
المقاهي في امدرمان … قهوة شديد
شوقي بدري
آل شديد من اعلام امدرمان. وكانوا يؤدون واجبهم الامدرماني بتفاني. وفي المآتم يقومون بمسك الطابية. والطابية هي مكان عمل القهوة والشاي والخ. والقهوجي يستطيع ان يدير كل القهوة للمأتم وآلاف الزوار. وهذه العملية يصعب على النساء ادارتها. ويتكفل بها الرجال مثل جلوال وقسم ونواي وعشرات الآخرين.
عندما مات والدي في يوم الاثنين الموافق 3 شهر 12 سنه 1961 كان الطيب سعد ماسك الطابية وكان أحد الشيوخ يحتد ويكثر من طلباته. وبعد فتره والشيخ في طريقه الى خارج الدار لاحظ ان الطيب يجلس ودموعه تجرى. فسأله انت يا ولدى ماك شغال هنى؟ فقال الطيب لا انا من ناس البيت. فأخذ معه الشيخ الفاتحة واعتذر له لأنه لم يعرف انه من اهل البيت. وشقيقي الطيب سعد الفكي كان قد عمل في عطبرة في مقهى قبل ان يستقر في امدرمان. وهو أحد اخوتي ليأبن طويل وسيم من ام سويدية وله ابناء يحملون اسمي واسم اشقائي الشنقيطي واسعد. عندما تركنا امدرمان للدراسة صار ابن البيت والمهتم بإخوتنا الصغار..
اصحاب قهوة شديد لم يكن لهم صله بالإجرام او المجرمين. ولكن المقاهي كانت لامه. من اللذين كانوا يتواجدون معنا في المقاهي عباس رويال. وكان يمارس البلطجة والنهب وتخصص في زوار رويال وهو مكان شرب الخمر في الخرطوم يقصده ذوي الدخل العالي. وكان يترصد لهم في الليل خاصه اللذين يقصدون اماكن شراء المتعة. وفي أحد الايام اصطدم بالضابط ابو الدهب الذي سجن بسبب انقلاب. الذي كان يعرفه من سجن كوبر. وعندما عرف انه ابو الدهب في ليل الخرطوم الحالك اعتذر وربما لأنه كان يعرف ان ابو الدهب كان يحمل مسدساً. وحذره ابو الدهب قائلاً انت يا عباس حتموت بالطريقة دي. واتت نهايته على يد شاب نحيف صغير السن. تتبعه عباس رويال بعد عمليه بيع بهائم في الزريبة وفي القماير حاول عباس المتعطش للمال ان يخيف الشاب الذي لم يمهله وقام بفتح بطنه كما قالوا من حلقه لى صرته.
من الزوار كان المحرق. الذي كان لطيفاً مع المساجين السياسيين في سجن كوبر. وكان يطبخ لهم الاكل. والمشكلة انه مع اثنين حاولوا نهب أفندي الا انه قاومهم بعنف. مما جعلهم يظنون انه يحمل مبلغاً كبيراً. واخرج المحرق سكينه لإخافه الأفندي الا انه واصل القتال بشراسه. واراد المحرق ان يضربه بقعر السكين الا ان نصل السكين اخترق عنق الأفندي. ولم يكن المبلغ يذيد عن الحنيه الا قليلاَ.
من الضحايا اللذين تعرضوا للنهب الرجل العظيم الدكتور الشجاع عبده الدرديري، ابن خالي الدرديري وعميد اسرتنا شقيق الدكتورة سيده الدرديرى. ففي بداية السبعينات تعرض لعمليه نهب وبالرغم من قله حجمه الا انه واجه حامل السكين بشجاعة وانتهي الامر بموته وكان طبيباً في السلاح الطبي. وبما انه كان من خيار شباب امدرمان فلقد حزن الناس عليه خاصه والدته مكة ارباب شقيقه الدكتور على ارباب والوزير زيادة ارباب.
من اللذين تعرضوا كذلك في تلك الفترة لعمليه نهب الدكتور المحاضر حسين ابراهيم مالك وهو ابن عمتي. وناضل في المستشفى لأيام عديده قبل ان تكتب له السلامة. ولا تزال يده وجسمه تحمل جروحاً عميقه..
من الزوار كان كذلك المادة وهو من حمله المادة 77 أ وهذه المادة تعطى أي قاضى الحق ان يعطى حاملها خمسه سنوات سجناً لأقل جريمة وهذه المادة تصاحب مترددي الاجرام. واذكر اننا مره في القهوة قد حسبنا خمسه من حمله هذه المادة الا ان أحدهم أنكرها بشده وكأنها مرض عضال. هؤلاء والمادة اعطوني ماده لكتابه قصه قصيره بعنوان المادة وهي احدى قصص مجموعتي القصصي المشبك.
المادة كان رجل كسر لا يتعامل الا مع الخزن. وقد نقبوا سقف الدكان غرب قهوة شديد المواجه للمحطة الوسطى. وهم في طريقهم خارج الدكان اعترضهم رجل شرطه. وبالرغم من عرض مبلغ كبير عليه وان الدنيا قبايل عيد لم يقبل لانه حسب قوله كان حالف اسم الله. واضطر سالم لضربه بالعتلة الصغيرة على رأسه وتركوه مجندلاً وانتهي الامر بأن صار معوقاً ولم يجد اى اهتمام من السلطة وكان بعض الناس يقولون يستاهل.
من اللذين كانوا يتواجدون في قهوة شديد موسى ناصر المشهور بود نفاش. واليه تنسب اغلب نكات الاربعينات والخمسينات والستينات. وهو خال اصدقائنا وجيراننا محمد وعبد الرحمن احفاد الشيخ دفع الله الغرقان صاحب القبة في وسط امدرمان. ولان موسى كان يعمل في بار ليمنيوس اليونانى الذي في ناصيه قهوه شديد فلهذا لم يتعرض بار ليمنيوس لاى عمليه نهب او سرقه. فكل اهل امدرمان من اشرارها واخيارها يحبون موسى ود نفاس بل ان السيد عبد الرحمن كان يستدعيه في بعض الاحيان ويسأله عن ماذا يقول الناس في الشارع في امدرمان..
كان يجالسنا في قهوه شديد (افراج). وشاهدته لاول مره في يوم 27 رمضان وهو لا يزال يرتدى ملابس السجن ومكتوب على قميصه بالكوبيا افراج وكان يجلس ويلعب سيف في القهوه. وفي نفس الليله اشترك في مشاجرة انتهت به الى السجن وصار يعرف بإفراج.
في 1964 ظهر فتوة مدني الاكبر الذي كانت له شهره في كل السودان عوض حلاوة. وكان منظره بالكسكته في الليل وضخامة جسمه تثير استغراب الناس. وبالرغم من مناشده صديقي الملاكم كيكس كان يرفض خلع الكسكته حتى في الليل وفي مجالس الشرب. وعوض حلاوة هو الذي اصاب نميري بشج في رأسه عندما كان النميري يدرس في حنتوب. ثم تصافيا وصارا اصدقاء. الا ان النميري انتقم منه بواسطة الامن عندما صار رئيساً للسودان..
في قهوة شديد مات عم الشيخ وكان في السبعين من عمره بلحيه بيضاء دائرة. واتهم ود النوبة وآخرين بقتله وأفرج عنهم بعد اتضح ان الوفاة طبيعية. عم الشيخ حضر في أحد المرات وبعد ان حيانى وود عجيب جلس. فقرص أجد الشباب سجارته تأدباً. وعندما طلب عم الشيخ الفوطة وهي قطعه القماش باللستك التي يستعملها الركيب لغطاء الطرابيزة. واخرج الكوتشينه من جيبه التقط الشاب سجارته بعد ان سب. … فضحكنا وضحك عم الشيخ.
الركيب كان يرفع ثلث الربح للمعلم. والركيب قد يكون عنده ركيب ركيب ا و ركيب صغير يرفع له النص وهو يرفع نص النص للمعلم. وكان هنالك اربعه ركيبين في قهوة شديد. أحدهم عبد العزيز الذي نسى الفوطه على الطاوله. وهذا يعنى انه مسئول عن الخسارة او الربح. مما جعله يطلب منا الرجوع من ود نوباوى بسرعه. ولحسن حظه وجد ( الخميره ) وهي راس مال الركيب قد زادت خمسه وسبعين قرشاً.
هؤلاء الناس اللذين كانوا يرتادون المقاهي. كانوا يمارسون الولاء والاهتمام ويتعاملون مع بعضهم البعض بشرف وامانه بالرغم من انهم مجرمون ومجتمعهم لا يخلو من الملح والمفارقات اللطيفه. فعندما ذهب شديد مع العربي للحج. تركا القهوتين المتجاورتين للمعلم قدوره. وبعد عيد الأضحية كان العمل متوقفاً. وكان يقول ان الدوده تجد رزقها بين حجرين , انا معلم قدوره ما لاقى رزق بين قهوتين. وكان يأتي أحد الشحاذين الملحاحين اللذين لا يقتنعون بالله كريم ويقول أي انا عارف الله كريم لكن برضو ادونا حاجه. وفي أحد الايام تجاهله المعلم قدروه. فلكز الشحاذ المعلم قدوره قائلاً (عندك حاجه لي الله) قال معلم قدوره (أي… انت ماشي ليه متين). المعلم قدوره كان شجاعاً وعندما احتد مع أحد القضاة قال القاضي للمعلم قدوره انت راجل وسخ فقال المعلم قدوره انا معلم قدوره بستحمى مرتين في اليوم انتو في بلدكم ادبخانات ما في ب. …. ذي الغنم. وانتهي الامر بالمعلم قدوره بالسجن. والمعلم قدوره كان من أكثر الناس أناقة. وعندما شاهد ولده في الشارع متسخاً اخذه لداخل الدار ووضعه على الطاولة ونادى والدته بعد ان اخرج السكين وقال لزوجته ورينى نصك ياتو عشان انا نصي عاوز اشطفوا وانظفوا ما ممكن الولد الوسخان ده يكون ود المعلم قدوره.
من اللذين كانوا يجلسون في المقاهي طافي لمبة. وهو رجل كريم العين قاسى الملامح (ما يقال عليه صارم). عندما كان الدكاترة مختار الشيخ ومختار عبد الله يتخصصان في براغ سمعتهم يتحدثون عن قصه شنقه في سجن كوبر عندما كان دكتور مختار يعمل في سجن كوبر. وعندما كان طافي لمبة يجلس في أحد الانادي كان ثلاثة من الموجودين يشربون الخمر وبدأوا بالتعليق على عينه والسخرية منه امام صاحبه الإنداية. وعندما خرج أحدهم للتبول لم يرجع. وعندما لم يرجع الثاني بعد فترة أحس الثالث ان في الامر شيئاً فبداً في الصراخ وتجمع الناس وقبضوا على طافي لمبة. واذكر ان دكتور مختار كان يقول انه كان عدائياً حتى نحو دكتور مختار.
عندما نكون في طريقنا الى قهوة شديد من اجد المقاهي الاخرى ويسأ ل شخص ماشين وين؟ كنا نكتفي بجمله عرشو سما. وكما اوردت لان الغرفة الداخلية في المقهى كانت بلا عرش كمنفذ للهواء. وقامت الصحة بقفل المقهى. وبما ان الملك يخص العم هريدي التاجر المشهور جدا في امدرمان فقد اعطاهم مخزن الكان على الشارع الرئيسي ونزعوا العرش. كان الكبار ومنهم رئيس مجلس السيادة الشاعر مؤلف النشيد الوطني يجلسون امام دكانه. وقامت المراسم بمنع العم احمد محمد صالح من الجلوس هنالك. كلار الموظفين الوزراء واعضاء مجلس السيادة لا يتصرفون الا حسب قواعد المراسم في القصر. وفي هذه الغرفة كان يجلس المعلمين وكبار الركيبين وكان يسمح لي بالجلوس وربما كنوع من الاحترام لصغر سني وشلاقتي. او نقول لبنو بره لان قهوة شديد كانت القهوة الوحيدة في امدمان التي كانت تبيع الشاي في كبايتين. كبايه مليئة بالشاي الاحمر وكبايه فيها حوالي قيراطين من اللبن حتى يضيف الانسان اللبن حسب مزاجه.
من الاشداء اللذين كانوا يجلسون في المقاهي الملاكم رزيق معبد وصديقه العملاق فيصل من نادي الهلال. عبد (بضم العين) الذي كان قوياً بطريقه مبالغ فيها. وعندما لم يرد على أحد الشحاذين دفعه الشحاذ في خاصرته فانتبه مزعوراً. وقبض الشحاذ من يده التي انكسرت كأنها قشه كبريت. ولفترة كان عبد يمر علينا وهو يحمل دجاجه لكي يطبخها في المنزل ويأخذها للشحاذ في المستشفى، كما كان يأخذ له الترمس واعطاه مبلغاً من المال.
في 1963 احتاجت القهوة لمعلم ملعون بجانب معلم المشروب. رشح ود النوبة الا انه كان يعمد للعراك ولم تكن له كاريزما. وود فؤال كان يحب المزاح ورسى الامر على صديقي عبد الفتاح وكان طويلا فوي البونية له ضحكة مميزة خخخخي خخخخخخيي. وينتهي الامر بقهقة.
ومن الزوار ابن حى السروجيه حسن دينق الذي كان ضخماً ويبدو كقاطره بشريه. وفي تمارين الملاكمة وجه ضربه لفيصل الخير الذي صار فيما بعد صاحب أجمل الاجسام في حمل الاثقال وكمال الاجسام. وعندما غطى فيصل خير الضربة بالرغم من قوته انكسرت يده. فيصل صار من مغنى الحقيبة. وحسن دينق صار فيما بعد شيالاً لمرغني المأمون واحمد حسن جمعه. وانتقل حسن دينق الى السعوديه ومات هنالك كما عرفت من اخذى عبد لرازق اسحق. (ابو رزقه).




