ثقافة وفن

في حضرة مجالس العلم

بدر الدين العتاق

« ومزاحمة العلماء على الركب «؛ هذه العبارة سمعتها من الأستاذ البروفيسور المرحوم / أحمد علي الإمام؛ في محاضرة له ألقاها علينا في قاعة محاضرات جامعة القرآن الكريم بأم درمان؛ أواخر تسعينيات القرن الماضي؛ ونسبها لسيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه الصحابي الجليل؛ عندما أوصى بها أصحابه باليمن؛ حضا منه لهم على تلقي العلم ومجالسة أهله؛ وأذكر حينما قالها كان متعبا من أثر ألم ألم به في مفاصل عظامه من الظهر؛ وصفق له الحضور لحسن أسلوبه في الإلقاء وتدقيقه عند الكلام ( مع مراعاة ظرفه المرضى ) ؛ فهو رجل موسوعي من الطراز الأول؛ إذ قامت عنده ملكة العلم بحفظه القرآن الكريم بخاصة؛ والعلوم الإسلامية والثقافية بعامة وهو بها جدير.

وفي هذا الباب؛ كنا نتابع كل مجالس العلم في العاصمة القومية بكل صنوفها وأبوابها مما يدخل حاق العلم من أوسع مصراعيه ومصاريعه ؛ وكان يحاضرنا البروفيسور المرحوم / عبد الله الطيب؛ في ذات الجامعة عند افتتاحها بمحاضرة له عن أبي تمام الحكمي الشاعر الكبير؛ وعن ديوانه « الحماسة الكبرى» وبالتحديد قاعة الزهراء؛ التي تغير اسمها لاحقاً؛ وعرج على ديوانه هو شخصيا « الحماسة الصغرى « الذي أخرجه على غرار صاحبه أبي تمام الحكمي؛ وهو بمثابة مختارات شعرية لشعراء متفرقين من أمثال يزيد بن الطثرية وابني فزاره وعبد بني الحساس ومالك بن نويره وأخيه متمم بن نويره وبن خفاجه الأندلسي وقصيدته ( جبل شامخ ) ونفر من شعراء المفضليات الذي جمع شعرهم في ديوانه « المفضليات « محمد بن المفضل الضبي؛ وهلم جرا؛ نسبة إليه؛ وقد قصد المجذوب من جمعه لحماسته أن تكون نواة لتعليم النشأ في المدارس الأولية اللغة العربية الفصحى مما يقوي به اللسان العربي الإسلامي للتلاميذ؛ وذكر هو بنفسه هذا الأمر في مقدمة كتابه الديوان الشعري ( الحماسة الصغرى )؛ وبالمناسبة؛ لم يبعد المجذوب عن تقليد أو شبه تقليد للشاعر الكبير المصري / محمود سامي البارودي؛ في إخراج ديوان الأخير ( مختارات البارودي ) إذ كان – رحمه الله – معجبا للغاية بالبارودي والشاعر الكبير / أحمد بك شوقي؛ ويبرر إعجابه به وبهما فيقول : « البارودي أصله من السودان؛ وجاءت فصاحته في العربية لتعلمه في خلاوي الغبش ببربر إذ كان والده يعمل في الجيش المصري بالسودان» حين لم يعجب ولم يعجبه شعر المرحوم رفاعه رافع الطهطاوي لذمه بلاد السودان في قصيدة طويلة .

أصل فكرة هذا الكتاب «الحماسة الصغرى» جاءت بداية لمشروعه التربوي التعليمي لما أخرج كتابه « سمير التلميذ «  للمدارس الأولية الابتدائية إبان العهد الاستعماري البريطاني للسودان ( ١٨٩٨ م – ١٩٥٦ م ) والذي يمثله هنا المستر قريفث بديلاً مناهضا لما وضعه الإنجليز للمنهج التعليمي في السودان آنذاك عندما كان معلماً ببخت الرضا سنوات الخمسين ( ١٩٥٢ م – ١٩٥٥ م ) تقريباً؛ وكلف حينها بكتابة تقرير عن التعليم في جنوب السودان ( ١٩٥٢ م ) ولم يقبل به الإنجليزي بن سكسونيا المستعمر؛ لمنافاته مشروعهم نحو جنوب السودان وسياسة الإقليم المغلق وضرب الإسلام والمسلمين في مقتل من جانب؛ ومن جانب آخر إتاحة الفرصة للتبشير المسيحي مما ظهرت نتائجه سنوات الألفين الميلادية بفصل جنوب السودان عن شماله في : ٢٠١١ م؛ فتأمل!.

هذا! وقد كتب المجذوب تقديراً منه وعرفانا بفضل الإمام مقدمة لكتابه التفسيري للقرآن الكريم؛ مقدمة طويلة؛ استغرق فيها المجذوب تجربته استدرارا لسنوات الخمسين تفسيره القرآن الكريم بالإذاعة السودانية (١٩٥٨ م – ١٩٦٩ م)  لبرنامجه «دراسات في القرآن الكريم « مع تلاوة الشيخ / صديق أحمد حمدون؛ رحمهم الله أجمعين .

أما المحاضرات التي كانت تقام في قاعة الشارقة بجامعة الخرطوم لأساتذتها الكرام وعضوية مجمع اللغة العربية في الخرطوم ورئيسه البروفيسور المرحوم / عبد الله الطيب؛ فلا أذكر أني قد أهملت محاضرة فيها؛ الله أعلم أي ذلك كان ؛ والملاحظ آنذاك تكالب الناس ومدافعتهم ومزاحمتهم القاعة لسماع الدرس؛ وأذكر من ضمن الحضور الأستاذ الدكتور / محمد إبراهيم أبو سليم؛ أستاذ التاريخ ومدير دار الوثائق القومية بالسودان الذي خرج عدداً غير قليل من توثيقات سيرة الإمام المهدي وفترة المهدية بالسودان والظروف المصاحبة لها في تلك الفترة؛ وكان يجلس في المقاعد الأمامية لمنصة الدرس بجلبابه الأبيض وعمامته الكبيرة البيضاء وتواضعه الجم ويتابع باهتمام ما يلقيه المحاضر الأستاذ الكبير المجذوب؛ والأستاذ الدكتور / الحبر يوسف نور الدائم؛ الذي أهدى أستاذه المجذوب كتابين عنه وعن حياته؛ الأول في عيد ميلاده السبعين وهو القائل :

وشفا بأنفاس القريض جراحي

القصيدة التي حملت اسم الديوان « أنفاس القريض „:

وتراني مترنحا من راح عبد الله لا من راح

بابتسامته التي لا تفارق محياه وهو القائل عن أستاذه : « عبد الله الطيب؛ يجمع بين المتعة والفائدة « وتراه كلما ابتسم المجذوب آن حديثه يفتر ثغر الحبر تجاوبا ورضا لما يقوله؛ وأيضاً ممن كان يحضر؛ الأستاذ الدكتور / يوسف فضل حسن؛ المحقق التاريخي الكبير الذي حقق كتاب « الطبقات « لصاحبه المرحوم / محمد النور ضيف الله؛ في ذكر الأولياء والصالحين؛ وعلق المجذوب على الكتاب قائلاً مما سمعته أنا شخصياً شفاهيا منه : « لم يذكر ود ضيف الله؛ الشيخ حسيب؛ معلم الإمام المهدي؛ في طبقاته وهو شيخ الإمام / محمد أحمد المهدي؛ ودرسه مع الشيخ / شريف نور الدائم؛ وهو من الجعليين « وكأنه يعيب انتقاص الكاتب وكتابه بعدم ذكر الشيخ حسيب الجعلي؛ فالمجذوب جعلي ( أما النسب فجعلي والحمد لله) ؛ كما قال .

أيضاً الدكتور / أروب يور أروب؛ أستاذ اللغة العربية بجامعة الخرطوم الجنوب سوداني ؛ كان محاضرا أمام المجذوب؛ وربما حضر طرفاً مما يحكيه لنا في القاعة؛ وكذلك الأستاذ الدكتور / صلاح الدين المليك؛ صاحب كتاب « شعراء السودان / طبعة سنة : ١٩٧٣ م «؛ والأستاذ الدكتور / جعفر ميرغني؛ أستاذ حضارة السودان بالجامعة؛ صاحب أطول برنامج إذاعي في الوطن العربي « أضواء على الحضارة السودانية « الذي يقدم له الإعلامي الكبير / محمد عبد الكريم عبد الله؛ في إذاعة أم درمان السودانية؛ ولفيف من العلماء والأدباء والطلاب والمهتمين والباحثين في كل دروب العلم والأدب.

لاحظت أمران مهمان: اهتمام أساتذة الجامعة والجامعات بحضور الندوات والمحاضرات التي تقيمها قاعة الشارقة جامعة الخرطوم؛ والطلاب وغيرهم وكأنهم لا يعلمون شيئاً حين يجلسون لموائد العلم ومزاحمة مجالس العلم والعلماء على الركب؛ يستزيدون علماً إلى علومهم المختلفة مما يجسدون كلمة «تواضع العلماء» بحق وحقيقية الأمر الذي يثير الاهتمام بلا ريب.

الأمر الثاني؛ عدم اهتمام هذا الجيل الجديد – إلا من رحم ربي – بمجالس ومجالسة العلماء ومزاحمة مجالس العلم على الركب؛ كما قال الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه؛ لأهل اليمن؛ مما ظهر جلياً ضعف الثقافة والمخزون المعرفي للشباب اليوم مما أفقد الحلقة التنويرية العلمية الشي الكثير.

أما صاحب الأسطر؛ فقد كان يجلس مستمعا ومنصتا لما يلقيه الأساتذة الإجلاء على مسامعه بلا كلل أو ملل وكان يجلس في القاعة الصف الخامس منتصفها ويسجل للتاريخ هذه الكلمات الخالدات إن شاء الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق