعلم بأكثر من ستة اضاعف، واكرر بان مرتبات مليشيا حميدتي تأتي من الميزانية وتزيد..

ووفقا لأخر ميزانية: الدعم السريع 37 مليار في السنة، بينما التعليم 18,941,100، والصحة 20,961,940، الزراعة فقط 8 مليار في السنة (اقل من ربع الميزانية المرصودة لمليشيا حميدتى)! الثروة الحيوانية فقط 3,244 مليار (اقل من 9% من ميزانية مليشيا حميدتى)! *

ان الدولة المدنية الديمقراطية ليس عدوا لا بناؤها وبناتها في الاجهزة العسكرية والامنية.. بل هم جزء اصيل فيها وحماة للوطن. يثمن الجميع دورهم. والمليشيات والحركات المسلحة بدورها ترفض وتقاوم ادماجها في الجيش، فان قادتها لا يساوون شيئا في غياب أسلحتهم، والتي كانت سببا لوصولهم للسلطة.. والمزيد من الثروة. اعلاها اغلب الاسباب الرئيسية لانقلاب تحالف الكارتيلات..

نرجع للسؤال:

هل ما حدث في السودان يوم 25 اكتوبر 2021م كان انقلابا للجيش السوداني.. على السلطة التي كان جزء منها؟ في رأيي ووفقا للمعلومات المتوفرة والواقع المعاش ان ما حدث في السودان ليس انقلاب للجيش بأشكاله التقليدية التي عرفها تاريخ السودان (نحو 17 انقلاب عسكري).. وكان اولها في يونيو 1957م اي بعد نحو ١٧ شهرا من نيل السودان استقلاله.. واعقبه انقلاب اخر بعد نحو 16 شهرا .. في نوفمبر 1958م. ويتسم تاريخ السودان بالتخلف الاقتصادي رغم كثرة الموارد بسبب الانقلابات العسكرية.. وقد سجل السودان المرتبة الاولى عربيا وافريقيا في عدد الانقلابات! وعدم الاستقرار السياسي.. وتزايد معدلات الفقر. ان الانقلابات العسكرية والتي يتم تسويقها دوما بانها جاءت لإنقاذ البلاد والعباد، كانت سببا رئيسيا في تخلف السودان في شتى المجالات.. وقد خرج الشعب السوداني في انتفاضات شعبية للتخلص من الانقلابيين.. ان ما حدث في 25 اكتوبر 2021م ليس انقلاب تقليدي للجيش السوداني الذي كان طيلة تاريخه، الوحيد الذي يمتلك منظومة مسلحة ومدربة تبتعد الى حد ما من الفتك بالمواطنين.. وتحاول كسب تأييد وتعاطف المواطنين! ان ما حدث ليس انقلاب للجيش وانما هو اختطاف/استيلاء تحالف الكارتيلات المسلحة على السلطة لحماية أنفسهم وثرواتهم، مما سوف يؤدي حتما الى افقار المواطن السوداني. هذا التحالف الهش.. قابل للانفجار الداخلي طال الزمان او قصر.. مما يهدد امن واستقرار السودان وجيرانه والاقليم كافة.

*خبير حوكمة & ادارة جودة وانتاج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق