سياسة

كان عاماً مليئاً بالسّين

عائشة بلحاج

«لسنا الوحيدين لكنّنا الأفضل». مقولة إعلانية شهيرة تصلح لكلّ المنتوجات، وإن رأيتها أوّل مرّة على واجهة محلّ شاورما. لسنا الوحيدين اليائسين، لكنّنا الأكثر انتظاراً للفرج. لسنا الوحيدين على العتبة، لكنّنا الأكثر طَرقاً لأبواب الغد. ليس لأنّنا متفائلون، بل لأنّنا ندور مكاننا ما يكفي، وما يفيض عن السّابقين واللّاحقين. لسنا وحيدين أمام الوباء، بل إنّنا جميعاً تحت سقفٍ واحد يقطُر بأولاد الوباء الولودِ غير الودود وبناته. الفرق في الأَسِرّة التي ننام عليها، والأَغطية التي تفصلنا عن خذلان السّقف لوظيفته.

عام من الانتظار المُرهق لرحيل الأزمة التي صفعت العالم دفعةً واحدة، وعلى غفلةٍ منه. ويصعب أن نقول أيّ شيء ونحن نودّع عاماَ آخر ضاع في انتظار غودو أن يغادر، لا شيء يحدُث غيره في العالم. ولولا الأحداث السّياسية التي كسرت الملل، لكنّا غرقنا في وُعود النُّهوض الذي لا يحدث. بينما يكدّس كل من الاقتصاد والمجتمعات والثّقافة والرياضة في غرفة الانتظار حاملين الشّمع والقطران. ووقف الجنوب الذي ننتمي إليه عارياً أمام موجات الوباء، مكتفياً بالتّلويح لدرء الغَرق.

عدا عن رحيل ترامب المدوّي عن السّلطة في الولايات المتحدة، بعد أن عاث فساداً في المشهد السّياسي العالمي بخرجاته التّهريجية. هدأت السّاحة، وصرنا نرى العالم يُخفّف من اندفاعه نحو الهاوية. حدثت تصالحات ومصالحات، كان للعرب نصيب فيها، رأينا ما كان مستحيلا منذ فترة قصيرة، كأنّ صندوق باندورا انفتح وانتشرت الممنوعات التي كان تُدسّ في الصّندوق تباعاً.

في تونس، انقلب رئيسٌ منتخب على الدّيمقراطية التي جاءت به، وكان وعد عرقوب ما قدّمه من ضمانات على ديمقراطية قادمة. وهل تأتي هذه عن طريق الاستبداد والانقلاب؟ ربما نعم، غالباً لا، بحكم التّاريخ والحتمية التي تقود الأشياء والمسارات نحو نهاياتٍ، تُرى رأيَ العين ولا تحتاج زرقاء اليمامة، ولا لهدهد يأتي بالنّبأ اليقين.

في المغرب، انقلبت الشاحنة بحزب العدالة والتنمية، ولم تُقدّم له إسعافاتٌ أوّلية، ولا أحد أنعشَه وهو يخرج مكسور الجناح من تحت الشّاحنة التي داست تجربة مهمة من عُمر هذا الحزب. المفارقة أنّه فقد صمّام أمنه، هو الذي استُخدم قبل انتخابين، صمّام أمانٍ للسّلطة لتفادي الاصطدام في واقعة 20 فبراير، التي صارت حلماً رومانسياً حلّق بعيداً.

غير ذلك، بقي الحال على ما هو عليه، بريطانيا في سَعيها نحو إحياء مجدٍ قديم، فرنسا في عنصُريتها، الصّين في صراعها الدّونكيشوتي مع المستقبل لجرّ العالم خلفها نحو حياة مصنوعة في الصّين بالكامل. مع الوباء، حتّى الهواء سيُصنع في الصّين، وربما تبيعنا الصّين الحجر والشّجر وسماء صينية تُمطر «نودلزاً» وأرزاً، ومنازل قابلة للتنقّل، وعجائب لا حدّ لها.

في عالم المال، قفز البِيتكوين مثل الصّاروخ نحو الأعالي، حاملاً المغامرين نحو الغنى الفاحش الذي كلّفهم بضعة دولارات. وباع بعضهم العِجل لراعي الغنم، وصار الواحد منّا يتمنّى «بِيتَكَوينَةً» واحدة يخرج بها من سنة بلا طعم كهذه، لم تَحمل الوباء ولم تُودّعه. مع وحدة العالم مرغماً في مصيبته المشتركة، لم يعد قرية صغيرة بل أصبح قرية وباء كبيرة، تلهثُ من عام إلى آخر، باحثة عن فجوة أمل في الأفق.

كان عاماً من السّين. سنَتلقّح، سنَقهر الوباء، ستعود الحياة إلى طبيعتها، سنُسافر، سنعانق البعيدين من أحبّتنا، سنخرج كما نشاء، سنرتدي ما اشترينا خلال العام الماضي، سنعود إلى أعمالنا، سنهزم الوباء.. هذا كله لم يحدث. ولم نربح سوى تعلّم حكمة السّلحفاة، الصّبر مفتاح الفرج الذي يأتي حين يريد. كان عاماً من الانتظار، انتظار خُروج الوباء. كأنّنا جدّة تقف على باب بيتها الطّيني، تنتظر اكتفاء الثّعلب من العبث في خُمّ دجاجها، قبل أن ينفد جميعاً. لم يشبع الثّعلب، ولم تنفد الدّجاجات. وحدها الأعوام من يأتي ويذهب بلا ندم.

إحدى وعشرون حُقنة للأَمل دُقّت في أوردتنا ولم نربح سوى الثّرثرات عن الذين وقعوا بسبب اللّقاح ونحن نُساق إليه قطيعاً من الأذرعة المُستسلمة لحكمة الإبرة، وقطرة سائل لا نعلم كيف سيُفيدنا، وإذا ما كان سيوقعنا صرعى، أو يُنبت لنا أجنحة.

ثم جاء التّطبيع ووصم هذه السّنة بتطبيع أربع دول عربية مع الكيان الإسرائيلي. وجلّها ذهب بعيداً في ذلك، أبعد من أيّ دولةٍ عربيةٍ أخرى طبّعت سابقاً. إذ اكتملت عناصره مع هذه الدّفعة من المُطبّعين. ورأينا مشاهد مُحرجة لشخصياتٍ من هنا وهناك، وفنّانين صاروا أبواقاً للتّطبيع، وزيارات تزعم إحياء صلة الرّحم مع «الأصدقاء الجُدد»، الذين كانوا أعداء منذ البداية. ليس لأنّهم على خلاف معنا، بل لأنّهم لصوص أرضٍ وشعب وثقافة، والأهمّ تلك الدّماء التي أُريقت من دون وجه حقّ لأبناء فلسطين، إما دفاعاً عن أرضهم، أو فقط لمجرّد أنّهم هناك على هذه الأرض التي لم يعرفوا غيرها. لكن فلسطين أيضاً صنعت جزءاً كبيراً من أحداث العام، بهرب الستّة الشجعان من سجن جلبوع، بملعقةٍ حفرت النّفق المجيد نحو الحرّية. وقبلها كانت انتفاضة القدس التي طيّبت جرحها، على الرغم من الآلة العسكرية المُقابلة التي لا تعرف غير سفك الدّماء.

في الثّقافة، حدث تراجعٌ شديدٌ بسبب كورونا، وكانت سَنة للنّسيان. على الرغم من الدويّ الذي أحدثه تتويج الأدب الأفريقي على المستوى العالمي، في أكبر الجوائز الأدبية. لكنّه تتويج غير بريء من شُبهة السّياسة. وإلّا لم هذا التّزامن والتّنافس في سنةٍ واحدةٍ على تتويج الأفارقة، هل كانوا أقل إبداعا سابقا؟ أو لم تكن هناك أسماء مهمّة تستحقّ التّتويج قبل اليوم؟ وهل الذين فازوا هذه السّنة هم بالفعل الأفضل بين المرشحين؟

سنة خُلقت للمحو، وللغفوة في انتظار عامٍ آخر لا يخلو من أملٍ كبير بانقلاع الكابوس عن الكوكب الحزين .. لعلّ وعسى.

(نقلًا عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق