سياسة

ماهية الشعبوية وأضرارها على مسيرة الديمقراطية …؟!

صلاح سري

أنني لا أقدم دروس في علم الاقتصاد ولا في العلوم السياسية وإدارة الدولة، و لكن لصعوبة و تعقيد العملية الإصلاحية و ليس استحالتها بطبيعة الحال لأننا أمام مرحلة من سماتها الثرثرة والشتيمة والكلام الغير مؤسس و دعونا نسميها بالشعبوية لها أهداف و مآرب و أبعاد مدمرة.

هناك جدل كثير بخصوص المعنى الدقيق لمصطلح الشعبوية، لكن عموما يمكن القول أن اشتقاق المصطلح من كلمة الشعب يدل على معناه الاساسي: تمثيل الشعب أو الناس العاديين، في صراع مفترض ضد النخبة، سواء تلك الممثلة بالسلطة أو بالأشخاص والجماعات المتنفذة بشكل رسمي أو غير رسمي في المجتمع.

ما العلاقة بين الشعبوية والديمقراطية؟ وهل ثمة تأثير من الأولى على الثانية؟ وإذا كان المفهومان يتشاطران فكرة محورية أساسها أن سلطة الدولة ينبغي أن تقوم على الشعب، فإنهما يتعارضان في الجوهر؛ حيث تقوم الفكرة الشعبوية كما ذكرت على رفض «نخبة معينة»، سواء كانت هذه النخبة موجودة وحقيقية أم أنها مفترضة وحتى متخيلة، لكنه يتم النظر إليها لكونها تشكل عائقاً أمام سلطة الشعب أو تحاول إقصاءها، وذلك يمثل أساس توجهها بالضد من الديمقراطية …

وباختصار يمكن تلخيص أهمّ خصائص الحركات الشعبوية وهي :-  تعارضها مع ما هو قائم، ومعاداتها للنخبويين، وتشديدها على التجانس الذي يجمعها في إطار انقسام بين «النحن» والـ»هُمْ»، وإيمانها بزعامة مطلقة للقائد الملهم ذي الشخصية الكارزمية،  (المؤسس حمدوك ) وحشدها الجموع كمصدر للقوة وخطاب يستبعد أي حلول وسطية، فضلاً عن إضافة أحكام أخلاقية عليه كمصدر للسلطة، ورفع شعارات راديكالية فيما يتعلق بالإصلاح ويمكن القول إنَّ الشعبوية كظاهرة هي إحدى علامات الأزمة في الوضع السياسي الان في السودان تحديداً، مثلما هي دليل على خلل المؤسسات الديمقراطية .

الشعبوية ليست عقيدة سياسية أو آيديولوجيا،  لأنها لا تتجسد في نمط محدد أو نظام سياسي بعينه ولا في مضامين فكرية واحدة، وهي تختلف عن الحركات ذات الطابع الثوري التقليدي، ولكنها بشكل عام هي أسلوب جديد يتخذ شكل الاحتجاج وردود الأفعال تتبناه حركات متنوعة تزعم انتسابها جميعها إلى الشعب والتعبير عنه، وهي غالباً ما تكون خارج السلطة وحين تصل إلى السلطة تفقد في الغالب مبرّر وجودها، خصوصاً افتقارها إلى مشروع سياسي واضح ومحدد، في حين أنَّ الديمقراطيّة مؤسَّسات وقوانين وآليَّات حكم؛ من مفرداتها إجراء انتخابات دوريَّة وفقاً لمبدأ التداول السلمي للسلطة، وأساسها فصل السلطات بوجود قضاء حامٍ نزيه ومحايد ومساءلة وحريَّات عامة وخاصة .

تعتبر الشعبوية نقيضة النخبوية وخصمها اللدود من خلال الادعاء بأن تحكَم النخبة بالموارد والقرار والنفوذ ادى إلى تهميش الناس العاديين وإيقاع ظلامات كثيرة بهم، وأنه لا حل لهذه الظلامات من دون تقويض النخبة وإزاحتها عن مصادر قوتها الظالمة والمتوغلة. لذلك تتغذى مختلف أنواع الشعبويات على أحاسيس التهميش والحرمان والغضب لدى كامل المجتمع أو شرائح معينة منه، سواء كان هذا التهميش حقيقيا أو متخيلاً. يمتاز الخطاب الشعبوي ببساطته السياسية ووضوحه الاخلاقي، في الغالب على نحو مضلل، من خلال افتراض صراع بين معسكرين: أغلبية مظلومة هي الشعب وأقلية ظالمة هي النخبة.

بسبب محتواه التبسيطي وثنائية الخير والشر فضلاً عن طابعه التحريضي فيه، يجد الخطاب الشعبوي الكثير من الآذان الصاغية بين الجماعات السكانية التي يتحالف فيها الفقر مع ضعف الوعي، لأنه يقدم حلولاً سهلة، وان تكن مزيفة، لمشاكل معقدة، وعبر هذه الحلول يَعدُ هذا الخطاب جمهوره بإنصاف قريب طال انتظاره.

في العادة يحتاج الخطاب الشعبوي لنجاحه وانتشاره وجود زعماء ذوي جاذبية شعبية بإمكانهم تلخيص محتوى هذا الخطاب الأخلاقي ببراعة وتحشيد الجمهور المهمش لصالحه، عبر وعود الخلاص من ظلم النخبة. وبسبب طابعها التبسيطي والأخلاقي المضلل، ترتاب الشعبوية عادة بالمؤسسات وتعتبرها اداةً بيد النخبة لفرض الهيمنة على الجمهور وسرقة موارده. من هنا، تشح التفاصيل والارقام في الحلول الشعبوية التي عادة ما تكون عمومية وخطابية وغير قابلة للتطبيق بخلاف القومية أو الليبرالية أو الشيوعية أو الاسلاموية، الشعبوية ليست نظرية في السياسة لأنها لا تقدم إطاراً نظرياً او رؤية سياسية أو أيديولوجية للعالم، بما تعنيه هذه الرؤية من مبادئ وأدوات وأهداف مترابطة فيما بينها، بغض النظر عن مقدار التماسك بينها.

هي بالأحرى خطاب سياسي/أخلاقي تحشيدي ومزاج شعبي حاد، من دون محتوى فكري أو نظري معين، وبالتالي فهي يمكن ان توجد حتى ضمن الحركات القومية والاسلامية والشيوعية، وعبر وجودها في هذه الحركات، فإنها تخرجها من إطارها النظري أو رؤيتها السياسية،

مع ذلك في التاريخ السياسي الحديث، هناك سياق الثورات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية المقلقة. مثلاً، كانت الثورة الفرنسية لحظة فارقة في صعود الشعبوية من خلال دعاوى العقوبة الجماعية للنخبة الغنية والمتحكمة، النبلاء ورجال الدين، نفياً وقتلاً ومصادرة ممتلكات، باسم الشعب المظلوم والثائر الذي كانت أغلبيته الساحقة من الفلاحين الفقراء.

برغم دمويتها وقسوتها ضد خصومها، واحياناً كثيرة ضد انصارها، استطاعت الثورة الفرنسية، عبر سياقها التحرري والحقوقي الأوسع وتطبيقاته الكثيرة، أن تنتج افكاراً عظيمة بخصوص المساواة والمواطنة والحرية اصبحت جزءاً اساسياً من التراث الديموقراطي العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق