خارج الحدود

«بروفا» رئاسية من قانون المالية التونسية

سالم لبيض

الآن وقد استقرّت السلطة في تونس، واستوى رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أعلى سدّة الحكم، وسادت الغلبة لمقاربته على كل المقاربات الأخرى، ولو مؤقتا، فاستبدل دستور البلاد وقوانينها بالمراسيم والأوامر الرئاسية، تيمّنا بالأوامر العليّة التي كان يصدرها، قرنين ونصف القرن، باي تونس صاحب المملكة التونسية، وبالتشريعات الرئاسية على مدى أكثر من خمسين سنة من حكم الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، على غرار الأمر الرئاسي عدد 117، والمرسوم المتعلق بقانون المالية لسنة 2022، من دون مشاركة الأجسام الوسيطة، التي أفرزها التحديث السياسي والقانوني للدولة المعاصرة، من الأحزاب السياسية، والقوى النقابية والمدنية، ومراكز بحوث ودراسات النخب الأكاديمية والاتحادات الفكرية والأدبية، بات متاحا أمام الرئيس أن يضمّن قانون المالية لسنة 2022 فلسفته الاجتماعية وروح معركة التحرير الوطنية من الهيمنة الأجنبية التي صدع بها لدى إشرافه على أحد المجالس الوزارية.

ولكن القانون الجديد جاء خاليا من كلّ روح شعبية توّاقة للعدالة الجبائية والمساواة في الفرص بين أطياف المجتمع وأفراده، والتحرّر من التدخل الأجنبي، ونهم رأسمال وتوحشه الذي ما انفكّ يجعل من الدولة والمجتمع في تونس مجالا للاستغلال ومبعثا للثراء، وتنامي ثروة أصحاب الشركات الكبرى وعلاماتها التجارية الأجنبية، وتضخّم حساباتهم في البنوك التي تستعد نهاية السنة لعدّ أرباحها الكبيرة، بالطرق المشروعة وغير المشروعة، وعدم المساس بهم، عن طريق ضريبةٍ يؤدّونها على ثرواتهم، مستجيبا لإرادة صندوق النقد الدولي، في التخفيض من كتلة الأجور، بواسطة التقاعد المبكّر، المسدّد الأجر، من دافعي الضرائب، خمس سنوات كاملة، والشروع تدريجيا في رفع الدعم عن المحروقات والكهرباء، وإخضاعهما لآلية التعديل الآلي للأسعار ولقانون السوق في العرض والطلب، وعن المواد الأساسية لغذاء التونسيين، ما سيُلهب الأسعار، الملتهبة بطبعها، من جرّاء الاحتكار والمضاربة وغياب الرقابة الحكومية، ويفاقم من ظاهرة الفقر التي التهمت خريطة تونس ودولتها، وخصوصا طبقتها الوسطى، مستفيدة من جائحة كوفيد – 19 وانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية التي أدّت إلى غلق عشرات آلاف مواطن الشغل، والقذف بأصحابها إلى عالم المجهول وفقدان الحياة الكريمة.

قُدّر حجم ميزانية الدولة في قانون المالية لسنة 2022 بـ 57.2 مليار دينار، بزيادة تقدّر بـ 3.2% مقارنة بسنة 2021، ما يعني عدم اللجوء إلى التقشّف أو الضغط على نفقات الدولة، الذي تستدعيه الأزمة الاقتصادية والمالية الحادّة التي تعيشها تونس، ويُلاحظ أثرها في تراجع النمو والاستثمار، وتفاقم البطالة، وتنامي ظاهرة مغادرة البلاد بالطرق الشرعية أو بواسطة الهجرة السرية (الحرقة). ولكن موارد الميزانية بقيت تقليديةً لا تجديد فيها ولا ابتكار ولا استكشاف لأساليب جديدة في التعبئة المالية، وقد انقسمت إلى أقسام رئيسية، هي المداخيل الجبائية في حدود 35 مليار دينار، والمداخيل غير الجبائية بثلاثة مليارات دينار، والقروض الخارجية والداخلية التي تفوق 18 مليار دينار. وهي استنساخٌ لميزانيات سابقة لسنين خلت، سادت فيها سياسة المجبى والاقتراض الخارجي، السياسة نفسها التي هدمت الدولة التونسية من الداخل، وفكّكت نسيجها الاقتصادي والاجتماعي، وجعلت منها لقمة سائغة في متناول قوى الاستعمار التقليدي، ونزع ما تبقى من السيادة الوطنية التي ناضلت من أجلها الحركات الوطنية والسيادية.

غابت عن ميزانية الدولة التونسية المشاريع الكبرى التي تُنتج الثروة وتخلق النمو، وتوفّر الشغل، على شاكلة الإصلاحات الزراعية العملاقة وإحياء الأراضي الموات، والمدن الصناعية – التجارية – الخدمية التي تنشأ في تخوم الموانئ الضخمة، والمراكز الصناعية – التكنولوجية الحديثة، والمطارات وشركات النقل الجوي، والقرى الاتصالية والإعلامية، وإنشاء شبكات السكك الحديدية والقطارات السريعة الموعود بها من الفرنسيين، التي تنعش الاقتصاديات الوطنية وتبعث فيها الحياة. وحلّت محلّها الحلول البسيطة التي لا تُغني من جوع، مثل الزيادة في منحة العائلات المعوزة بـ 20 دينارا لتصبح مائتي دينار (67 دولارا) شهريا، وإقراض أصحاب المؤسّسات الصغرى المتضررين من جائحة كوفيد بخمسة آلاف دينار يتم إرجاعها من دون فوائض، والحلول المشبوهة التي تؤسّس لدمج الفساد والتحيل وتبييض الأموال في الاقتصاد المهيكل للدولة، من خلال الفصل عدد 66 من قانون المالية، وهو استنساخ من الفصل عدد 26 من قانون الإنعاش الاقتصادي الذي تقدّمت به حكومة هشام المشيشي إلى مجلس نواب الشعب، ولقي معارضة برلمانية قوية، ويحمل عنوان «تسوية الوضعية الجبائية للأشخاص الطبيعيين بعنوان المداخيل والأرباح المتأتية من أنشطة غير مصرّح بها»، مقابل دفع ضريبة تحررية بنسبة 10% من المبالغ المالية التي يودعونها في البنوك أو في الديوان الوطني للبريد قبل 22 يونيو/ حزيران 2022. ولم يظهر أي أثر في قانون المالية للـ 13.5 مليار دينار المنهوبة من رجال الأعمال الفاسدين، والأموال المهرّبة إلى الخارج التي خاطب رئيس الدولة أصحابها بالتهديد والوعيد في أكثر من مناسبة، واجتباهم بقانون الصلح الجزائي الذي يؤسّس لبعث رجال الأعمال المعنيين مشاريع اقتصادية – تنموية ذات صبغة تشغيلية في مختلف جهات البلاد، مع الانطلاق من المعتمديات الأكثر فقرا وأقل تنمية، بحسب المؤشرات المتوفرة. وكذلك الأمر بالنسبة للشركات الأهلية التي ستنبعث محليا من مساهمات الأشخاص الحاملين صفة ناخب في البلديات، على أن يكون لكل شخصٍ سهم واحد. وربما يعود عدم إدراج هذه الأفكار والمبادرات الرئاسية بقانون المالية إلى عدم القدرة على برمجتها عمليا لطوباويتها وقلّة واقعيتها.

ولم تتضمّن الموازنة أي برامج تشغيلية أو فتح المناظرات أمام جمهور العاطلين عن العمل الذي ناهز 800 ألف عاطل بنسبة 18% حسب إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء سنة 2020، يضاف إليهم سنويا 40 ألف حامل شهادة عليا جامعية، وضحايا جائحة كوفيد الذين فقدوا مواطن شغلهم أو أفلست مؤسّساتهم، واكتفت وزيرة المالية التونسية، سهام البوغديري نمصية، في أثناء الندوة الصحافية التي عقدتها يوم 28 الشهر الماضي (ديسمبر/ كانون الأول) بمعية وزراء آخرين، بالقول إن الانتدابات المبرمجة في حدود 18400 انتداب، أصحابها بصدد تلقي تكوين (تأهيل) في وزارات الداخلية والدفاع الوطني والعدل (السجون والإصلاح)، أو دمج متعاقدين يعملون في قطاعي التعليم الأساسي والثانوي، متجاهلةً انتظارات الداخل، وخصوصا من طالت بطالتهم من الحاصلين على شهادات عليا، المعنيين بالقانون عدد 38 المصادق عليه والمختوم سابقا من رئيس الجمهورية، موجّهة بذلك رسالة إلى صندوق النقد الدولي، إنه تمت الاستجابة لشروطكم في التفاوض، من أجل تمويل الموازنة بمليار دولار هذه السنة، ما سيفتح إمكانية اقتراض ثلاثة مليارات دولار من جهات مالية دولية أخرى، تشترط موافقة الصندوق، وفي مقدمة هذه الشروط التقليص من كتلة الأجور بعدم الانتداب في الوظيفة العمومية وتسريح الموظّفين الذين يبلغون سن 57 سنة فما فوق، علما أن التقاعد عن العمل يتمّ في سن 62 سنة بالنسبة لأغلب الشرائح، وفي سنّ 67 سنة بالنسبة لأساتذة الجامعات والكلّيات الطبية صنف أ، وإلغاء صندوق الدعم وخصخصة المنشآت والمؤسسات العمومية.

يظهر جليا أن قانون المالية لسنة 2022 يمثل «بروفا» النظام الرئاسي، في وضع موازنة للدولة، صيغت بخلفية إدارية من التكنوقراط الذين اختارهم رئيس الدولة ليكونوا وزراء وكتّاب دولة، لقيادة البلاد وإدارة شؤون المجتمع، فجاءت مرتجلةً سطحية الأهداف والتمشّي، سيكون لها آثار سلبية على الاقتصاد الوطني، غير عابئة بما سيلحق أطيافا واسعة من التونسيين من أضرار بسبب الإتاوات الديوانية المرتفعة على المواد المورّدة والضرائب المشطّة المتفاقمة، خالية من حذر رجال السياسة وأحزابها من فقدان مصداقيتهم وثقة ناخبيهم. وقد ساعد على هذا الاتجاه تجميد عمل البرلمان الذي لم يناقش لأول مرّة في تاريخ تونس المعاصر الموازنة العامة للدولة، ولم تشهد قاعات لجانه وجلسته العامة كشفا لخفايا تلك الموازنة، وما تتضمنه من «لوبيينغ» وخدمة أصحاب النفوذ ومراكز القوى الاقتصادية والمالية والحدّ منها. وسيكتشف التونسيون، بعد فوات الأوان، أن التوترات التي كانت تُحدثها صراعات النواب وكتلهم البرلمانية أقلّ ألما وضررا على حياتهم ومستقبل أجيالهم من الآلام والأوجاع الناجمة عن الإتاوات والضرائب والتهاب الأسعار، وتخلّي الدولة عن حماية أولياء الأمور فيها مواطنيها.

(عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق