سياسة

وما أشبه الليلة بالبارحة … صوتي «القديم» أهديه إلى مليونيات 19 ديسمبر

محمد المكي أحمد

في مثل هذه الأيام من العام 2018، شاءت إرادة المولى، فالق الحب والنوى، أن أكون مقيما في لندن، التي احتضنتي، وتحضنني الآن، وهي تطوقني وتغمرني برعاية تحترم حقوقي الإنسانية كافة، وبينها حرية التعبير والرأي.

رغم الرحيل من الدوحة في العام ٢٠١٥ فقد كانت وستبقى -بعون الله- علاقاتي قوية وحميمة مع شعب قطر وعدد من قياداتها ورموزها، فهم محل تقدير ومحبة، وهي متبادلة بيننا.

في مناخ الدوحة سطع نجمي الإعلامي، خليجيا وعربيا ودوليا، إذ عملت في عدد من المؤسسات الاعلامية القطرية، والعربية الدولية، صحافيا، مراسلا، ومدير مكتب مثلا لصحيفة (الحياة) اللندنية، ومراسلا لإذاعة مونت كارلو الدولية وقناة (ال بي سي) وعملت بوكالة الإعلام الخارجي (قطرية) ووكالة الأنباء القطرية، وفي كل هذه المؤسسات هناك من بادلني التقدير واحترم مهنيتي ووضعني في مواقع مسؤولية متقدمةً.

من اهم التجارب التي اعتز بها في حياتي المهنية، كانت فترة عملي خبيرا اعلاميا، مع الأمين العام السابق لمجلس التعاون الخليجي الأخ الأستاذ عبد الرحمن بن حمد العطية.

أبو حمد رمز خليجي، وصاحب عطاء متميز في مسيرة العمل الخليجي المشترك، وفوق هذا وذاك فهو انسان، اذ طوقني وأسرته الكريمة في أصعب الظروف بنبض محبة واهتمام وتقدير لن انساه، وهو يعبر عن معدن واخلاقيات لم ولن تغيرها تقلبات الأزمنة والأمكنة، أي أنه مثال رائع للشخصية القطرية الودودة والمنصفة. 

في الدوحة وُلد أيمن وأحمد وأمنية، ودرسوا في مدارسها حتى المرحلة الثانوية، قبل أن يتخرجوا في جامعات بماليزيا والسودان، والحمد والشكر لله.

الدوحة شهدت انطلاق مواقفي الداعمة لحقوق شعب السودان، إذ كتبت في تاريخ قديم عمود يومي (آفاق) في صحيفة العرب القطرية، في مرحلتها الأولى، وعندما اندلعت ثورة الشعب في أبريل 1985 جاء عمودي تحت عنوان (أعمال الشعب) ردا على ما كان يردده نظام الرئيس الراحل جعفر نميري في وصفه للتظاهرات زاعما أنها (أعمال شغب).

الدوحة شهدت أيضا مقالي الأول عن (الانقلاب العسكري في السودان) وهو الانقلاب الذي نفذه الرئيس المخلوع عمر البشير في 30 يونيو 1989، وجاء مقالي التحليلي الأول، الرافض للانقلاب في 11 يوليو 1989، في صحيفة (العرب) القطرية، اذ قلت أن الديمقراطية والتعددية اختيار شعبي.

تواصلت المسيرة، وكان من محطاتها عمود (سودانيات) الأسبوعي في الصحيفة نفسها.

لندن، حيث أقيم حاليا، هي منصة إعلام دولية حرة، أتاحت لي منذ العام 2015 أوسع فرص التعبير عن آرائي، بعيدا عن أي ضغط أو ملاحقة، من أي نظام ديكتاتوري في السودان، فحاورتني في لندن في فترة انطلاق ثورة ديسمبر 2018 قنوات واذاعات دولية في صدارتها (بي بي سي) التلفزيون والراديو و(الحدث) و(سكاي نيوز -عربية) و(الحرة) و(الحوار) و(الغد) و(المغاربية) و(التركية- العربية) وإذاعتي الرائعة التي عملت بها سنوات عدة مراسلا من الدوحة (مونت كارلو الدولية) كما حاورتني إذاعة الكويت، وقناة الجزيرة.

لكل هذه المنصات أجدد تقديري واحترامي لأنها اتاحت لي فرص التحليل والتعبير عن الرأي، دعما لثورة شعب السودان، السلمية.

هذا الكلام أكتبه للتاريخ والتوثيق، خصوصا أنني أعاني من مشكلة في صوتي منذ فترة، ولم أتمكن حتى الآن من تلبية دعوات عدد من القنوات للتعليق على انقلاب الفريق عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021.

لكنني – رغم الظروف الصحية- كتبت مقالات عدة عن رأيي الرافض للانقلاب، الداعم لشعب السودان وشبابه، الذي يتصدر الشوارع، سلميا، رفضا للقمع، في سبيل تحقيق أهداف ثورة ديسمبر 2018 وانتزاع حريته وحقوقه الإنسانية، ووسط زغاريد (الكنداكات) وهتافاتهن القوية والجميلة.

على وقع استعدادات شعبنا بقواه الشبابية والسياسية والاجتماعية الحية للتعبير السلمي عن رفضهم لانقلاب البرهان واتفاقه الثنائي الظالم مع دكتور عبد الله حمدوك في (مليونيات) الأحد 19 ديسمبر 2021 أهدي شعبنا صوتي (القديم)، بقناعاته القديمة المتجددة.

أخترت من بين لقاءات عدة حوارا أجرته قناة (الحوار) في لندن في 21 ديسمبر 2018، أهم ما في جاء في حديثي يكمن في قناعاتي القديمة، المتجددة، بأن (شعبنا سينتصر) وقد كررت ذلك كثيرا في قنوات عدة قبل إطاحة النظام الديكتاتوري في 11 أبريل 2019، واليوم أقول مجددا أن شعبنا سينتصر بشبابه الحيوي.

في المقدمة تأتي (لجان المقاومة) والمهنيون، وقيادات وكوادر قوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني لم تتلون، أو تتنكر لحقوق الشعب المشروعة في الحرية والعدالة والسلام والعيش الكريم، ولم تنافق الانقلابيين أو تدعمهم بأساليب عدة.

استمعت إلى وقائع حواري في قناة (الحوار) بلندن، وقلت ما أشبه الليلة بالبارحة.

في حديثي في ديسمبر 2018 تحدثت عن القمع والاعتقالات وقطع خدمة الانترنت في أواخر فترة نظام البشير، وهاهو المشهد يتكرر مع البرهان ومجموعته الانقلابية، العسكرية والمدنية، إذ جرت اعتقالات بعد فرض مناخ الانقلاب الحالي وعمليات قمع ومصادرة للحريات وقطع خدمة الانترنت واغلاق جسور، ورغم ذلك لا يخجل الانقلابيون من تكرار تصريحات جوفاء، يُكذبها الواقع، وسقطت في اختبار الصدقية وامتحان عدم اقتران الأقوال بالأفعال.

أكرر عشية تظاهرات الأحد 19 ديسمبر 2021 أن شعبنا سينتصر اليوم، أو غدا..

لا مستقبل للظلم والظالمين والطغاة والديكتاتورين، أيا تكن شعاراتهم وأساليبهم، ومناوراتهم..

المستقبل للحكم المدني، الذي يصون الحريات..

المستقبل للنظام الديمقراطي، العادل، الذي يحترم الحقوق المتساوية للسودانيين كافة، باختلاف رؤاهم وتوجهاتهم، وقناعاتهم، ويحميها.

في هذا السياق، أهدي صوتي (القديم) إلى أسرتي الصغيرة، الحبيبة..

إلى إشراقة وأيمن، وأحمد وأمنية، فقد تحملوا معي ضغوط الملاحقات وسفري الطويل، ومواجع تشتيت شمل الأسرة، وإلى أخواني وأخواتي وأهلي.

أفراد أسرتي وأهلي شركاء في كل التضحيات والمواقف، لأنهم تحملوا تبعات سفري الطويل وأثمان المواقف..

حفظهم الله، وحفظ الأحباب والحبيبات والأصدقاء والزملاء وكل من غمروني على مدى سنوات وما زالوا، بنبض المحبة والمودة والصداقة، وبينهم زملاء في السودان والخليج، ودنيا العرب، وفي دول عدة.

حديثي إلى قناة الحوار في ديسمبر 2018، أهديه لشعبنا الرائع، وشباب السودان، الذي أطاح معادلات قديمة، ويقدم لنا يوميا، ولمن يريد أن يتعلم ويتعظ دروسا باهرة، ورائعة، تعني أن المستقبل لهذا الجيل، لأنه يضحي بدمه، وعرقه، سلميا، ومن دون مَن أو أذى.

ما أروعكم …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق