سياسة

المؤسسة العسكرية عَقبة حقيقية نحو الحرية وأمام التغيير

نضال عبد الوهاب

أن يكون هُنالك شعب مثل شعبنا ظل يُقدم كُل هذه التضحيات لسنوات طويلة ويُقاوم ويُنتج ثورة ( أُنموذج) لأجيال كاملة ( ثورة ديسمبر ) لاتزال مُستمرة مُنذ ٣ سنوات وكُل هذا من أجل التغيير للأفضل ونحو الحرية والانعتاق من نظام الحُكم الديكتاتوري العسكري والشمولي، الذي كانت تُستباح فيه كُل الجرائم ضد الإنسان السُوداني، و من أجل سيادة فئة بسيطة، و تستغل ثروات البلاد ومُقدراتها ولم تُحدث فيه أي أنواع من التقدم سواء المعيشي و الاقتصادي أو علي مستوي البنية التحتية و التطور الصناعي والزراعي وفي النظام الصحي و التعليمي للبلاد، بل وجرت علينا الحرب والانقسام والفقر وانهارت معها الدولة تماماً، كُل هذا بسبب تغول المؤسسة العسكرية علي السُلطة والحُكم في البلاد، قُتل ملايين السودانيين في ظل إدارتهم للبلاد بالقوة والغصب، و نُظمت إبادة جماعية لشعبنا في دارفور وجبال النوبة والنيل الازرق، و تطهير عِرقي مُمنهج فيها، وكذلك قتل جماعي في مناطق السدود وكجبار، وفي الخرطوم، كل هذه الفظائع والجرائم وغيرها في وجود المؤسسة العسكرية في الحُكم والسُلطة، بل و انقسمت بلادنا في وجودهم وموافقتهم واحتلت أجزاء عزيزة بسببهم،  و بعد كُل هذا ضيقوا علينا كمواطنين سودانيين، فمن لم ينزح بسبب الحرب أو احتوته زنازينهم ومُعتقلاتهم، أُضطر للهجرة فضرب البحار واجتاز المُحيطات إلي المنافي البعيدة، وصادروا أغلي ما يُمكن أن يسعي إليه الإنسان وهي الحرية والتي بدونها لا معني للإنسان والإنسانية، فاصبحنا نقاوم كل تلك السنوات ونناضل كشعب من أجل تلك الحرية المسلوبة، الذين يستغربون اليوم ويقولون إلي متي الشعب في الشوارع، الإجابة ببساطة أن شعبنا وشبابه الذين ولدوا جميعهم أو غالبيتهم في ظل نظام القهر العسكري المشوه والعقائدي البغيض قد كفروا وكفرنا جميعنا باي وجود لهذا العسكر والمؤسسة العسكرية في السُلطة أو الحُكم وتحت أي زريعة كانت أو أسباب يحاول (أغباهم وفاسديهم ومجرميهم) أن يسوقوها لنا كي نقبل بهم فيه أي الحُكم مُجدداً،  ملّلنا من رؤية اصحاب البزة العسكرية في كراسي الحُكم، و أنفقنا أثماناً باهظة من حياة شبابنا ومن سنوات عُمرنا التي أمضيناها والكثيرون من بنات وأبناء الشعب السُوداني لإرسال رسالة واضحة أننا لا نُريدكم للحُكم، فلا أنتم خُلقتم له ولا هو يتلاءم معكم، ورجوناكم كثيراً وبلطف أن تعودا فقط إلي وظيفتكم الأساسية في الدولة ومهام حراسة الحدود والأمن اللذين تُدفع لكم مُقابلها رواتب من الشعب والدولة كأحد أنبل المهن الشريفة مثلها والكثير من المهن والوظائف الأخرى في البلد، هذا الشعب يُريد حُكماً ديمُقراطياً ودولة مدنية، سنصبر علي أحزابنا ونطورها ونصنع أحزاباً جديدة ونُقدم قيادات جديدة و قد نتعثر ولكننا موقنين أننا سنكون قد وضعنا أقدامنا كدولة وشعب في الطريق الصحيح، هذه دولتنا نحن السودانيين وليست دولة اي شعب آخر في الإقليم أو الجوار، نحن فقط نُحدد كيف تُحكم وبأي نظام، هذه رسالتنا للعسكر ومن خلفهم، لن نبرح الشوارع وسيظل شعبنا يحتلها حتي ترحلون.

ونكتبها بكل وضوح وجهراً أن المؤسسة العسكرية هي العقبة الكُبري الحقيقية لبلادنا وشعبنا نحو الحرية وأمام التغيير للأفضل، هي ومن يُساندها أو يعمل خلفها (كيزان وفلول وانتهازين)، وما لم تنسحب هذه المؤسسة العسكرية من السُلطة وتوقف تغولها عليها وللأبد نُعلنها أننا لن نتزحزح عن حُلمنا في دولتنا المدنية الديمُقراطية وسنقاوم وحتماً سننتصر!

الخطوات العملية لإبعاد الجيش

عن السُلطة والحُكم في السُودان

كتبت في المقال السابق عن أن المؤسسة العسكرية أصبحت عقبة حقيقية للحرية وأمام التغيير في السُودان، وهذه حقيقة وواقع لا زلنا نعيشه حتى اليوم وما بعد ثورة ديسمبر العظيمة، ما بين انقلاب عبود في ١٧ نوفمبر ١٩٥٨ إلى انقلاب البُرهان في ٢٥ أُكتوبر ٢٠٢١، وسأحاول في هذا المقال تقديم حلول وخطوات عملية يُمكن لها أن تُساهم في إيقاف الجيش والمؤسسة العسكرية عن التدخل في السُلطة مُستقبلاً وأن يبعدها عن السُلطة والحُكم في السُودان..

من المعروف أن تدخل الجيش في السُلطة فعلياً بدأ بتورط الأحزاب نفسها في ذلك، وتم هذا عبر عدة انقلابات، مُنذ عبود ودور الاميرلاي عبدالله خليل وحزب الأمة ممُثل في شخصه مروراً بالقوميين العرب والشيوعي والإسلاميين والبعثيين، لا نُريد الدخول في تفاصيل دخول الأحزاب السياسية في عملية استغلال المؤسسة العسكرية للوصول للسُلطة أو استخدامها كعامل وطريق تحسم به الصراعات السياسية فيما بينها، ولا نُريد أيضاً الدخول في تفاصيل كيف أن الانقلابات العسكرية كانت طريقة رائجة لاستلام السُلطة في كُل العالم خاصة في مرحلة ما بعد الاستعمار وفي مُعظم دول العالم الثالث، ولكن من المُهم إيراد ملاحظة أن عدم الصبر على الديمُقراطية نفسها ومحاولة تطويرها بالمُمارسة وتمكينها داخل الأحزاب السياسية نفسها كان من العوامل الهامة جداً في تدخل الجيش في المشهد والانقلابات العسكرية، فقد كان هذا السبب حاضراً في مُعظم الانقلابات ابتداء من انقلاب عبود وعدم الصبر على الصراع ما بين حزبي الأمة والاتحاديين، مروراً بمايو وما حدث قبلها في حادثة طرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان التي مهدت لمايو و وأد الديمُقراطية وإجهاضها، ثم ما تلاها من صراعات، ثم تزامن ذلك كُله مع ظاهرة اختراق الجيش نفسه والمؤسسة العسكرية من القوي السياسية والأحزاب وتكوين تنظيمات سياسية ولعل تلك الظاهرة انتقلت إلينا من مصر في ما عُرف بتنظيم الضُباط الأحرار والذي هو نفسه كان مسرحاً للصراع الحزبي، ثم أصبح لكُل حزب مجموعات وكوادر داخل الجيش بل وفروع، كالشيوعيين والبعثيين والإخوان المُسلمين إضافة للأمة والاتحادي و الناصريين وهكذا ..

إذاً أسباب تدخل الجيش واستلامه السُلطة يُمكن إجمالها في الأسباب الآتية:

١ / عدم الصبر على المُمارسة الديمُقراطية

٢/ دخول التنظيمات السياسية والكوادر الحزبية للجيش ونضيف لهم أيضاً ٣/ النزعات المُغامرة خاصة لصغار الضُباط للاستيلاء على السُلطة، مع تدخل كبار الجنرالات بذات المسوق وهو الاستيلاء على السُلطة..

والسبب الأخير كان موجود في انقلاب عبود وفي مايو وعدد من الانقلابات التي أُحبطت وفشلت في تاريخنا ما بعد الاستقلال..

بعد التطور الكبير في وعي الشعب السُوداني وكذلك اضمحلال ظاهرة تفشي الانقلابات نفسها، واستهجانها وصعوبة شرعيتها أو التعامل معها دولياً، ورغبتنا الكبيرة كشعب في الحُكم المدني الديمُقراطي وحتى نوقف الانقلابات نهائياً علينا بضرورة الآتي:

١/ التوقيع على ميثاق من كُل القوي السياسية بما فيها الإسلاميين على عدم اللجوء للانقلاب العسكرية بأي صورة من صوره والالتزام به مع وضع بنود واضحة تُعاقب من يلجأ له أو يتحايل ويشارك تحت أي سبب سواء أفراد أو تنظيمات وأحزاب..

٢/ الكشف عن كُل من له صلة تنظيمية حزبية مُباشرة حالية بالجيش، وهذا مُهم، وهذا يتم إما عبر المسؤولية الأخلاقية تجاه الشعب من قبل الأحزاب أو تحت القسم فيما بينها، حيث أنه من الخيانة الوطنية الاحتفاظ باي كوادر (سرية) داخل الجيش

٣/ دور الجماهير مُجتمعة وكما يحدُث الآن في رفض أي وجود للعساكر في السُلطة تحت أي مُبرر كان وذلك عبر التصعيد الثوري السلمي في عدم وجودها مهما كانت التضحيات

٤/ على كُل من يؤمن بالديمُقراطية سواء أحزاب أو كيانات سياسية ومُنظمات مجتمع مدني أو نقابات وكيانات مهنية وفئوية أو حركات التوحد في جسم واحد خلف الشعب والجماهير وقيادة كافة أشكال المقاومة المدنية السلمية والثورة حتى نجاحها الكامل في إزاحة العسكر

٥/ الاستمرار في طلب التعاون من المجتمع الدولي ومؤسساته في دعم رغبة السُودانيين في الحُكم المدني الخالص والديمُقراطي

٦/ في حال النجاح الكامل للثورة وإذعان الجيش وانحيازه لمطالب الجماهير وتسليمه السُلطة للمدنيين، تكون من أولي الخطوات إصلاح الجيش على النهج القومي المُتفق عليه وبنائه بمهام الدستور في حماية الديمُقراطية نفسها ومهام حماية أمن البلاد الخارجي والمُساهمة مع الجميع في بناء الوطن

٧/ الصبر على الديمُقراطية ونظام الحكم بها وبناء مؤسسات فاعلة وحقيقية، فالديمُقراطية تتطور من خلال المُمارسة نفسها..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق