سلايدر

أنجيلا ميركل … وداعًا يا أيقونة السياسة

أيتعلم سياسيو العالم من نهجها وسيرتها النيّرة ...؟!

د. محمد بدوي مصطفى

لا أعرف يا سادتي من أين أبدأ مقالي لأتحدث عن هذه الأيقونة التي تركت مكانها في قلب البوندستاق قبيل أيام وتم تكريمها على أكمل وجه. أمرأه يدعي بعضنا أنها فولاذية القلب والجسد، لكنها يا سادتي سيدة وإنسانة من لحم ودم. وفوق هذا وذاك عالمة، وعارفة وهالة من رحمة بكل ما تحمل هذه الكلمات من معان. شاهدت قبيل أيام حفل وداعها من قبل القوات المسلحة الألمانية: يا للبهاء ويا للألق. والمدهش أن بين كل هذه الأنوار والبهرجة وقفت هذه السيدة في تواضع الحكماء والعارفين العلماء، آمنة بين الآمنين. ترحل أنجيلا وقد ابيضت سريرتها وهي مطمئنة لأنها استطاعت يا سادتي أن تجتاز كل المحن والصعوبات والكوارث اقتصادية، سياسية أو اجتماعية بنجاح منقطع النظير.

من كان يحسب يا سادتي أن فتاة بسيطة متواضعة «مقتولة الظل كما نقول» من ألمانيا الشرقية أن تمطي صهوة جواد السياسة لأعظم بلدان العالم على الإطلاق. والتاريخ يقول إنها عملت كنادلة في حانة من الحانات لتنفق على دراستها في كلية الفيزياء، بذلكم البلد الذي تبنى مذهب الشيوعية ووطدها إلى أبعد الحدود محترفًا متفننا في اخضاع ضمائر البشر وكسر العزائم والهمم. نعم نشأت في هذه البيئة الظالمة والحالكة بظلم حكامها وأنظمتها البغيضة كمؤسسة الإشتازي الماكرة. لكن كل ذلك لم يبطرها أن تمتلك زمام حياتها البسيطة فانتقلت لغرض العلم إلى شقة بائسة في برلين، فلم يكن يتوقع أحد وصولها إلى قمة الأولمب ولأعالي هذا الهرم وإلى عطارد السياسة العالمية. إن حنكتها وتدبيرها وفطنتها في مجال السياسة ستكون دون أدنى شك منهجا يلقن للكل في الجامعات والمعاهد العليا في مجال العلوم السياسية وسوف يتحدث العالم عنها حتى بعد الرحيل، فهي في الحقيقة باقية بأعمالها الثرة وقد كتبت اسمها على صحف التاريخ بمداد من نور. ويبقى طعم مرّ المذاق في هذا الشأن، لا سيما أن كل حكمائنا وعلمائنا وأدباءنا من ذوي العيار الثقيل لا يُعترف بهم ولا يبجلون إلا بعد أن يرحلوا. وإن قولة أهلنا بالسودان «إن شاء الله ما يجي يوم شكرك»، تقال إما عند الرحيل الأبديّ أو عند الوداع. ونحن أمّة لا تبجل عظماءها إلا بعد أن يرحلوا عنها. وهاهوذا  قد رحل عنّا قبيل بضع أيّام موسيقار السودان العظيم عبد الكريم الكابلي، وأرى الناس بعد رحيله قد تهافتوا شكره والثناء عليه وعلى أعماله ولكنه للأسف رحل وهو باق في قلوبنا، رحل غريب الوجه واليد واللسان، ودفن في بلاد الغربة دون الأهل والأحباب ودون أن يعطر قبره بماء النيل الطاهر، غادر دنيانا في بلاد تموت من البرد حيتانها – على حد قول الأديب الطيب صالح، بلاد احترمته واحتوته وأمّنت لها العيشة الكريمة، من حرية وسلام وعدالة،  لكن بلاده للأسف  لا. لكن تلك قصة أخرى.

لقد كتبت الصحفية الألمانية باتريشيا ليسنير كراوس في كتاب صدر مؤخرا لها يتحدث عن السيرة الذاتية لأول مستشارة ألمانية وحمل عنوان: «ميركل.. السلطة.. السياسة» كتبت أن أول مستشارة في تاريخ ألمانيا عملت أثناء دراستها الفيزياء كنادلة في إحدى الحانات. وكانت ميركل خلال مرحلة المراهقة الطالبة الأولى على مدرستها وكانت ترغب في أن تصبح معلمة، لكن هذا الحلم تبدد بعدما اعتبرت الحكومة الشيوعية أسرتها مشتبها بها. لذلك فقد اضطرت لدراسة الفيزياء ومارست عملا لبعض الوقت في حانة». نشأت في بيئة دينية فكان أبوها قسا، وتعلمت منه أي الرحمة والرفق ببني آدم. لذلك فليس من الغريب أنها قالت قولتها الشهيرة عندما أتت مئات الآلاف بل الملايين من أولئك الذين رمت بها ألسنة الحرب والعوذ، ليطرقوا بابها حيئذ قالت: سوف نقدر على مجابهة كل الصعاب وكم من مرّة اجزتنا كل العقبات في سبيل الإنسانية. مستطردة: أتودون أن أقول لها «لا مكان عندنا لكم؟».

عندما سُئلت عن عملها كنادلة أثناء فترة دراستها فأجابت بكل تواضع وبساطة بالآتي: «نعم، عملت نادلة في حانة… كنت أحصل على أجر يتراوج بين 20 و30 فينينج عن كل مشروب أبيعه وهذا منحني دخلا اضافيا تراوح بين 20 و30 ماركا في الأسبوع. هذا ساهم الى حد كبير في دفع الإيجار.» وأضافت ميركل التي درست في لايبزيج من عام 1973 وحتى عام 1978 «مع الأخذ بعين الاعتبار أن أجري كان 250 ماركا /قرابة 15 دولارا/ في الشهر.. فقد كان هذا الدخل الاضافي هام للغاية.» وحصلت ميركل على درجة الدكتوراة في برلين الشرقية عام 1986 تحت اشراف البرفسور يواكيم زاور الذي أصبح فيما بعد زوجها الثاني. وتحتفظ ميركل البالغة من العمر واحد وخمسين ربيعا بكثير من التفاصيل الغامضة حول حياتها الخاصة حتى بعد صعودها المفاجئ من متحدثة باسم اخر حكومة في المانيا الشرقية في عام 1990 الى زعيمة الحزب المحافظ في عام 2000 وصولا الى المستشارية في نوفمبر الماضي. وتم بشكل جيد توثيق التفاصيل الأساسية لسيرة ميركل الذاتية منذ تركها الحياة الأكاديمية في برلين الشرقية وانخراطها في العمل السياسي خلال الايام المثيرة التي شهدت توحيد ألمانيا في عام 1990. لكن لم يتكشف سوى القليل عن حياتها قبل ذلك. ويصرح موقع الدويشه فيله في شأن هذا المرجع التاريخي ببعض المحطات التي هامة جدًا في تاريخ الخاصة وفي نهج السياسة العالمية وبتاريخ ألمانيا المتحدة على حد سواء.

«ويشمل الكتاب الذي كتبته الصحفية التي تعرف ميركل منذ عام 1990 لمحات عن زعماء اخرين مثل الزعيمة الأيرلندية ماري ماكاليس لكنه يحتوي أيضا على حكايات مثيرة حول ماضي ميركل. وتصف الصحفية كيف ان ميركل التي كانت تدعى أنغيلا كاشنر لدى ولادتها في هامبورج انتقلت الى الشرق الشيوعي بعد ولادتها بستة أسابيع. وكان والدها الذي عمل قسا قدم الى الغرب من الشرق ولكن عمله أعاده الى الشرق مرة اخرى خلال عهد ما قبل بناء سور برلين حيث كانت مثل تلك الانتقالات عادية. وخلال طفولتها تعلمت انجيلا بسرعة كيف تتحدث ولكنها استغرقت وقتا أطول لتعلم المشي. وكانت تنزع الى التسلط على أخيها الاصغر. وكتبت ليسنيركراوس تقول: «حولت أخيها الى ساع… كانت تصدر الأوامر. وكان يأتي لها بكل ما تطلبه.» وظلت ميركل لفترة طويلة تخشى هبوط الدرج أو المنحدرات. وعلقت ميركل على ذلك بالقول: «كنت اتحول الى حمقاء للغاية عندما يتعلق الامر بالتحرك… اضطر والداي أن يشرحا لي كيف اهبط منحدرا.. وكان على أن أفكر في داخلي في الأشياء التي يمكن للشخص العادي أن يفعلها بشكل تلقائي وأتمرن عليها.»

اقتباس

وداعا ماما ميركل 16 عاما في صدارة السياسة العالمية

إنسانة بكل ما تحمل الكلمة من معان:

بينما يطلق الغالبية عليها لقب المرأة الحديدية أجد فيها شخص الإنسانة الدؤوبة والصديقة الصادقة الصدوقة في عملها، الأم الوفية وهكذا وصفها من عمل معها أو سكن بقربها أو جمعته سبيل الحياة الكثيرة بها. حقيقة يا سادتي ومنذ أن وطأت قدماها بساط البندستاك كل ما يهمها هو السير قدمًا بوطنها وأهلها إلى آفاق النجاح والتقدم بين الأمم. نعم، استطاعت أن تسلك طريقها بثبات وقوة جأش في مجتمع سياسي كان لغاية تلك الفترة حكرًا للرجال الأقوياء مثال فيلي برانت، هيلموت شميت، هلموت كول، وجيرهارت شرودر التي استطاعت في انتخابات عام ٢٠٠٥ من التغلب عليه بجدارة وكانت هي الانطلاقة لعهدها الذي سيشهد له التاريخ بالنجاح والتقدم، ذلك رغم بعض العفوات والاخفاقات التي صاحبته. ومقارنة برؤساء آخرين في العالم تتحصل أنجيلا على ماهية لا تزيد عن ٣٥ ألف يورو في الشهر. هذا يذكرني برئيس السودان المخلوع الذي كان يطلب ٢٠ مليون دولار في الشهر، لكن السؤال الذي يطرح نفسه مقابل ماذا؟ دمار واحتكار واحتقار لكل ممتلكات الشعب، فأين هذا كرئيس من السيدة أنجلا، والأمثلة في هذا الصدد تمتد على صحراء الوطن العربي السياسية وحدث ولا حرج.

لن تنسى ألمانيا في العام الماضي ذاك المشهد: حيث ضجت قاعة مؤتمر الحزب المسيحي الديمقراطي المنعقد في هامبورغ حوالي عشر دقائق متواصلة في عاصفة من التصفيق لم تشهد لها مثيل. وقد سكب الكثيرون دموع الفراق واللوعة لمستشارة سطرت اسمها بأحرف من نور على صفحات تاريخ بلدها العريق، ولم تستطع هي تمالك نفسها حيث زرفت هي أيضا دموع تعكس شكرها لمن وقف بجانبها كل هذه السنين الطوال ولم كانوا شاكرين لعملها ودأبها طيلة فترة حكمها. تأثرت ميركل بالمشهد، بعد أن ألقت آخر كلمة لها كرئيسة للحزب. ميركل ستبقى في منصب المستشارة إلى أن يشاء الله وتتكون الحكومة الجديدة.

ولابد لنا بالرجوع إلى الوراء قليلًا لنذكر بالبديات، ففي 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2005 انتخب البوندستاغ أنجيلا ميركل لتكون أول سيدة تشغل منصب المستشار الاتحادي في تاريخ ألمانيا. في انتخابات 26 أيلول/سبتمبر 2021 سوف تخرج من التنافس في الانتخابات، بعد 16 عاما على رأس الحكومة الألمانية الاتحادية. في ألمانيا عادة ما يحدد الحزب الأقوى ضمن الائتلاف مرشحه أو مرشحته لرئاسة الحكومة، حيث يقوم البرلمان بالتصويت عليه أو عليها بأغلبية بسيطة.  الأحزاب الأكبر في البلاد أعلنت الآن عن مرشحيها للانتخابات ومن المتوقع أن يكون أحد المرشحين لمنصب المستشار هو خليفة أنجيلا ميركل على رأس الحكومة الاتحادية. نستعرض المرشحين الذين اختارتهم أحزابهم على رأس ورقتها الانتخابية بالتسلسل. 

 نرى الآن أن الحقبة الرابعة على التوالي لعمل المستشارة أنجيلا ميركل توشك أن تكون قاب قوسين أو أدنى وسوف تنتهي بتكوين ائتلاف ثلاثي بين الأحزاب التي أحرزت من النتائج ما يؤهلها لقيادة هذه الدولة الرائعة والموتور الاقتصادي في قلب أوروبا النابض. كلنا رأى كيف تصدرت هذه السيدة عناوين الصحف العالمية التي لا تزال تمدح في عملها الدؤوب وفي سني تأسيسها لصرح اقتصادي جبار حيث تُشبّه بأيقونة العمل الإنساني المتمثل في الأم الكاثوليكية المشهورة تيريزا وقلّ ما نجد خارج ألمانيا أصوات ناقدة تسوق بعض الأمثلة المتمثلة في هيمنتها وتسلطها طيلة هذه الفترة وتذهب بعض هذه الأصوات اللاذعة بمقارنتها مع بهتلر.

ميركل وكارثة الحرب في سوريا والسرديات:

لقد اهتم الإعلام العربي بالمستشارة الألمانية ميركل وبالأخص لقولتها الشهيرة («سنجتاز هذه العقبة كما اجتزنا كل العقبات من قبل») عندما وقف مئات الآلاف من النازحين على أبواب بلدها ناشدين الدخول إلى جنة الخلد الألماني. وكما نعلم لقد اجتاحت في عام ٢٠١٦ أوروبا وبالأخص ألمانيا تلك الموجة العارمة والتي حملت معها ملايين من لاجئ الحرب لا سيما في سوريا والعراق ولحسن الحظ استطاعت ألمانيا من احتوائهم وجعلوا منها موطنهم الثاني وهانحنذا يا سادتي نقف على الكثير من السير الذاتية التي لم تأمل فيها الأحزاب المتطرفة النجاح لهؤلاء وأولئك ولكن رغم عن ذلك نجح الكثيرين وبلغوا برّ الأمان بأسرهم وأهليهم والفضل يرجع للمستشارة التي فتحت لهم الأبواب على مصراعيها وعاملتهم معالمة المثل في كل الحقوق والواجبات كما الألمان وفي بعض المرّات حقيقة أحسن من ذلك.

من جهة أخرى كان فضولي كبيرًا عندما قرأت رواية ماما ميركل حيث تبادر لزهني كيف جاءت الفكرة للكاتب عماد البليك ليشير لهذه المرأة الحديدية. فسألته وهاكم اقتباس حديثنا في حور بعنوان («معمار الرواية وبناؤها – الجزء ٦). سألته قائلاً:

اقتباس:

 إنّ كارثة الحرب في سوريا وتشرد ابناء الأمّة العربية والإسلامية في بقاع الأرض المختلفة جعلك تتفاعل معها بعدّة أعمال أدبية، من بينها رواية “ماما ميركل” والتي تحمل اسم المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، ما هي دوافع كتابة هذه الرواية بالأساس وكيف نشأت الفكرة وتبلورت؟

>الرواية تشكلت عندي من فلسفة الهجرة عبر التاريخ البشري، وفي الفصل الأول يتكلم الراوي العليم أو الكاتب أو الراوي الافتراضي – سمه بأي شكل كان – عن هذه الفكرة، كيف للهجرة أن تعيد بناء العالم الإنساني وتصوغ قوالب المجتمعات، سواء تمت بشكل جماعي أو أفراد متناثرين أو تمت بغزوات وحروب أو نتاج مجاعات أو جدب أو الخ.. حيث تختلف الأسباب والظروف من سياسية لاقتصادية وغيرهما. فالتاريخ البشري سيبدو إذن محمولا على هذا الإطار الذي تحركت منه لتطبيقه على لحظة معاصرة هي عالم ما بعد ما عرف بالربيع العربي في البلدان العربية، حيث حصلت حالة من الهيجان والتثوير التي ظن العرب انها لحظة عظيمة للتحول وبناء فجر جديد من التحرر، ثم اكتشفوا أن ذلك كان أضغاث أحلام وكوابيس مفزعة لا غير، لكن حقيقة المشكلة أبعد من ذلك بدأت منذ أحداث سبتمبر في الوسط الآسيوي في أفغانستان وهذه المنطقة التي اشتغلت فيها الحرب، كذلك في بلدان أفريقية، كل ذلك النسيج عملت على ربطه عبر فكرة هذا النص، حيث أن البطل الحقيقي فيه هو الفكرة نفسها، لم أكن مهتما ببناء أبطال مستمرين في الرواية كلها أو قصة لها الشكل الكلاسيكي، وهذا شكّل إرباكا لبعض من قرأوا الرواية باعتبار أنها مجموعة قصص أو متواليات قصصية أو ثمة من قال بالمعنى الواضح أنها “مشتتة”، وهذا إشكال يتعلق بما شرحته سابقا حول أزمة القراءة وما يحيط بها من إشكاليات التخييل الجديد وفهم السرديات والتاريخ الخ، من هذه القضايا التي استفضت فيها.

< هل هي فقط لفتة بطولية لما قامت به هذه المستشارة التي جاءت حينها بمقولتها الجبّارة “سوف نقدر على استيعاب كل هذه الحشود” وبقيت هذه المقولة تاريخا في ذاكرتنا الجمعية، أم أنّه شيء من مؤازرة لأولئك الذين تركوا وراءهم الأوطان ورحلوا دون وجهة يعلموها، منهم من بلغ ضالته المنشودة ووصل إلى برّ الأمان ومنهم من قضى نحبه.

> أنا لست مهتما بميركل بالدرجة الكبيرة، فهي أداة في محيط تاريخ ثقافي ومعرفي وسياسي ومعين، كان لابد لهذا الفعل أن يتم إنتاجه بشكل ما، جراء المتغير على أرض الواقع الجيوسياسي في البلدان العربية، الذي جاء بتأثيره المباشر على الواقع المتوسطي والأوروبي. ميركل لم تكن إلا ثمة استعارة، ليس في الأمر أي احتفاء ببطولة أو استثناء إذن، وهي داخل العمل الروائي تصبح امرأة أخرى ليست بالضرورة هي، تلك التي نعرفها في الواقع البراني. أي انها تدخل في مفهوم “السردية” الذي يعني إعادة إنتاج الأشخاص بتصورات متعددة تجعلهم يبدون بألوان جديدة وأفكار مختلفة، بالتالي فالرواية بقدر ما تتقاطع مع الواقع والتاريخ فهي لا تحكي عنه أو توثقه، فهي ليست عملا وثائقيا أو فيلما وثائقيا كما تفعل القنوات الفضائية عندما تنتج لك فيلما عن الهجرة عبر المتوسط، حيث يتم تسطيح الأمور بشكل كبير، فالناس نعم تحتاج إلى القصة أو الحكاية لكنها لا ترغب في أن تخبرها بما تعرفه، هي تريد تصورك أنت، مقالك ومفادك الجديد، الذي لن ينتج إلا عبر وعيك الذاتي، أيضا فلسفتك الخاصة باتجاه الواقع المعين.

فيما يتعلق بموضوع المؤازرة، ممكن للأديب أو الفنان أن يمارس دور السياسي وأن يصدرا بيانا يمهره بتوقيعه بأنه يتضامن مع الفعل الفلاني أو الشخص المعين، لكن هذا لن يجعله فنانا، ما يصنعه منه فنانا أو أديبا أن يعرف كيف يصنع فنه، هنا التحدي الأساسي، واليوم لدينا مشكلة “عويصة” في الخلط بين الاثنين، إذ أن بعض الكتّاب والأدباء والفنانين يأخذون دورهم ليس من خلال منتجهم الإبداعي أو تصوراتهم الجمالية الافتراضية للعالم، يعني كتبهم، بل من خلال البيانات المدبجة التي يصدرونها للتماس مع الواقع السياسي والاقتصادي البراني، هم هنا يسقطون عن الدور، ويصبحون ذيلا للتسلط ليس إلا، ويهينون مهمة الأدب في كونه فضاء أو حقل لذاته، إذا أردت أن تكون سياسيا فلتذهب إلى البرلمان وتقول رأيك – هذا إذا كان لك برلمان من الأساس! إذن فالمؤازرة هي شيء صميمي، ينبغي أن يكون مزروعا في الأساس بجوهر الفنان وقلبه، إذا لم يكن لديه هذا الحس أو هذه الخاصية، فهو يسقط من البداية، كما لا يحتاج – كما أوضحت – أن يصرخ خارج النص، بما يجب أن يقوله داخله، من يقرأ العمل سوف يفهم إلى أي حد كنت إنسانيا أنت وموضوعيا أم لا، دون أن يكون لك أي دور “احتيالي” آخر يحوّل خطابك إلى أداء تهريجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق