آراء

ضفاف

في بلادي لا تناقش بل أرضخ دونما تفكير!

عاصم فقيري

هنالك مثل شائع، بل هو علمي ويصاغ في الادب العربي بمقولة: لولا سواد الليل لما عرف الفجر (او هكذا).. ويصاغ باسلوب علمي في مقولة: بضدها تعرف الاشياء. وهناك مقولات كثيرة تنسحب على نفس المعنى. ولذلك نجد كثيرا الجمع بين المتناقضات في ادب النقد مثال ذلك الشك واليقين او السترة والفضيحة متباريات (من الاقوال السودانية الشائعة)!

قصة نبي الله ابراهيم معروفة للجميع وطريق الشك والايمان الذي جعل نبي الله ابراهيم يبحث عن الله فكان كلما رأى كوكبا قال هذا ربي وبعدها يكتشف أنه ليس الله حيث انه يؤمن قاطعا الشك بأن الله لا يمكن أن يكون من الآفلين فيقول أنا لا أحب الآفلين وعندما رأى الجمل قال هذا الله ولكنه اهتدى انه لا يمكن أن يكون الجمل هو الله!

ما دعاني اتناول هذا الموضوع في الحقيقة هو واقعة حدثت في احدى المدارس السودانية خلال الايام القلائل الماضية، وهي أن ادارة المدرسة قامت بفصل تلميذ في عمر الست سنوات بسبب تساؤلاته وشكوكه فيما قيل له بانه إذا اكل بيده اليسرى فإن الشيطان سيأكل معه وهو لم يقتنع بهذا الكلام، وكمان انه سأل عن مكان وجود الله فقيل له في السماء، ولكنه أيضا لم يقتنع بأن يكون الله مع الكواكب في السماء!

لم يجد مدرس الصف القدرة على اقناع التلميذ بل لم يكلف نفسه مجرد النقاش والمحاولة بل رفع الأمر الى مدير المدرسة والذي اوصى بفصل التلميذ من المدرسة ودون أخطار ولي أمر التلميذ، فقط تم توجيه سائق الحافلة الذي يقوم بتوصيل التلاميذ إلى المدرسة بأن لا يذهب لإحضار التلميذ المعني في اليوم التالي!

لن اخوض في تفاصيل حضور ولي أمر التلميذ والتي هي والدته إلى المدرسة مستفسرة عن سبب عدم حضور حافلة الترحيل لابنها، بل سأقفز الى ما بدر من ادارة المدرسة التي لم تكلف نفسها أيضا مناقشة ولي أمر التلميذ وضاقت ذرعا بتلك الزيارة الاستفسارية واصرت على موقفها بفصل التلميذ الذي لم يجد اجابات شافية لاستفساراته!

إذا لم يجد تلميذ في عمر السادسة من يستمع لتساؤلاته ويجيب عليها في المدرسة فما الداعي للانتماء لهذه المدرسة اصلا كمؤسسة تعليمية؟! أعتقد أن مثل هذا المدرسة يجب أن تخضع ادارتها للتحقيق ويجب أن تخضع لمحاكمة قضائية يعاقب عليها مدير المدرسة ومدرس الصف والمشرف على هذا الخلل الذي يعتبر خلل أساسي به تنتفي صفة المؤسسة التعليمية التي تتمتع بها هذه المدرسة التي لم تراعي ابسط حقوق التلاميذ وكذلك حقوق اولياء الامور!

مثل هذه القضية يجب أن تكون ذات اولوية قصوى يتصدى لها كل المسؤولون في النظام التعليمي وبل في كل مواقع المسؤولية في الدولة، هذا ان كان هناك نظام تعليمي ودولة في الاساس!

لذلك كان كثير من خبراء المناهج يتحدثون ويكتبون عن اضرار المناهج التلقينية، حيث انه ان لم تتوفر للتلميذ فرص النقاش والتساؤلات فلن يتعلم ما يقنعه بل سيردد ما يلقن به وفي مرحلة ما سيتجاوز كل ما تم تلقينه إياه وتكون النتيجة صفرية!

كل الدول التي تقدمت وازدهرت كانت قد وضعت الاولوية للتعليم وتنقيح المناهج التعليمية حتى تكون ذات فائدة للتلاميذ في حياتهم، لذلك يجب التركيز على التعليم والاهتمام بالمناهج وبعلميتها.

في بلادي، يرددون ويحفظون دونما فهم او اقناع بجدوى ما يحفظونه فهو فقط للنجاح في الاختبارات ولكن عندما يصطدم الطالب بعد تخرجه بالواقع يجد نفسه مضطرا للبحث والتعلم من جديد لانه لم يتلقى اساسيات العلوم وفق منهج علمي واضح الاهداف والمعالم!

فقط باستدعاء تجارب الشعوب في مضمار التعليم ممكن ان ملاحظة الفرق الشاسع بين مناهج اساسها التلقين ومناهج على اسس علمية.

لا بد لنا من وقفة ومراجعة شاملة للعملية التعليمية في السودان وعلى وجه الخصوص المراحل الصغرى من الحضانة الى الصف السادس الابتدائي، لان انهيار التعليم يعني انهيار المجتمع ككل!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق