خبراء المناخ

تقرير المصير في الصحراء وخدعة التمييز بين السيادة والإدارة

عبد العزيز كوكاس

لا يمكن للمغرب أن يدفع ضريبة كسل القانون الدولي بالتضحية بجزء من ترابه الوطني، فبوضع المملكة قضية الصحراء بيد الأمم المتحدة، بحسن النية وبمنطق التاريخ في لجنة تقرير المصير، لم يكن سوى بهدف تدخل المجتمع الدولي لإنهاء حالة الاستعمار الإسباني لجزء من المغرب، حيث لم يكن من معنى لتقرير المصير غير رفض استمرار سلطة الاستعمار الإسباني والعودة إلى أرض الوطن كما حدث مع باقي الأجزاء الجنوبية المحررة تدريجيا، فما الذي يجعل إقليم الساقية الحمراء ووادي الذهب استثناء عن سيدي إفني وطرفاية وباقي المدن المحررة، حيث لم تكن هناك لا جبهة بوليساريو ولا تدخل جزائري في قلب الصحراء حتى منتصف السبعينيات، فكيف يتحول صاحب حق، إلى مستفتى حول أرضه؟ وفوق هذا تنص كل المعاهدات والمواثيق الدولية على وحدة التراب الوطني للدول باعتبارها ذات أسبقية على تقرير المصير/الذي تحول في العديد من التجارب إلى انفصال مؤلم زمن الحرب الباردة وما تلاها، واستعمل بشكل قسري كأداة لتفكيك وحدة الدول وإضعافها.

عندما نال المغرب استقلاله عام 1956، كان قد قرر مصيره بطريقة متفردة، من جهة لأن الأمر كان يتعلق باستمرار سلطة رمزية للدولة في شخص ملك البلاد، ومن جهة ثانية لأن الكفاح الذي خاضه الشعب المغربي برمته، التقى عند هدف واحد، يكمن في ربط الاستقلال بشرعية عودة الملك الراحل محمد الخامس بعد أن نفته الإدارة الاستعمارية الفرنسية إلى مدغشقر في 20 غشت 1953.

غير أن اللافت في التجربة المغربية أن مظاهر النضال السياسي والمقاومة المسلحة التي قادتها الحركة الوطنية مشخصة في حزب الاستقلال، كانت تتم بتنسيق كامل مع العرش، لأنه ظل يرمز إلى وحدة الأمة وحرمة استقلاليتها، وقد شملت المقاومة المسلحة كل أجزاء التراب الوطني، بما في ذلك أقاليم الساقية الحمراء ووادي الذهب التي كانت واقعة تحت النفوذ الاستعماري الإسباني، وحتى في المناطق الشرقية التي اقتطعت من التراب المغربي من طرف فرنسا.

خلاصة ذلك أن تقرير المصير الذي قاد إلى إلغاء معاهدة الحماية والدخول في مفاوضات أدت إلى استقلال المملكة المغربية، الذي لم يكن كاملا، طالما بقيت أجزاء محتلة في الشمال والجنوب حُررت غالبيتها على فترات، ارتكزت على رمزية العرش وعلى الفعل التحرري الذي قاده حزب الاستقلال عبر حركة المقاومة وجيش التحرير، تماما كما استند الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية في لاهاي إلى روابط البيعة والولاء بين سكان الجنوب والعرش المغربي لتأكيد الحقوق المشروعة للمغرب في أقاليمه الجنوبية.

لم يكن الأمر بهذه البساطة في قضية الصحراء المغربية، تحديدا، بسبب أن اتفاقية مدريد نفسها لم تخرج عن نطاق تسليم الإدارة الإسبانية إلى المغرب، ولم يكن في وسع إسبانيا أن تسلم سيادة لا تملكها أصلا.. غير أن تسليم الإدارة، إذ يتوازى وأنواع الانتفاضات المسلحة لأعضاء المقاومة وجيش التحرير في الأقاليم الجنوبية، والزحف السلمي لإخوانهم في الشمال عبر المسيرة الخضراء في السادس من نوفمبر 1975، استنادا إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، يصبح الأمر أكثر قوة وإلزاما من أي استشارة شعبية لتقرير المصير.. طالما أن الفرع عاد إلى الأصل، والنزاع الذي كان قائما بين المغرب وإسبانيا آل إلى جلاء الاستعمار.

بيد أن تصديق الجماعة الصحراوية برئاسة الزعيم الصحراوي خطري ولد سعيد الجماني اعتبر بمثابة تكريس لذلك التحول الذي أعاد الأقاليم الصحراوية إلى طبيعتها التاريخية والقانونية.. ومن الغريب أن وضع الجماعة الصحراوية هذه كان يُنظر إليه في إسبانيا أنها تمثل إرادة السكان، إلا أنه بعد انسحاب الإدارة والجيش الإسبانيين، أعيدت صياغة مبدأ تقرير المصير الذي كان يتم استخدامه في كل حين وفق الأهواء والمصالح، وليس وفق المبادئ.. وتلك عقدة المستعمر الذي يظل يمثل دور الضحية بعد فرض واقع الاستقلال والتحرر من ربقة المحتل، لأنه يريد استعادة وجهه البشري بالتباكي على الجرائم التي خلفها، كما لو أنه يريد تحويل ضحيته إلى جلاد.

عندما يصار إلى تحديد مفهوم تقرير المصير في قضية الصحراء، كأسلوب للتعبير عن الإدارة، تغيب معطيات هامة، وفي مقدمتها الجهة التي كانت منذ البداية وراء طرح المسألة على أنظار الأمم المتحدة، أي المغرب باعتباره المعني أساسا بتقرير المصير، بمعنى أن أي استشارة للتعبير عن الإدارة يجب أن يشارك فيها مجموع الشعب المغربي، أما الاقتصار على سكان الأقاليم الصحراوية وحدهم، فإن ذلك يعتبر تكريسا لواقع أن تقرير المصير لن يكون ناقصا فقط، وإنما يلتف على جوهر القضية التي تعني كافة مكونات الدولة المغربية.

ظل الهدف البعيد في ملف الصحراء هو زرع بذور التشكيك في المعطيات التاريخية والقانونية والحضارية التي استند إليها المغرب في تعزيز ملفه المطلبي أمام المجتمع الدولي، وتحديدا خلال فترات المواجهة المفتوحة بين الرباط ومدريد، ولا يعني بعض النقاش الدائر حول اكتفاء إسبانيا بتسليم الإدارة إلى المغرب وليس السيادة، سوى جزء من تلك الخطة.

فالأصل في الوجود الاستعماري في أي منطقة من العالم، أنه كان مفروضا ضمن بواعث توزيع مناطق النفوذ ونهب خيرات الشعوب، وبالتالي ليست هناك تجربة استعمارية في العالم ارتكنت إلى مفهوم السيادة التي لا تتوفر عليها، حتى تسلمها عند انسحابها.

لكن هل كانت الصحراء قبل استعمارها من لدن إسبانيا منطقة قائمة الذات.. وهل كانت هناك سلطة غير السلطة الشرعية المركزية للمغرب تدير تلك الأقاليم قبل احتلالها؟ لماذا إذن يجري التنكر لهذا الواقع القانوني والتاريخي، وكأن الوجود الاستعماري سيستنسخ ما قبله من معطيات؟ هل كانت في الأقاليم الصحراوية إدارة غير الإدارة المغربية، وهل كانت المعاملات تتم بعملة غير مغربية أو تحت علم غير مغربي؟ أبعد من ذلك، هل سجلت القضية عندما كانت تحت خانة تصفية الاستعمار باسم كيان آخر غير الدولة المغربية؟ وهل تفاوضت إسبانيا قبل جلائها مع المغرب أم مع جهة أخرى، حتى يُصار اليوم لطرح فرضيات خاطئة لا يمكن ألا تقود إلا إلى خلاصات خاطئة ومرفوضة؟

في سياق متصل، فإن إسبانيا حين تُقر بأنها لم تمنح المغرب السيادة على الصحراء، تكون منسجمة مع نفسها من منطلق أن فاقد الشيء لا يعطيه، لكن أطروحتها حول الأرض الخلاء تكون انهارت بفعل أنها حين احتلت الإقليم، كان هناك سكان منتظمون داخل مجتمع يرتبط بالسلطة المركزية للدولة المغربية على مر العصور، وهذا الارتباط في طبيعته وتقاليده ومجالاته يختصر مفهوم السيادة التي لم تكن لغير الدولة المغربية.

إن طرح فكرة السيادة المجزأة لا يصمد أمام حقيقة أن التدرج الذي سلكته المفاوضات المغربية الإسبانية في استعادة طرفاية وسيدي إيفني ثم الساقية الحمراء ووادي الذهب، كان يضع كل هذه الأقاليم في خانة واحدة، لا يفرق بينها سوى العامل الزمني، وإذا كانت إسبانيا أذعنت لحقيقة أنها سلمت المغرب السيادة على طرفاية وسيدي إيفني، فكيف لا ينطبق الأمر على باقي الأقاليم التي كانت جميعها واقعة تحت الاحتلال الإسباني؟

لقائل أن يرد بأنه لم تكن هناك مطالب في ملف المناطق الصحراوية التي توصف الآن بأنها غير متنازع عليها، على عكس ما هو عليه الوضع بالنسبة للصحراء؟ لكن منذ متى ظهرت تلك المطالب وفي أي ظروف وتحت أي اعتبارات؟ وهل يكفي أن يوجد منازع ليتم التنكر لكل الحقائق ذات الصلة بمظاهر السيادة؟ ثم لماذا لم تجد إسبانيا في أطوار المواجهات الدبلوماسية لتحقيق الجلاء غير المغرب؟ أين كانت جبهة بوليساريو حين كانت قوات جيش التحرير والمقاومة تخوض المعارك تلو الأخرى لتحرير الأرض؟

الذين يتحدثون عن مطالب غير مغربية، يعرفون جيدا أنها لم تظهر إلى حيز الوجود إلا حين صمم المغرب على الدخول في آخر مواجهة مع إسبانيا، وتحديدا من خلال طلبه إلى الأمم المتحدة الاستئناس باستشارة محكمة العدل الدولية في لاهاي، فهل كانت الجزائر وعبر جبهة بوليساريو طرفا في هذه العملية؟ الأكيد أنها لم تكن كذلك، لأنها كانت قد انتقلت من حركة تحرر إلى مجرد أنبوب في الحاضنة الإسبانية، ترضعه مدريد تارة والجزائر تارة أخرى للتشويش على مسار الأحداث، خصوصا في الجانب الذي يطال ترك «مسمار جحا» في البيت المغربي كما في الحكاية الشعبية.. اليوم بعد أن دخلت القضية دواليب الأمم المتحدة وخضعت لرهانات ومصالح جيوستراتيجية في لعبة الكبار على المستوى الدولي، وبعد اعتراف ممثلي الأمين العام للأمم المتحدة المتعاقبين من هنري كيسنجر إلى فان فالسوم باستحالة تنظيم استفتاء لتقرير المصير، وبعد مرر ما يقارب نصف قرن على أقدم نزاع متوارث من الحرب الباردة، لا يوجد سوى مقترح وحيد اعترفت جل دول العالم بكونه «عادل ووجيه وقابل للتطبيق» والمرتبط بمقترح الحكم الذاتي، فإن الفكر الوحدوي ومراعاة البعد الإنساني في قضية النزاع حول الصحراء الغربية، بما يخدم وحدة الأوطان لا ترسيخ تجزيئها وتقسيم خرائطها تحت أي مسمى، عرقي أو إثني أو حتى من باب الاتكاء على مبدأ تقرير المصير كحق كوني ضد حق الدولة الوطنية في وحدة ترابها، فيما يشبه الحق الذي يراد به باطل، وهو ما يستدعي الكثير من الحكمة للحوار والجلوس إلى طاولة المفاوضات على أرضية مقترح عملي جريء ومنصف من أجل حل سلمي وعادل ودائم لفائدة ساكنة الصحراء وما يخدم وحدة هذه الأمة، بدل التهديد بالعودة إلى حمل السلاح مثل إطلاق بالونات اختبار فارغة في الهواء، إن الصحراويين يقررون مصيرهم بشكل دوري في كل الاستشارات الانتخابية والاستفتاءات حول الدستور منذ منتصف السبعينيات حتى اليوم، وهو من يتصارعون ويتنافسون على أرض الواقع من أجل أن يكون المغرب بلدا موحدا وقويا، يديرون شؤونهم ويدافعون عن مزيد من الديمقراطية وعن حقهم في التنمية والحرية والعدالة مثلهم مثل باقي إخوانهم في شرق وغرب وشمال المملكة، ليسوا محتجزين ولا ممنوعين من السفر ولا مقيمين في كيتوهات مذلة ومحروسة بالأسلاك الشائكة، هذا هو تقرير المصير الحقيقي وما غيره سوى الهباء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق