ثقافة وفن

حكاية الفلسفة (4)

أبو بكر الصديق على أحمد مهدي

نظرية المعرفة (الابستمولوجيا):

…. خربشة افتتاحية…

الحقيقة التي يجب أن أعرفها

هي انها..

… أمي

غابت في حضور

أبدى …

نظرية المعرفة هي كلمة تشرح وتعكس طبيعة المعرفة وطرق المعرفة – بمعني “كيف نعرف ما نعرفه” أو ما يمكن أن يتصوره الباحث على أنه “حقيقة”.

تسأل هذه الفكرة وتستفسر حول ما إذا كان من المحتمل أو الممكن أن “يعرف” المشاهد المحايد الحقيقة المتعلقة بعالم اجتماعي معين يكون هو غريبًا عنه، وليس جزءً منه، أو ما إذا كان يمكن فهم العالم الاجتماعي فقط من خلال فرض إطار مرجعي للممثل الفردي لهذا العالم الذي يسعى ويحاول الباحث تحليله.

باختصار، وبتبسيط شديد، نظرية المعرفة هي:

فلسفة المعرفة، نظرية المعرفة، دراسة المعرفة، أو ببساطة، نظرية المعرفة تدور حول “كيف نعرف؟”

وينبثق مصطلح نظرية المعرفة من الكلمة اليونانية “episteme” التي تعني المعرفة. وتتمحور نظرية المعرفة حول كيف نعرف ما نعرف؟ وترتبط ضمنيًا بعلم الوجود والمنهجية.

ونظرًا لأن الأنطولوجيا (علم الوجود) تدور حول فلسفة الوجود، فإن نظرية المعرفة تتعامل مع كيف نعرف هذا الوجود، في حين أن المنهجية تحدد الوسائل والطرق المحددة المستخدمة للحصول على المعرفة، معرفة الوجود.

النظرية المعرفية تتعلق بالمعرفة، إنها المعرفة فقط التي تعرض لنا الوجود.  وتحمل نظرية المعرفة بين جنبيها الأسئلة الآتية:

• ما هي العلاقة بين العارف والمعروف؟

• كيف نعرف ما نعرفه؟

• ما الذي يعتبر معرفة؟

ففي نموذج الفلسفة الوضعية (Positivism)، يكون موضوع الدراسة خارجاً عن الباحثين (موضوعي وليس ذاتي)؛ بمعني أن يكون الباحث محايداً لا يؤثر في نتائج دراسته.

ويتم استكشاف المعرفة وترسيخها من خلال المشاهدات أو الملاحظات أو قياسات الظواهر المباشرة؛ ويمكن التعرف على الحقائق من خلال أخذ الحقيقة المنفصلة التي يمكن مشاهدتها وملاحظتها من أجل فحص عناصرها.

أما وجهة النظر البديلة، فتعبر عن الرؤية الطبيعية أو الرؤية البنائية، وهي أن المعرفة يمكن التعرف عليها من خلال المعاني المرتبطة بالظواهر المدروسة أو تلك التي خضعت للبحث.

وهنا يتعامل الباحثون مع موضوعات الدراسة من أجل الحصول على البيانات؛ ونلاحظ بأن البحث يؤثر على كل من الباحث والنص، والمعرفة تعتمد على السياق أو الإطار والوقت.

ووفقًا لأولسون (1995)، فإن الاستفسار عما إذا كان هناك حقيقة واحدة يمكن معرفتها، أو أن هناك العديد من الحقائق التي يمكن الوصول إلى بعض المعرفة الشخصية عنها، هي مسألة إيمان أو موضوع اعتقاد.

عادة ما تلتزم نظرية المعرفة، بدراسة تبرير أو تقييم المعتقدات التي لدى الناس، بناءً على مجموعة معينة من الأدلة.

وتتساءل نظرية المعرفة في دراسات المكتبات والمعلومات، عن افتراضاتها وطرقها، لاختبار مصداقية ادعاءاتها المعرفية، وإزالة الادعاءات والأخطاء الكاذبة في النماذج والنظريات.

وتهتم نظرية المعرفة بالاستفسارات حول “كيف نعرف ما نعرفه”. ودعونا، في هذه العجالة، نقدم أمثلة مهمة لنظريات المعرفة المختلفة.

ونبدأ بطرح، ما الفرق بين نظرية المعرفة في العلم، ونظرية المعرفة في الدين؟ وهل يقف كل منهما في الشاطئ، المقابل الموازي للثاني، متخذاً موقفاً كافراً فيه بالآخر؟ وهل هم “الكافرون”؟

وأين يكمن الفرق في هاتين النظامين المعرفيين؟ هل ما قد يحصل عليه شخص ما، هو العلم، وهل هذا العلم له شيء ما، يسمى بالطريقة العلمية أو بالمنهج العلمي، وهل هو نظام لاكتساب المعرفة؟ هذه الطريقة، نعم، وليست غيرها، هي بلحمها وشحمها، عين نظرية المعرفة.

في حين أن لدى الأديان نظريات معرفية مختلفة، غالبًا أو دائماً ما تكون نظرية المعرفة في الدين، بناءً على الوحي المحدد المعين.

ويمكن أن يكون الكشف المحدد هذا هو “حديث الله إلى شخص ما”، على سبيل المثال، “كان الله يكشف الوصايا العشر”، وكتب شريعة موسي (عليه السلام).

وكان الله يتكلم مع إبراهيم، ويكلم إبراهيم (عليه السلام)، أو في الإسلام، يكشف جبريل الحكمة المحددة للقرآن الكريم، أو يعرض معاني المصحف الشريف على النبي محمد (صل الله عليه وسلم).

ويعتبر هذا الوحي ذاتي، أكثر منه موضوعي. فالذاتية تعتمد على الفرد، ولكن، الموضوعية لا تفعل الشيء نفسه.

مثالاً، يمكن أن يكون لدى شخص ما، وحيه الشخصي المحدد والمعين. ويمكنه أن يقول، “إن الله قال لي، يجب أن أصبح طبيباً.”

وإذا كان في هذه اللحظة ذاتها، اللحظة التي كلم فيها الله الشخص المعني، هناك شخص آخر جالساً بجانبه، فهذا الشخص الآخر لا يستطع تأكيد أو نفي، ما ذكره لنا الشخص الذي كلمه الله، أو كما قال.

فمن المستحيل معرفة ما إذا كان ادعائه دقيقًا، لذلك، وبلا شك، ولا تردد، يجب علينا أن نقول بأن هذه النظرية المعرفية لتعريف الوحي، بأنها ذاتية وأكثر ذاتية، وهذا لا يعني أنها غير صحيحة أو غير سليمة. ومع ذلك، من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تأكيد أو نفي دقة تلك المعرفة.

وتلخيصاُ نقول بأن نظرية المعرفة تدور حول طبيعة المعرفة وحول أشكالها وحول أنواعها. وتهتم افتراضاتها بكيفية صنع المعرفة وانتاجها، والحصول عليها، ونقلها وتناولها وتوصيلها.

وهذا جوبا أو كوبا ومعه لينكون (1994) يوضحان لنا عن ماذا تسأل نظرية المعرفة، ويضرحان سؤالها بين يدينا، وأمام ناظرينا:

“ما هي طبيعة العلاقات المتبادلة بين العارف المحتمل وما يمكن معرفته؟”

ويضيف فولر (2007)، بأن نظرية المعرفة الاجتماعية، تستخدم موارد التاريخ والعلوم الاجتماعية، لمعالجة الأسئلة المعيارية، القريبة من عمليات ومنتجات تنظيم المعرفة. وتسعى إلى تقديم إرشادات، حول كيف، وماذا يجب أن نعرف، بناءً على كيف، وماذا نعرف حقًا.

وتتعلق قضية الموضوع بما أسماه جون ديوي “إجراء الاستقصاء”، وما قد يحدث حاليًا، باعتباره شكلاً مجرّدًا لسياسة العلوم.

تتقدم نظرية المعرفة الاجتماعية على فلسفات المعرفة الأخرى، وذلك من خلال الأخذ في الاعتبار أن المعرفة يتم إنشاؤها بواسطة وكلاء لا يتم تجسيدهم بشكل فردي فحسب، بل يتم تضمينهم بشكل جماعي أيضًا في بعض العلاقات المحددة والمعينة، التي تتمدد عبر امتدادات واسعة وكبيرة من المساحات المكانية، والنبضات الزمانية.

ونحن ما زلنا نتجاذب أطراف نظرية المعرفة (الابستمولوجيا) من كل زوايا وجهات النظر الفلسفية المختلفة، والعلمية أيضاً. ونقف هنيئة رغبةً في أخذ قسط من الراحة الروحية، والسكرة الفلسفية، من خلال لقاءنا بفيلسوفنا المعرفي الضخم العملاق كارل بوبر.

يعتبر بوبر أحد رواد فلاسفة العلم في زماننا الجديد الحديث، ولد بالنمسا في 1902، وتلقى تعليمه في جامعة فينا، واشتغل بالتدريس في انجلترا، وخلافاً لزملائه فقد أظهر اهتماماً شديداً، وحباً مجنوناً للفلسفة ولتاريخها، وللفلسفة السياسية، وكذلك الأخلاقية.

ومن اسهاماته التي غطت الآفاق، وشغلت الساحات العلمية والفلسفية، مخطوطه أو قرطاسه المعنون بعنوان (المجتمع الحر وخصومه) ويترجم أيضاً (المجتمع المفتوح وأعداءه)، وهو كتاب سرعان ما أصبح من الأسس والأصول المعاصرة في النظريات السياسية.

وقد ظهر واشتهر بوبر أكثر كفيلسوف معرفي من الطراز النادر، وكان غارقاً في اهتمامه بتقدم المعرفة ونموها وتطورها، وكان بمثابة الفاروق الذي وضع خطاً عريضاً فاصلاً بين المعرفتين، المعرفة الموضوعية والمعرفة الذاتية.

ولا يسعنا الا ان نفسح له المجال واسعاً، لنتبرك بصلواته الفلسفية، ونغرف من معينه المعرفي، الذي لا ينضب، ما طاب لنا، وما اتسع لذلك ماعوننا الاستيعابي.

وهو من جانبه لا يدخر وسعاً ولا وقتاً ولا جهداً، في سبيل مشاركتنا ومشاركة العالمين المعرفة، فالمعرفة كالهواء ضرورية لمواصلة الحياة، وكالحرية بيئة نقية للتعلم وللتطور وللتقدم، فهما، بلا أدنى شك، حق حياتي وإلاهي مقدس يستحقه كل الناس، كلهم باختلافاتهم الكثيرة المتعددة، كيفما كانت هذه التباينات، نوعاً وشكلاً وكماً، بدون فرز في ذلك ولا تفضيل.

فهما، أي الهواء والحرية، لا يكلفا المرء الا ما تقرره له أثمان الرغبة، وأسعار الاهتمام، ونفقات الانتباه. وهو كما العهد به قام بتلبية دعوتنا قبيل استلام كرتها المسطور، وشرع من فوره بتوضيح كل واحدة من المعرفة على حدا، وله حرية الفعل والقول في المساحات الجاريات، والاذان منا له صاغية…

المعرفة بالمغزى الذاتي أو المعرفة الذاتية تنشأ وتتكون من حالة العقل والشعور أو الميل والنزوع الي تصرف أو ممارسة رد فعل. المعرفة هنا معناً ما هي الا اعتقادات ذاتية شخصية، ما تراه أنت، وتقره أنت، وترفضه أنت، وتنكره أنت.

ولكن عندما يقول شخص ما أو تقول انت أو أقول أنا: أنا أعرف فهذا يعني أنني أعتقد، بهذا المعنى يستحيل أن أكون مخطئاً، طالما أنني فعلاً أعتقد، ولكن ليس هناك معرفة بغير احتمال دائم للخطأ.

اذن بهذا المغزى الذاتي أو الشخصي لا يمكن أن نعرف، وهنا لا نسمى هذا الموضوع “معرفة” بالمفهوم الأبستمولوجي (نظرية المعرفة). انها هنا أي المعرفة تتشكل وتتبلور من اعتقادات في حاجات معينة وأشياء محددة، فتجعل معرفتي متشكلة من نزعاتي ومعرفتك انت من نزعاتك … وهكذا.

وفيلسوفنا الجميل كارل بوبر يواصل، ليرى أن المعرفة هذه ليست من اختصاص الابستمولوجيا (نظرية المعرفة أو دراسة المعرفة)، ولكنها من اختصاص علم النفس.

اما المعرفة الموضوعية أو بالمغزى الموضوعي، ومازال اللسان لسانه “بوبر”، فهي تتشكل من الأفكار العلمية والفلسفية، ومخزونات الكتب والعقول الالكترونية، أي كل النظريات المصاغة لغوياً، وهو، وأنا هنا أقول عنه وبلسانه، يراها موضوعية لدرجة الاستقلال التام عن أي فرد أو أي انسان يعرف ويعتقد، فهي معرفة بغير نفس عارفة أو ذات مدركة.

وهذه هي البحوث والدراسات الملائمة للأبستمولوجيا، فتدرس مكنونها المعرفي وعلاقتها المنطقية، أي المشاكل ومواقف المشاكل، ولا تدرس البتة اعتقادات.

فالعالم لا يدعي ان افتراضه صادق أو أنه يعتقد فيه أو يعرفه، كل ما يفعله هو أن يعرضه في العالم الموضوعي، فتدرسه الابستمولوجيا، وتقنن مدى قدرته على إعطاء قوة شارحة مفسرة، وعلى حل المشكلة المعروضة أو المطروحة، وتقارن بينه وبين الفروض الأخرى.

وباختصار مجال الابستمولوجيا يقتصر على الموضوع القابل للنقد، ويقطع كل صلة بينه وبين الذوات…

وحين يغمر الغمام الدافئ،

آفاق بلادي النائية،

ويتسلل الشفق،

وتغدق الشمس الظلال الناعسة،

أتوق إلى صيف بلادي المستهام،

وأنا كالبحيرة

المخنوقة،

التي تقلصت مع الأيام،

وتمر أمامي مواكب الساعات الكسيحة – (لابن يونس ماجن)

وللحكاية بقية.. وكمان نهاية …

المصادر

• الفرنسية، آر.، 2017. مقدمة في تاريخ الفلسفة والفكر والأفكار: سلسلة محاضرات الفلسفة، فيديو 1: فروع الفلسفة، 12 سبتمبر، [أونلاين]. متاح على: URL: <https://www.youtube.com/watch؟v=dPJYKL2ZeEw. (تاريخ الزيارة:20-11-2019)

• اسكتلندا، ج.، 2012. استكشاف الأسس الفلسفية للبحث: ربط الأنطولوجيا ونظرية المعرفة بمنهجية وأساليب نماذج البحث العلمية والتفسيرية والنقدية. تدريس اللغة الإنجليزية، 5 (9)، ص 9-16.

• ديك، أل، 2013. لماذا تهم نظرية المعرفة. تنمية المعلومات، 29 (1)، ص 7-9.

• عويضة، ك م.، 1995. كارل بوبر “فيلسوف العقلانية النقدية”. الطبعة الأولى. دار الكتب العلمية. بيروت.

• حمداوي، ج.، 2007. الرؤية الوجودية في ديوان ” مسامات” لابن يونس ماجن: تقديم مناصي. [فيديو على الإنترنت]. متاح على: URL: https://www.diwanalarab.com(تاريخ الزيارة:11-12-2021)

• كوادا، ج.، 2009. نماذج في أبحاث الأعمال الدولية. سلسلة أوراق العمل.

• كراوس،. S.E، 2005. نماذج البحث وصنع المعنى: كتاب تمهيدي. التقرير النوعي، 10 (4)، ص 758-770.

• Tholappan، A.، 2015. المعرفة والمناهج. السرير. العام الثاني. جامعة بهاراتيدان. تيروتشيرابلي -62024

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق