آراء

الحلول الملتبس باسمي

عبد العزيز كوكاس

«أسامينا شو تعبو أهالينا تلاقوها وشو افتكرو فينا

الأسامي كلام .. شو خص الكلام .. عينينا هنّي أسامينا»شعر جوزيف حرب وغناء فيروز

يا اسمي، يا ظلي الملتبس بي

يا رسمي الأول المنقوش على جدران الكهوف، أواني الزخرف البديع،

سُرّة الله في معبد..

كيف تكبر معي كظلي.. تعلوني مثل الصليب؟

خمسة عقود ونيف وأنا أحمله كالوشم، به أكون..

خمسة عقود ونيف وأنا أغير إيقاع خطوي ولغتي ليليق بي وأكون به جديرا..

خمسة عقود ونيف صرت به وصار بي

سرت في اسمى مسرى الدم وسار فيّ مسرى السم

والاسم يكبر معنا أو يتيه..

أسماء الخلود، أسماء الحلول وأسماء التقمص التي تبيد

أسماء غامضة للإشارة أو للعبارة وأخرى للما بين..

أسماء تقودنا لما نصير وأخرى تنقاد لما نكون

خمسة عقود ونيف وأنا أتدثر باسمي مثل الظلال الوارفة..

وحده يقول الوصايا، يزرع النثر في ثنايا الوجود

والأسماء تكبر معنا.. تينع وتشيخ

ألا زلت جديرا بحمل اسمي بعد كل هذا العمر؟

والاسم هل يموت؟ هل تدفن معنا أسماؤنا.. المسمى قيد حياته

أين ترحل الأسماء؟

والأسماء تليق بنا أم نليق بها؟

اسم مفرد بصيغة الجمع، أو اسم جمع بصيغة المفرد

والاسم ذاتي نرجسي به نكون ولا يزول.. له وحده بهجة الخلود أو الحلول والتعدد

والأسماء أول ما تعلمنا، وبها اختلفنا وحُزنا استحقاق الخلافة.. وأول النشيد

بعد كل هذا العمر صرت شبحا

كم تقاسمت واسمي ورد الحياة، أحلام الفراشة

أسرار النحل في تويج وردة، ورتبنا أمانينا على أنامل من نحب

«في الكون شيء يسمى الحضور وشيء يسمى الغياب»

فأيّنا الحضور يا اسمي وأينا الغياب؟

أينا الحضارة وأيّنا اليباب؟

من السجين فينا ومن السجان؟

أينا المدى وأينا الصدى؟

ويا اسمي المحظوظ الذي ترتله الحبيبة – مثل ناسك في محراب الله- كل لحظة انتشاء، يغدو صوتها بهيا، يغزل من عرقنا نجمة بهجته.

ويا اسمي الذي يعرف كل أسراري ورؤاي.. يتبع خطاي مثل ظلي، يَشم شاهدة قبري، به أتعب وأشقى، بلا لهو ولا لعب، ليبقى اسمي حيا بعد غياب، حاضرا بعد أن أمضي نحو العدم.

نظر إلي اسمي نظرة الند للند، وقال:

«يا صاحبي، في البدء كانت الكلمة، وما كنتَ أنت شيئا، بي كانت أناك، تميزك، حين علّمك الواحد الذي لا أحد غيره، الأسماء كلها.. لولاي، ما أحببت ولا غويت، وظللت بلا ماض، بلا حاضر ولا أفق مستقبل.. أنا السابق على صرختك الأولى، حين تحولت النطفة إلى علقة فمضغة، قبل أن تكون سعيدا أو عزيزا..

أنا أول من نطق به الله، بين حرفي الكاف والنون.. فكنت روح الحق، وبي ابتدأ نشيد التاريخ، أول الكلام، قلق الملائكة، احتراب الصلصال والنار، حتى صرت تسمي الأشياء وتبتهج بالصدى..

أنا اسمك، جوهرك الذي يحدد لك مكان الوطن وغربة المنافي.. لولاي ظللت عماء أبديا كحبات الرمل، قطرات الندى، يجللك الغموض وتزحف حولك العتمة..

أنا عنوانك، أحيى بك وفيك.

أهبك إشعاع الحضور، بهجة الخلود، التجلي الأسمى للوجود

المجاز والاستعارة، أجعلك تميز وجهك في المرآة ولا تتيه..

أنا دالك يا مدلولي، من تكون بلاي؟

فارغا، شبحا بلا ذكريات، هيولى عمياء..

من أعطاك إياي، من سمّاك؟

من أخرجك من عتمة السديم

نحو شعاع الشمس.. سواي؟

من جعلك بهيا مثل مرآة مجلوة بلا حجاب؟»

حين يغفو حرس اسمي، أتسلل إلى داخلي، حيث أجد الشبه عميقا بيني وبين اسمي مثل قمر على صفحة ماء.. يا لخطورة المرء حين يُسمَّى وحين يُسمي!

في البدء كنت أنا أنا وهو هو، فكيف سقط الفارق الدقيق حتى غدونا أنا هو وهو أنا؟

يا اسمي الذي له حق الحضور في كناش الحياة ودفاتر الموتى، يا وسمي الذي صرت به.. لنجرب أن ننفصل بلا وجع، لنقتسم ذاكرتنا بالتساوي ونفترق كل منا يجرب الذهاب نحو تفاحة غده، ويرتقي السماوات التي اشتهاها لوحده.. لنجرب أن نكون بلا كلينا..

لنفترق بلا حقد ولا رائحة حرب، بلا صراع على الماضي وأفقه، بين اسم وجسد، بين روح واسمها.. ونتدرب على اقتسام التاريخ وهواء الوجود، وكل ما كان لنا واحدا مشتركا.. بلا حنين ولا ندم.. يا اسمي الذي يعني غيري ويبقى بعدي، كيف نجرب محو الأثر، أريد التلاشي بلا صدى لأكسب المعنى/ اللامسمى.. متأرجحا بين الصوت والصدى، الوجود والعدم بلا وجع. أريد أن أرى العالم بلا اسمي في هذا اللامرئي.

عند المنعطف الأخير تعانقنا ـ أنا واسمي ـ كما يلج الليل في النهار والنهار في الليل، حتى امّحا ظلانا، قبل أن تكمل الشمس دورتها وتنام في سرير الأبدية..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق