سياسة

خارج المتاهة

الواجبات المُلِحَّة

محمد عتيق

في ٣ يناير ٢٠١٩، والمظاهرات الشعبية في بدء اشتعالها، أصدرت تنظيمات: «تجمع المهنيين السودانيين، قوى نداء السودان، قوى الإجماع الوطني، التجمع الاتحادي المعارض» بياناً (هامّاً) دعوا فيه كافة القوى إلى التوقيع على «ميثاق الحرية والتغيير» وطلبوا من كل القطاعات الشعبية أن تنفذ العصيان المدني الشامل … جاء في ذلك البيان: «…. إن انتفاضتنا تستمد قوتها من جماهير الشعب السوداني ومن شبابه، ومن وحدتنا التي هدَّدت النظام وجعلته يترنَّح ويفقد زمام المبادرة، فهو لم يعد لديه سوى ترسانته الامنيَّة، …»، أو كما يقول أحدنا إن الفضلَ في ذلك بعد الله تعالى يعود إلى فلان ؛ (بعد الشعب وشبابه إلى وحدتنا) … وبذلك أكدت الأحزاب السياسية أنه لا نصر ولا تقدُّمَ على طريق مواجهة أزمتنا الوطنية إلّا بالوحدة بينها(جبهوية، تنسيقية.الخ) وحدة تقوم على برنامج واضح الأهداف، مُحدَّد المواقيت والكيفيات (حالياً) لمواجهة مهام الفترة الانتقالية ووضع أسس الانتقال الديمقراطي إلى عهد الحقوق والواجبات وسيادة القانون بأحكامه ولوائحه، عهد التنمية البشرية والمادية، عهد الوفرة وتضميد الجراح، عهد إزالة الفساد وثقافته التي انتشرت في مجتمعنا ناراً في هشيم العقود الثلاثة الماضية. فهي مهام كبيرة بل هي الأهم مطلقاً لأنها ستكون الأساس لبناءاتنا الوطنية اقتصادياً، معرفيَّاً، سياسياً، اجتماعياً و.و.الخ …

  ولمّا كان لكل زمنٍ ولكل عهدٍ احتياجاته وبالتالي لغته ومَنْطِقَهُ، وكما أن صيغة جبهة الهيئات (اكتوبر ١٩٦٤) أو الشخصيات الوطنية(أبريل ١٩٨٥ وفي مواجهة النظام الساقط ١٩٨٩/ ٢٠١٩) لم تعُد مجدية، فإن صيغة (قوى الحرية والتغيير «قحت» والوثيقة الدستورية) الآن، قد انتهى عهدها…

نحن أمام أجيالٍ جديدةٍ، شابة، حالمة بحياةٍ إنسانيةٍ تتحقق فيها آمالها في وطنٍ مزدهرٍ، مستقِرٍّ وعزيز، يكون فخراً لها كما هو الآن محرابَ أرواحها وأوصالها قُرباناً لذلك الحلم. هذا الجيل قال رأيه منذ ثلاثة أعوام (ديسمبر ٢٠١٨ وحتى أمس ٢٥ ديسمبر ٢٠٢١)، وأبدى إصراراً مذهلاً على تحقيق حلمه (أهداف الثورة)، إذا وافقَ في المرحلة الأولى من الثورة على صيغة الشراكة بين المدنيين والعسكريين، فإن انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ قد كشف له بجلاءٍ شديد نوايا الطبقة التي تحكم باسم العسكريين ومعها مليشيات الجنجويد كقيادات أو جهة فاقدة للمصداقية ففقدت الثقة، وبالتالي قرر أن يبدأ الصفحة التالية للثورة وأن تكون هذه الصفحة مُصَوَّبَة بوضوح نحو أهداف الثورة وأحلام الأجيال الجديدة الصاعدة. هذه الأجيال، وبهذه الصفات والأحلام، يجدر بالسياسيين وقيادات الأحزاب المختلفة أن يعترفوا لها بهذا الحق وأنه حقٌّ أصيلٌ لا مِنَّةَ لأحدٍ عليه.

  ولهذا الحق مستلزمات واجبة التنفيذ أو التحقيق، منها:

١/ أن تتوحد – بصيغةٍ ما أو بأخرى- حول برنامجٍ للفترة الانتقالية يُعبِّر عن أهداف الثورة وتطلعات الأجيال الجديدة، في إطار إعلان سياسي وفي تحالفٍ وثيق مع القيادات الميدانية والعليا للجان المقاومة. هذه الوحدة بما ترافقها من إجراءات كفيلة بإسقاط الانقلاب وإلى إعادة العسكريين إلى مهامهم وحفظ أرواح وأوصال الشباب.

٢/ إلغاء إتفاقية جوبا وما ترتَّبَ عليها باعتبار أنها لم تكن تعبيراً عن الثورة ولا تمثيلاً لها وإنما تعبيراً عن مصالح القيادات العسكرية المحدّدة وبعض المصالح والرغبات الأجنبية، والشروع فوراً في اجراءات سلام مع المؤمنين من الحركات المسلحة بهذا النهج، ومواجهة مشكلات مناضليها مع مشكلات وهموم الشباب (المدنيين) ترسيخاً لمبدأ أن النضال – عسكرياً كان أم مدنياً – وتضحياته واحدة، وأن انتصار الثورة يعني النظر إلى مشكلاتهم وأوضاعهم بمنظار واحد في إطار قضايا الوطن العامة.

٣/ وفئتان من الحركة السياسية عليها الابتعاد مؤقتاً عن الساحة السياسية لحين النظر في أمرهم لاحقاً:

الأولى: كل الأسماء والرموز التي اشتركت في حكومتي دكتور حمدوك السابقتين وفي مفاوضات الوثيقة الدستورية والإعلان السياسي مع المكون العسكري.

الثانية: كل من استلم أموالاً أجنبيةً – أو هدايا – مقابل الالتزام بمواقف معينة تطلبها تلك الدول المانحة. الاعتراف علناً بذلك شجاعةٌ وطنيةٌ سامية، وفيه رسالة هامة لكل العالم بأن عهد الوكلاء (عسكريين ومدنيين) قد انتهى في العهد السوداني الجديد، وفي إبعادهم في الوقت الحالي تطهيرٌ للثورة ولتحالف القوى السياسية مع لجان المقاومة المنشود لعهدٍ جديد.

هذا باختصار واجب المرحلة: أن تتوحد القوى السياسية على ميثاق سياسي وبرنامج وطني وتعلن عن هيئاتها وإطاراتها قيادةً سياسيةً للشباب في تظاهراتهم الهادرة إيذاناً بسقوط الانقلاب واستئناف ديسمبر الخالدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق