ثقافة وفن

اللغة العربية الخالدة عبر التاريخ الانساني منذ ولادتها الأولى

لم تعرف الأفول اللغوي رغم محاولة اغتيال صرحها البنائي

محمد هريدة

تعد اللغة العربية من بين اللغات الضاربة في القدم، والتي مازالت تحافظ على خصائصها تركيبا ونحوا وصرفا، لأنها أصبحت قادرة على إثبات نفسها داخل الحقول العلمية المختلفة، وتنفرد الأم بجذورها الأولى مند فجر التاريخ البشري وهي المنبع الحقيقي لمجموعة من الفروع الأخرى، من اللغات الاعرابية التي ترعرعت في شبه الجزيرة العربية أو جارتها البابلية والحميرية والآرامية والحبشية والعبرية، وقد عرف في عصرنا الحديث أطلق علماء اللغة اسم اللغات السامية الفصائل اللغوية، التي يمكن إرجاعها إلى الأصل اللغة الأم، وحسب العالم النمساوي شلوتزر هو أول من أطلق هذه التسمية عام 1781 م، حيث اقتبسها من أحد نصوص التوراة المكتوبة بأيدي الأحبار في العهد القديم، وذلك من خلال الاعتماد على التقسيم الوهمي للأجناس البشرية المستمد من أبناء نوح وهم (سام ؛ وحام؛ ويافث) .

اتفق جمهور الباحثين في تاريخ اللغة العربية بأن لا أحد يؤكد على تاريخ نشأتها، لكن أقدم شيء معروف حولها يرجع إلى القرن الخامس الميلادي، وقد كانت النصوص الأدبية بمثابة سلسلة اكتمالها، ويرى ثلة من الباحثين ان تاريخ اللغة العربية ينقسم إلى قسمين : لهجات بائدة، وتتمثل بالثمودية، والصفوية، والليحانية والقسم الآخر هو اللهجات الباقية، ومن أشهرها قريش ، وطي، وهديل، وثقيف، وغيرها، وتعتبر لهجة قريش أفصح اللهجات على العموم

أسباب النزول: 

سميت اللغة العربية بـ «لغة الضاد» نظراً لكونها اللغة الوحيدة التي تحتوي على حرف «الضاد»، بالإضافة إلى أنّ العرب هم أفصح من نطقوا هذا الحرف فمن المعروف أنّ حرف الضاد يعتبر من أصعب الحروف نطقاً عند غير العرب، كما أن بعض المتكلمين بغير العربية يعجزون عن إيجاد صوت بديل له في لغاتهم.

اللغة من الدليل الإلهي السماوي: 

لقد كان فضلا عظيما على الأمة الإسلامية ان تحظى بهذا الشرف الإلهي، لاسيما وأن يخاطب الله تعالى الرسل والأنبياء بلغة عظيمة نزلت محفوظة من اي تحريف أو خلل او شوائب حيث يقول الباري تعالى (٨)» انا نحن أنزلنا الذكر وانا له لحافظون (٩) «

وجاء في أية اخرى تفسير لعدة لمعاني في القران الكريم حيث يقول.. ابن كثير: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

(إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس; فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان، فكمل من كل الوجوه.

وفي أية اخرى جاء في القرآن الكريم، بسم الله الرحمن الرحيم: “الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿1﴾ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿2﴾” سورة يوسف، وهذا من فضل الله العظيم على هذه الأمة العربية أن نزل القرآن الكريم بلغتهم، فسهُل عليهم فهمه ومعرفة معانيه، وتبين لهم أحكامه وأوامره ونواهيه، فكانوا العرب هم المعلمين الأوائل للقرآن الكريم في كل ربوع العالم الإسلامي.

جاء في القرآن الكريم تفصيل كونه عربياً وليس أعجمياً في قوله تعالى: “وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (44)” سورة فصلت.

لما فتح الله على المسلمين جل الأقطار إبان الفتوحات الإسلامية ضد الشعوب التي كانت تحتضن عبادة الأوثان، وقد كان لها دور فعال في نشر اللغة العربية، فآلاف الفاتحين العرب الذين انتشروا في جل أقطار المعمورة كانوا سفراء من أجل تعريب الشعوب العجمية. 

برغم من قوة راية الاسلام واشتداد عوده فإن القيم والتراث والأعراف والتقاليد التي تميزت بها الشعوب الأخرى،لم تمس أبدا لآن المسلمين لم يكن لهم ادنى تعصب ثقافي او لغوي او عرفي مما جعلهم يرحبون بتلاقح لغاتهم إلى  جانب اللغة  العربية .

لقد اهتم العرب بعلوم البلاغة وضروبها نظرا للقيمة العلمية في فهم المعنى وتنسيق اللفظ على النحو الذي تنسجم به رونق الكلام مع المعنى المقصود ، وقد عرف العرب قديما ان البلاغة والفصاحة في سليقتهم، الا ان انبعاث علم البلاغة كانت بديتها في العصر العباسي، حيث قام علماء اللغة بتقعيدها وجمع شواهدها مما سمعوه عن العرب القدماء، الذين لم يحتكوا مع العجم ولم يدخل اللحن لغتهم، وتأليف الكتب البلاغية والتصنيف فيها، «كتاب الإيضاح» الذي يظهر في تعريف البلاغة عند القزويني وأقسام علومها، حيث تنقسم البلاغة في ثلاثة علوم : 1 علم المعاني، 2 علم البيان، 3وعلم البديع .

سيبويه إمام النحاة في عصره:

يؤخذنا الحديث عن سيبويه الذي ساهم في تبسيط علم النحو وصاحب مؤلف «الكتاب» الذي أعطى معالم اللغة وقوانينها  وهو أول كتاب منهجي ينسق ويدون قواعد العربية ..وكانت ولادته عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي  ببلدة البيضاء ببلاد فارس ولقب سيبويه كناية رائحة التفاح تتلمذ على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي، وكان له الفضل في التأطير لعلم النحو دراسة وتركيبا لهذه المفاهيم النحوية وقواعدها الرصينة الى عصرنا الراهن، وكذلك لا ننسى لما جاء به أحمد الخليل الفراهيدي في علم العروض والتقطيعات والتفعيلات لبناء الشعر العربي القديم .

وتعرف اللغة العربية والمسمى بعلم الآداب وهي علوم يحترز به اي خلل في كلام العرب سواء كان لفظا أو كتابة، وينقسم على ما صرح به علماء اللغة إلى اثني عشر قسما منها الأصول وهي عماد ذلك الاحتراز ومنها الفروع.

وكما يعتبر علم الأدب هو علم إصلاح اللسان والخطاب وإصابة مواقعه، وتحسين ألفاظه عن الخطأ والخلل الذي هو شق من الآداب العامة، كما لا يخفي على الناظر فيه شيء من كلام العرب وأساليبهم ومناحي بلاغتهم، لأنه لا تحصل الملكة من حفظه الا بعد فهم وتمحيص له.

نظرة من زاوية سوسيولوجيا اللغة:

باعتبار أن اللغة تعد نظاما رمزيا يفضي للتواصل معتمدا على أسلوب دقيق ومتشعب في استعمال وتوظيف الرموز، التي تجمع العناصر كالأصوات والكلمات والقواعد وغيرها، كما أن اللغة تتصل بالمجتمع صلة وثيقة، فهي بالأساس الذي يعبر عنه المجتمع، فلولا وجودها لما كان هناك تبادل الأفكار وتلبية لاحتياجات الافراد والمجتمع، بهذه الوسيلة ينتج عنها التواصل الاجتماعي العلائقي.

وقد كشف المهتمون والمختصون في علم الاجتماع دراسة وفهم الدور الذي تلعبه اللغة في بناء وتشكيل الحضارات والمجتمعات والتجمعات وقاموا بربطها بسلسلة من المفاهيم الأساسية: كاللغة والهوية والقومية والهيمنة، ومما لا ريب فيه ان هناك علاقة تأثير وتأثر بين اللغة والمجتمع خاصة تأثير البيئة الاجتماعية على لغة الإنسان، وتأثر اللغة بثقافة المجتمع، فهي أقوى الروابط على الإطلاق بين لفائف المجتمع والتواصل بين اجياله.

اللغة:

معلوم أن اللغة تتألف من وحدات صوتية متناسقة ومتتابعة، تعطينا رزمة من الكلمات الرنانة تنشرح له القلوب .

سوسيولوجية اللغة:

يقصد بسوسيولوجية اللغة « الاندماج الجمعوي ‹› ما اتفق عليه بمعرفة البناء اللغوي كقمة نهاية المعنى الكلامي، وهذا يعني أن هذا التحيز الحربائي تنعكس ألوانه الطبيعية ولكن لا لون له.

وحسب فإن اللغة هي ان هذه الشخوصية المتراكمة لها صفة البوح من الصميم، لهذا عدد علماء اللغة أركانها بين دال ومدلول حيث لكل علم له مجالاته واستعمالاته داخل الحقول العلمية الابستمولوجية، سواء كان شعرا أو أدبا ومسرحا او رسما أو عمليات رياضية فهي كانت في الأصل لغة للتحول إلى تجريد موضوعي .

يرى عالم اللغويات تشومسكي ، ان اللغة ظاهرة معقدة ويصعب تعريفها مند عصر التوراتية، حيث ذهب بعضهم للإجابة عن سؤال ، ماهي اللغة ؟ وكيف تحدث عملية التواصل، فقد حاول العديد من الباحثين والفلاسفة والمنظرين معالجة مسألة هذا المعطى دراسة وتجريبا، لأنه محط تعقيد، وبالرغم من ذلك فقد تمكن بعضهم من فك شفرة هذا التعقيد وعلى رأسهم اللغويون، مثلا تحديد السمات والعلامات المتعددة للغة وبعض عمليات التحدث والاستماع والمراحل التنموية.

اجمالا على ضوء ما قيل في نازلة هذه المسالة العالمية لطالما كانت اللغة هي جسر التواصل الإنساني، والتي ربطت الماضي بالحاضر وفهمه، فقد خرجت عن المألوف وراحت تصور لنا ما جرى في الماضي السحيق بكل موضوعية وتجريد للواقع بدون تشويه له، ولعلى أبرزها ما سطرته اللغة مند فجرها الاول بداية من عصر الجاهلية عند العرب وكيف تم تصوير المشهد الشعري في تلك المعلقات السبع التي قيل انها كتبت بماء بماء الذهب على الكعبة.

ومن منا لا يستمتع بألفاظ هذا الصرح اللغوي مند نعومة أظافره بين تلاقح ثقافي واخذ وجذب لإيصال رسائل كانت تكتب على «الورق البردي « أيام الفراعنة وبها يتم فهم المعنى وحل النزاعات بين الحضارات والأديان ، كيف ولا نحتفل بحزمة من الألفاظ التي ربطت الشمال مع الجنوب والشرق مع الغرب، يا سادة يقراء هل يوم واحد يكفي لشكر هذه اللغة التي كل يوم نعرف عنها أسرار لم تكن في الحسبان أعطت للبشرية وجها اخر يمكنهم من خلاله تمجيدها وتقديس لغة اثبتت قوتها العلمية والدينية والاجتماعية وحتى العرفية والرمزية والتصويرية، إنها يوما بعد يوم نكتشف اعجاز وخير دليل هو التشريف الرباني من فوق سبع سموات جاء النصر من عنده، هي لغة أهل الجنة ولغة القرآن بكل تفاصيله  الدقيقة والصغيرة وأحكامه ومواضيع قضيته التعبدية التي جاءت بهدف إقرار وإخلاص الوحدانية الإلهية، انها لن تنتهي هنا ولن تخذل ولن تضمحل بسبب قوتها التنظيمية وقوتها التي لن تتخلى عنها لباقي اللغات الأخرى، هي ساعدت وساهمت في النهل منها لأنها معجم كبير وموسوعة ربانية كاملة خالية من الصدمات التعصبية بفعلها يكون للحياة معنى ووجود، بصريح العبارة « ستكون لغة العالم  بدون منازع « ولا أدل على ذلك  جبروت الصمود .. إنها لغة العصر المتطور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق