خارج الحدود

سيف الإسلام إلى الحكم أم الاختفاء أم لاهاي؟

أبو القاسم علي الربو

«سأرسم الساحل الليبي الجميل بطول 2000 كم، وسأقول لأي شخص مش عاجبه معمّر القذافي أن يشرب من هذا البحر ومن الجهة التي يريد». .. هذا ما أجاب به سيف الإسلام القذافي، قبل سنوات من سقوط نظام والده في ليبيا، عندما سألته المذيعة عن اللوحة التي يمكن أن يرسمها ويهديها إلى والده، في مقابلة أُجريت معه في وقتٍ شهدت فيه الساحة السياسية الليبية، وعلى غير العادة، بعض الهمس بشأن الإصلاحات التي يجب أن يقوم بها النظام، ولم تتبلور في صورة مطالب يمكن الجهر بها في وجه نظام كان يعتبر انتقاده خيانة، والتصريح بالحاجة إلى الإصلاح، حتى وإن كان همسا أو لمزا لا يعدو كونه عمالة لدول إمبريالية أو تحقيقا لأهداف جماعة الإخوان المسلمين «المتآمرين على الثورة». وفي الحالتين، تهمة يعرف الجميع عقوبتها. أما المطالبة بهامش من الحرية فذلك ترف لم يكن المواطن الليبي البسيط يحلم به، في ظل تردّي أوضاعه المعيشية وسوء الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها.

فوجئ ليبيون كثيرون بتلك الإجابة على لسان الابن الذي كان يُنظر إليه نظرة مختلفة، من حيث تمتعه برؤية إصلاحية قادرة على نشر الديمقراطية وقبول الرأي الآخر الذي حُرم منه الليبيون سنوات. ولكن، ومن جهة أخرى، هناك من توقّعوا هذه الإجابة، لإدراكهم أن الإصلاحات التي ينادي بها سيف الإسلام، ويسوق لها إعلام والده، لم تكن سوى تبادل أدوار، ووسيلة سمجة للتخفيف من حدّة التوتر الذي يشهده الشارع، ولامتصاص الغضب الذي أصبح يُلاحظ، على الرغم من القبضة الأمنية التي كان النظام يمارسها بحرفيةٍ تامة.

استمر سيف الإسلام في لعب ذلك الدور المرسوم، متّخذا من الإصلاحات التي ينادي بها الليبيون أداة استعملها للظهور بمظهر الخليفة الذي يتفق عليه الجميع. فعلى سبيل المثال، اختار الدستور، الذي كان غائبا عن نظام حكم، اعتمد الكتاب الأخضر و»النظرية العالمية الثالثة» أساسا للحكم، تلك الأفكار والمقولات التي أدّت إلى قرون من الحكم المطلق، اختار الدستور بعدما كثر الحديث من الداخل والخارج عن ضرورة وجود ما ينظّم العلاقة بين السلطات، ويحدّد الخطوط الأساسية لشكل الدولة، ويرسم نظام الحكم، ويبين دور معمّر القذافي في هذا النظام. فخرج سيف الإسلام، وفي أكثر من مناسبة، يدعو إلى ضرورة سن دستور، مصرّحا، وفي أكثر من مناسبة، بأنه «أمر لا رجوع عنه». واستمر سيف الإسلام وإعلامه في تسويق هذا الأمر، وشغلوا به الرأي العام فترة طويلة، وظل مقترح الدستور «المنتظر» يراوح بين لجان تُشكل ودراسات تُجرى وأموال خُصصت لهذا الشأن. وطال الانتظار، وأصبحت حجج اللجان والدراسات والوقت في حدّها الأدنى مدعاة للضحك والتندّر، فتم اللجوء إلى بعبع «الحرس القديم» ومقاومته خطوات الإصلاح مبرّرا لتأجيل البت في هذا الموضوع.

تم الانتقال إلى الملف الثاني، وهو الأكثر حساسية، والذي كان يقض مضجع النظام، ملف مذبحة سجن أبوسليم، والتي راح ضحيتها مئات من السجناء، وهو ملف ظل مجرد الحديث عنه أو الإشارة إليه جريمة، فالكل يعرف أنه حدث، ولكن أحدا لا يجرؤ على معرفة كيف ولماذا ولا عدد السجناء الذين قضوا في تلك الحادثة، فلم يتم إبلاغ عائلات الضحايا بمصير أبنائها. ومن القصص المحزنة التي يرويها بعض الأهالي، بعد نجاح ثورة فبراير في العام 2011، أنهم ظلوا يأتون بالأطعمة والملابس لأبنائهم شهورا طويلة، وكان مسؤولو السجن يستلمونها، ويتم إبلاغهم بأنها سُلّمت للمساجين، ثم اكتشفوا أن أبناءهم قتلوا في تلك الأحداث، ولم يُبلّغوا بذلك، بل وتتم طمأنتهم في كل زيارة بأن أبناءهم قد استلموا تلك الأشياء، ويبلغون شكرهم وتقديرهم لهم. اقترب سيف الإسلام القذافي، من خلال جمعية حقوق الإنسان التي كان يديرها، من هذا الموضوع، بعدما أيقن النظام أن استمرار سياسة الإنكار لا يمكن أن تطول، وأن عليه مواجهة الحقيقة وإيصالها حسب وجهة نظره، وتسويق أن الحادثة حصلت، بعدما تمرّد السجناء وقتلوا بعض حرّاس السجن، فأبلغت الجمعية أهالي القتلى، وعرضت عليهم تعويضاتٍ مالية، وكثيرون منهم رفضوها ما لم تقترن بتسليمهم جثامين أقاربهم الذين قضوا في الحادث.

وإلى جانب الدور الذي لعبه سيف الإسلام في الشأن الداخلي، فقد حقق نجاحاتٍ كثيرة في علاقات النظام الدولية، وخصوصا مع الغرب، حيث استطاع تسوية قضايا شائكة كثيرة، مثل مساهمته في إطلاق سراح الممرضات البلغاريات في العام 2007، تلك القضية التي أدّت إلى توتير العلاقات الليبية الأوروبية طوال فترة اعتقالهن، كما ساهم في حل ملف البرنامج النووي الليبي، وإقناع السلطات الليبية بتسليم كل ما لديها من برامج قد تساهم في تطوير هذا البرنامج، وبالتالي المساهمة في إعادة العلاقات الليبية الأميركية، والتي كانت تصطدم بمحاولات النظام الليبي تطوير أسلحة الدمار الشامل.

اندلعت المظاهرات الشعبية في فبراير/ شباط 2011، وكشّر النظام عن أنيابه، وواجها بكتائب مسلحة، كان يُظن أنها دُرّبت وسُلحت بأحدث الأسلحة للدفاع عن البلاد ضد الأخطار الخارجية. ووصف معمّر القذافي المتظاهرين بأنهم مجموعة من العملاء ومتعاطي الحبوب المهلوسة، وتوعّدهم بالملاحقة من بيت إلى بيت ومن زنقة إلى أخرى. وفي هذه الأثناء، اتجهت الأنظار إلى الابن، ووُضعت مصداقية شعاراته على المحكّ، ففشل في أول اختبار عملي له، حيث خرج، في خطابه المشهور، مهدّدا الليبيين، قائلا «إن أنهارا من الدماء ستسيل إذا سقط النظام، وسيحتكم الجميع إلى السلاح الذي أصبح في متناول الجميع، وسنبكي على مئات الآلاف من القتلى». واختتم خطابه متوعدا «إننا سنقاتل حتى آخر طلقة». قتل معمر القذافي في سرت، مع قلة قليلة من رفاقه الذين آثروا البقاء معه والدفاع عنه، أما سيف الإسلام فقد قبض عليه في الجنوب الليبي، حين كان يستعد للمغادرة نحو النيجر.

مضت سنوات، ونُسي سيف، وتضاربت الأخبار بشأن مصيره، وظل مصيره مجهولا، لا يعلمه إلا الله وبعض الراسخين في العلم من كتيبة أبو بكر الصديق في الزنتان التي تولت حراسته، واختفى عن الأنظار، ولم يخرج في أي تصريح إعلامي سنوات، إلى أن رجحت فرضية موته، إلا أن الصحافي الأميركي روبرت وورث أزال ذلك الغموض، عندما نشرت صحيفة نيويورك تايمز المقابلة التي أجراها معه في مقر إقامته في الزنتان، والتي لم يعد سجينا فيها، بل حرا وطليقا ويتمتع بحراسة على مدى اليوم، مقابلة أكد فيها سيف الإسلام رغبته في العودة إلى الساحة السياسية.

وما أن فُتح باب الترشّح للانتخابات الرئاسية، حتى سال لعاب نجل معمر القذافي مجدّدا، لتحقيق حلمه في حكم ليبيا، الحلم الذي تحطّم على صخرة عناد أبيه وعدم رغبته في التنحّي عن الحكم، على الرغم من وصوله من العمر عتيا، فأسرع سيف الإسلام إلى تقديم أوراقه، واختار مدينة سبها في الجنوب الليبي، لأن فيها قبائل كثيرة ما زالت على ولائها لنظام والده، ومن محكمتها أيضا أُعيد إلى سباق الرئاسة، بعدما طُعن في ترشحه.

وعلى كل حال، يبدو أن سيف الإسلام اختار توقيتا حساسا ومناسبا لترشّحه، فهو يدرك أن الظروف الصعبة التي يعيشها الليبيون، مند سقوط النظام السابق، جعلت كثيرين منهم يحنّون إلى الماضي، ليس حبا فيه، ولكن كرها لما آلت إليه أحوالهم وما شهدته بلادهم. ولكن هذا لا يعني أن سيف الإسلام سيكون قادرا على العودة ليواصل طموحه في الوصول إلى سدّة الحكم، بل ربما يكون قد فتح على نفسه أبوابا ما كانت لتفتح لو استمر في الاختفاء والابتعاد عن الأضواء، فالجهة التي تحميه ستكون في موقف محرج أمام ضحايا نظام والده، والذين ارتفعت أصواتهم من جديد، مطالبين بتحقيق العدالة. والأهم من هذا وذاك أن محكمة الجنايات الدولية جدّدت مطالبتها بتسليمه، ودعت جميع الدول لمساعدتها في القبض عليه، فهل سيقوده طموحه إلى قفص الاتهام في لاهاي، أم سيختفي من جديد؟

(عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق