ثقافة وفن

حكاية الفلسفة (5)

أبو بكر الصديق على أحمد مهدي

الجماليات (Aesthetics):

ويأبى الجاحظ أبو عثمان، الا أن يطربنا، بطلاوة كلماته، ودفء ألحانه، وغزارة معانيه، وشفافية احاسيسه، ورقة مشاعره، وعذوبة موسيقاه، وحسن أداءه، وكان أن، طرباً، تراقصنا وتمايلنا مع هذه النسمات العليلات، سكرى ولا سُكر، …

«ان أمر الجمال أدق وأرق من أن يدركه كل من أبصره، ومعرفة وجوه الجمال والقبح لا تتأتى الا للثاقب النظر، الماهر البصر، الطب في الصناعة.»

لقد تفانى الجاحظ في بناء رابط قدسي بين طبيعة الجمال ومقوماته من جهة، والأعراف والعادات، وما درج عليه الأقوام من اذواق واحاسيس وانفعالات، أخذوها من بيئاتهم، وتوارثوها في مضاربهم التي خبروها لوناً وطعماً ورائحةً من الجانب الثاني، ليكشف لنا هذا السر المعروف بالجمال، ويقول: بانه كل ما تقبله الناس، واستحسنوه، وتعارفوا على أنه جميلاً، ويضرب مثلاً على ذلك بقوله…

– «كانوا يمدحون الجهير الصوت، ويذمون الضئيل الصوت، ولذلك تشادقوا في الكلام، ومدحوا سعة الفم، وذموا صغر الفم.»

وسئل آخر عن الجمال فقال: «طول القامة، وضخم الهامة، ورحب الشدق، وبعد الصوت». وهذا الوصف ينم عن الشجاعة والقوة والقدرة، وهذا ما كان مستحسناً حينئذ هناك عندهم، أو كما أظن.

وأخيراً اتفق القوم في الاختلاف، وكما اختلفوا من قبل في جمال الرجل، وفي وصفه، اختلفوا أكثر، وتباينوا أعمق في تفصيلهم لجمال المرأة، فأبدعوا الوصف، وعمقوا الخلاف، فقالوا..

«أحسن النساء الرقيقة البشرة، النقية اللون، يضرب لونها بالغداة الي الحمرة، وبالعشي الي الصفرة …»

… وآخر يدندن قولاً لحناً بياناً فصلاً، مغرداً:

«إذا عذب ثناياها، وسهل خداها، ونهد ثدياها، وفعم ساعداها، والتف فخذاها، وعرض وركاها، وجدل ساقاها، فتلكم هم النفس ومناها».

وعندنا في جرابنا الوصف المثير الخطر، انه الوصف اليتيم المفقود، وصف فيه من الوصف ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا زار خيال عاشق ولهان مفتون، ولا حضر في عوالم ساحر مسحور، وصف نُقش في روح لوحة سريالية تُرى ولا تُرى، لوحة درويش صوفية، جمالاً وحسناً وفناً وفتنةً وافتناناً.

وتم تفريق كل تلك الأوصاف في قرطاس، طالباً فيه خالد بن صفوان من دلال الجواري، أن يأتيه بملاك انسانه في صورة…..:

«اطلب لي امرأةً… لها عقلٌ وافرٌ، وخلقٌ ظاهرٌ، صلة الجبين، سهلة العرنين*، سوداء المقلتين، خديجة الساقين، لفاء الفخذين، نبيلة المعقد، كريمة المحتد*، رخيمة المنطق، لم يدخلها صلفٌ، ولم يشن وجهها كلفٌ، ريحها أرجٌ، ووجها بهجٌ، لينةُ الأطراف، ثقيلة الأرداف…

أعلاها عسيب، وأسفلها كثيبٌ، لها بطنٌ مخطفٌ، وخصرٌ مرهفٌ، وجيدٌ أتلعٌ، ولبٌ مشبعٌ، تتثني تثني الخيزران، وتميل ميل السكران، حسنة المآق، في حسن البراق، لا الطول أزرى بها ولا القصر»….

وإذا لم تسعفك المعاني يا زائر الجمال بالليل والنهار، فإحساسك بها كافي ووافي، ولكنه حتماً، ليس بشافي…، فلا تسأل، ولا تلح في السؤال، فالخوف ان بدت لك تسوؤك…..

والبحث مازال جارياً، ولكن، ………. هل هناك وجود لما ليس له وجود؟!!!

وقال المنادي في جمالها:

متميز بين الجمال جمالها **** وجمالها فوق الجمال جميل

أما بعد… فالي متن الحكاية…

فالجماليات فرع من فروع الفلسفة المتخصصة في دراسة الفن والجمال. وتتعلق بطبيعة الفن والجمال والنكهات، وبإنتاج أو بتقدير الجمال، وبنظريات وبمفاهيم الجمال والفن، وبذوق ومقاربات لما يرضي الحواس ويشبعها، وبالذات، وعلى وجه التخصيص، البصر.

فالفن جزء أساسي من حياة الإنسان وثقافته. وهو ينال قدر كبير من الاهتمام والمساعدة، من الدول والشركات التجارية والجمهور بشكل عام. ومع ذلك، ما الذي يسبب أو يجعل شيئًا ما «فنًا»، ولماذا يجب تقييمه كفن أو لا فن.

هذه استفسارات واقعية لموظفي الخدمة المدنية، والصناديق الخيرية، والجهات الراعية الخاصة، والمؤسسات التعليمية. إنها أيضًا، أسئلة افتراضية، اهتم بها الفلاسفة لما لا يقل عن 2000 عام.

ففلسفة الفن هي مجرد محاولة، للعثور على إجابات لهذه الأسئلة، ولتلك الاستفسارات، بطريقة مستمرة ومنتظمة ومتماسكة، مع الاعتماد على فكر الفلاسفة البارزين الذين أولوا الكثير من الاهتمام بهذه الأسئلة.

فنياً، ومن منظورها المعرفي الأكثر تقنيتاً، إنه البحث في القيم الذاتية، والحسية العاطفية، أو الأحكام التي تقوم بها، وتفعلها أحيانًا المشاعر والأذواق.

تعمل فلسفة الجماليات، في دراسة وتحليل كيف يتخيل الفنانون وينتجون، وينجزون الأعمال الفنية؛ وكيف يستخدم الناس الفن، ويستمتعون به، ويلومونه أو ينتقدونه؛ وماذا يدور في أذهانهم عندما يرون اللوحات، أو يستمعون إلى الموسيقى، أو يقرؤون الشعر، ويعرفون ما ينظرون إليه ويسمعونه؟

كما تدرس وتفحص وتنبش في، كيف هم يشعرون تجاه الفن، ولماذا يرضون ويقبلون ببعض الأعمال، ولا يرضون ولا يقبلون بالبعض الأخر، وكيف ينجح الفن في تشكيل أو تغيير مزاجهم، ومعتقداتهم، وموقفهم تجاه الحياة.

وعلى نطاق أوسع، يشرح الباحثون في هذا المجال، الجماليات على أنها انعكاس نقدي للفن وللثقافة وللطبيعة. وفي اللغة الإنجليزية المعاصرة، يمكن أن تشير كلمة الجمالية، أيضًا، إلى مجموعة من المبادئ، التي تجذر أعمال حركة أو نظرية فنية معينة: يتحدث المرء، على سبيل المثال، عن الجمالية التكعيبية.

….. وأخيراً سئل أحدهم «فيم الجمال؟» قال: في اللسان».

وللحكاية بقية… وكمان نهاية …

*العرنين: عرنين كل شيء: أوله. وعنين الأنف: تحت مجتمع الحاجبين. وهو أول الأنف حيث يكون الشم. يقال: هم شم العراينين. والعرنين الأنف كله، وقيل رأس الأنف.

*المحتد: المنبت والأصل

المصادر

•أحمد، ع السد.، فلسفة الفن والجمال عند الجاحظ. الطبعة الأولى. العالم العربي للنشر. عمان-الأردن.

•الفرنسية، آر.، 2017. مقدمة في تاريخ الفلسفة والفكر والأفكار: سلسلة محاضرات الفلسفة، فيديو 1: فروع الفلسفة، 12 سبتمبر، [فيديو على الإنترنت]. متاح على: URL: <https://www.youtube.com/watch؟v=dPJYKL2ZeEw. (تاريخ الزيارة:20-11-2019)

•النفوذ للتعليم.، 2021. فروع الفلسفة. [متصل]. متاح على: URL: https://leverageedu.com/blog/branches-of-philosophy/ (تاريخ الزيارة: 9-12-2021)

•جراهام، ج.، 2005. فلسفة الفنون: مقدمة في علم الجمال. الطبعة الثالثة. مكتبة روتليدج وتايلور وفرانسيس الإلكترونية. لندن ونيويورك. ردمك 0-203-69622-0

•ويكيبيديا. فلسفة العلوم. URL: https: //en.wikipedia.org/wiki/Philosophy_of_science (تاريخ الزيارة: 6-11-2019)

•ويكيبيديا. جماليات. من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة. URL: https: //en.wikipedia.org/wiki/Aesthetics (تاريخ الزيارة: 15-11-2019)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق