سياسة

مناظير المدائن

الجيش والدعم السريع!

زهير السراج

* ظل قائد قوات الدعم السريع متمسكا بعدم دمجها في القوات المسلحة بشكل يثير الريبة في  الهدف من وجودها، بل انه هدد في احدى المرات بأن المطالبة بدمجها في الجيش «حيفرتق البلد»، قائلا بأنها ليست فصيل او كتيبة وإنما جيش كبير يعمل بقانون أجازه برلمان منتخب (يعني المجلس الوطني للنظام البائد)، ولا ادرى ماذا يعنى ذلك، فأي قانون يمكن تعديله وإلغاؤه إذا تغيرت الظروف التي سُن فيها ولم يعد لوجوده معنى، أو صار عائقا أمام المصلحة العامة، ومما لا شك فيه أن قانون قوات الدعم السريع صار أحد أكبر معيقات وجود جيش قومي واحد في السودان، وهو الأمر الذى اتفق عليه الجميع بما في ذلك المكون العسكري الذى وقع على الاتفاق السياسي الاخير!

* ولا بد لنا أن نتساءل : لماذا لا يوافق (حميدتي) على دمج الدعم السريع في القوات المسلحة لو كان سليم النوايا، فالوضع الصحيح هو أن يكون فى البلد قيادة عسكرية واحدة تسيطر على كل القوات المسلحة البلد والجيوش التابعة لها بمختلف أنواعها، ولكن أن تكون هنالك قيادتان عسكريتان أو مجموعة قيادات مستقلة عن بعضها البعض تتولى قيادة عدد من الجيوش معزولة عن بعضها، فهو أمر شاذ يمكن ان يقود الى نشوب حرب بين هذه الجيوش لأي سبب من الأسباب او في حالة وجود خلاف بين قادتها تؤدي الى “فرتقة البلد”، وليس العكس كما يقول (حميدتي)!

* ما يجب أن يفهمه الجميع أن قوات الدعم السريع والتنظيمات العسكرية الاخرى (المليشيات) ليس لها مستقبل خارج المنظومة العسكرية للقوات المسلحة السودانية، فالوضع الطبيعي ان يتم دمج كل هذه الجيوش في القوات المسلحة السودانية بطريقة سليمة وصحيحة ووضعها تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة السودانية، حسب قانون وعقيدة وتقاليد القوات المسلحة السودانية، وليس كما يشتهي أو يرغب قادة تلك الجيوش والمليشيات وعلى قادة الجيش الضغط لتحقيق الدمج باختيار من يصلح وتسريح الاخرين بعد نزع اسلحتهم!

* القوات المسلحة السودانية مؤسسة عسكرية لها قانون ونظام عسكري صارم وقيادة عسكرية موحدة منذ تأسيسها في بداية القرن الماضي، ولقد ظلت تحتفظ بهذه التقاليد والنظم رغم محاولات النظام البائد إضعافها وتدميرها لمصلحة قوات الدعم السريع التي نشأت فى الاصل كمليشيات عسكرية شاركت في قتل وتشريد مواطني دارفور وحرق قراهم وكانت تعرف آنذاك باسم (الجنجويد)، ثم تحول الاسم لاحقاً الى (قوات حرس الحدود) لإعطائها الصبغة الرسمية وإخفاء جرائمها، ثم الى (قوات الدعم السريع) لمكافحة التمرد وحماية نظام المخلوع، واعطيت الاستقلالية لاحقاً بصدور قانون قوات الدعم السريع لعام 2017 بواسطة المجلس الوطني المنحل، رغم  المذكرة التفسيرية لوزارة العدل التي افتت بعدم دستورية القانون لتعارضه مع قانون القوات المسلحة!

* ورغم تعديل القانون لاحقا ليسمح بوضع قوات الدعم السريع تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة في حالة الطوارئ والحرب أو صدور قرار بذلك من القائد الاعلى للقوات المسلحة (رئيس الجمهورية آنذاك) ــ مجلس السيادة ــ إلا انه اعطى الاستقلالية لقوات الدعم السريع عن القوات المسلحة ووضع السلطة في يد قائدها، وهو ما جعل (حميدتي) يصرح لأجهزة الاعلام متبختراً بأنه والقائد العام للجيش في سرج واحد، وانه لا يأخذ تعليماته إلا من شخص واحد فقط هو (رئيس الجمهورية)، ومنذ ذلك الوقت أصبح (حميدتي) المتحكم الوحيد فيها، ساعده على ذلك التدمير الممنهج للجيش وإضعافه بواسطة النظام البائد، ثم تحققت لها الاستقلالية الكاملة بإلغاء تلك التعديلات بمرسوم دستوري صادر من رئيس المجلس العسكري الانتقالي في يونيو، 2019، وصارت جيشا قائما بذاته، لا علاقة لها بالقوات المسلحة ولا تأخذ تعليماتها من احد سوى قائدها.

* غير أن المستقبل ليس في مصلحتها بأي حال من الاحوال، ولن يظل الوضع الحالي كما هو عليه، فلا الشعب أو الجيش يرغب في وجودها، كما ان المجتمع الدولي لن يسمح بوجود قوات مسلحة يمكن ان تخرج عن السيطرة في أي وقت وتقود الى الفوضى و(فرتقة البلاد) كما يهدد حميدتي، وأشير هنا الى تصريحات سابقة لرئيس البعثة الاممية في السودان الذي لا يتحدث باسمه وانما باسم الامم المتحدة، بأن الاستقرار لن يتحقق في السودان في وجود عدة جيوش!

* كما أشير الى أن أحد اهم شروط الحركات المسلحة الأكثر شعبية وقوة عسكرية للتفاوض والانضمام الى ركب السلام هو اعادة هيكلة قوات الدعم السريع وضمها مع الحركات العسكرية الاخرى الى القوات المسلحة، وهو ما يجد تأييدا من الجيش والحركات التي وقعت على اتفاقية جوبا!

* ليس من مصلحة (حميدتي) أن يعترض على دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة، فكل الظروف الداخلية والخارجية مع إعادة الهيكلة والدمج، إلا إذا كانت هنالك أهداف خفية يسعى لتحقيقها، وعليه في هذه الحالة أن يعي ويفهم أنه هو الذي يسعى لـ(فرتقة) السودان وليس الآخرين!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق