ثقافة وفن

تحقيق الديوان الكبير لابن العربي الحاتمي

مشروع علمي ضخم يرى النور أخيرًا

د. عبد الإله بن عرفة

صدر مع مطلع العام الجديد التحقيق الكامل للديوان الكبير لمحيي الدين ابن العربي الحاتمي في أربعة مجلدات كبرى، بعناية العالم الأكبري المحقق الأديب الروائي، الدكتور عبد الإله ابن عرفة، عن دار الآداب في بيروت.

يُعَدُّ الشيخ الأكبر من فحول الشعراء، فقد اتّسم بغزارة الإنتاج الشعري، وكتب في أغراض كثيرة، لكن جُلّ تلك الأغراض تدور حول غرض واحد ناظمٍ للجميع، هو الـمواجيد الذوقية والحقائق الإلهية، وعكست أشعاره تجربته الروحية في شفافتها وفرادتها. كما أنه على مستوى الشكل، نَظَمَ في جميع بحور الشعر دون استثناء، كما نظم الموشح.

ورغم هذه القدرة الشعرية الاستثنائية وتنوعها، فإن مجمل الإنتاج الشعري للشيخ الأكبر بقي مجهولا غير منشور، وانصرفت الأبحاث التي أنجزت بشأنه إلى نصوص محدودة لم تتعد في الغالب ديوان «ترجمان الأشواق» الذي لا يتجاوز (61) قطعة شعرية، بينما بلغت الثروة الشعرية في هذا التحقيق الأخير حوالي (16.000) بيت شعري، عدا عن أشعار طبعة بولاق التي تبلغ (1022) قصيدة، وأشعار كتاب الفتوحات المكية التي تبلغ (1728) قصيدة شعرية، التي ضمّنها في ديوان المعارف الإلهية، وهو مجموع شعري وليس ديوانًا شعريا في أصل الوضع والتأليف.

هناك يتيمة من هذا الديوان الأخير محفوظة في المكتبة الوطنية في باريس، منتسخة في الهند عام 1094 هجرية/ الموافق  لسنة 1683م. وهي نسخة رديئة ومتداخلة على شكل الكتابة النثرية، مما يعقد دراستها. لكن المحقق استطاع أن يتعرف من خلال دراسته لها على جميع أشعارها بعمليات المقابلة التي قام بها، ففك طلاسمها.

ينبغي التنبيه أيضًا إلى أن كثيرًا من الأشعار الواردة في طبعة بولاق قد قام بتحقيقها الدكتور ابن عرفة في أجزاء هذا الديوان الكبير الذي يصدر اليوم، ونبه عليها في الهوامش، مما هو مشترك بينهما ومتداخل معها. إن جميع طبعات ما يسمى «ديوان ابن عربي» الموجودة في الأسواق مأخوذة كلها من طبعة بولاق الصادرة سنة 1855م، بيد أن النسخة المعتمدة في إخراج طبعة بولاق فيها بتر لمجموعة من الأشعار المهمة هي التي قام بإخراجها المحقق تحت مسمى «السلطانيات»، وهي أشعار وجهها الشيخ الأكبر لسلاطين وملوك زمانه من السلاجقة والأيوبيين الذين كان له بهم صلة وثيقة، فيما يعرف «بالآداب السلطانية» أو «النصائح». كما أورد المؤلف نصا نثريا حول نسب الخرقة مباشرة بعد ذكره لهذه القصائد السلطانية وفق النسخ النادرة التي اعتمد عليها الدكتور ابن عرفة في التحقيق، والتي احتفظت بهذه الأشعار، وبنص نسب الخرقة المرتبط بها. وقد أوضح الدكتور ابن عرفة في التحقيق سياقات تلك الأشعار والنص المرافق لها.

وبناء على الخلاصات العلمية التي انتهى إليها المحقق، فإن مجمل الإنتاج الشعري لابن العربي، يتكون من المجلدات الأربع للديوان الكبير المحقق، إضافة إلى أشعار طبعة بولاق غير المحققة (يبلغ مجموع قصائد طبعة بولاق 1022 قطعة شعرية)؛ وأشعار الفتوحات المكية (المضمنة أيضًا في ديوان المعارف الإلهية) والبالغة 7102 بيتًا.

هذا هو مجموع التراث الشعري الأكبري في مجمله، لكن قد تبقى أشعار قليلة متفرقة هنا وهناك للمؤلف مما ضاع. يذكر المحقق أن عدد مجلدات الديوان الكبير في الأصل خمسة، حسب ما ذكره المؤلف (نسخة بخط يده) في دمشق، في 13 ذي الحجة عام 634 هجرية: «صح سماع المذكور لهذه المجلدة وبقية الديوان، وهو خمس مجلدات في مجالس عديدة» (مخطوط خليلي، الورقة 194/ انظر تحقيقنا للجزء الرابع، ص. 455)، وهو ما يتوافق مع الإصدارات الأربعة المحققة لهذا الديوان الكبير، وتمثل أشعار طبعة بولاق المجلدة الخامسة المتبقية.

يقول الدكتور ابن عرفة: «إن هذه الكنوز الأدبية والعرفانية السامية تخرج لأول مرة في التاريخ، وهي توازي الأهمية ذاتَـها لكتابي «الفتوحات المكية» و»فصوص الحكم»، وهما من أبرز كتب الشيخ الأكبر. ولا يمكن لأي باحث مُجِدّ ورصين، مهما كان أُفُقُهُ العلمي، أَنْ يَدَّعي مَعْرِفَتَه بتراث ابن العربي من كتبه النثرية فقط. وإنَّ أَيَّ ادِّعاءٍ بالإحاطة بمذهب الرجل من تراثه النثري فحسب، يُعَدُّ مجازفة كبيرة، ودعوى غير منضبطة علميا، ويدلُّ على عدم إدراك الوظيفة العرفانية الكبرى للشعر عند الشيخ الأكبر، وعلى أسبقيته الوجودية على النثر. ويعد ذلك إخلالا بالضوابط التي ارتضاها ابن العربي، وتجاوزًا لكل الاحترازات التي اشترطها عن أسبقية النظم أو الشعر على النثر».

لقد بدأ الباحث المحقق هذا المشروع العلمي الكبير بتحقيق الجزء الرابع مراعيًا البدء في هذا العمل العلمي بإخراج أقدم النسخ الأصلية المخطوطة، واعتمد على أصل مخطوطة كتبت بخط المؤلف؛ وأتبعها بتحقيق المجلدة السابعة (حسب تسمية المؤلف لها)، وهي تضم أشعارًا من الجزء الأول والثاني من الديوان، واعتمد أيضًا على أصل بخط المؤلف أيضًا. ثم انتقل بعد ذلك إلى تحقيق الجزء الثالث من الديوان، وهي نسخة نفيسة كُتبت بعد أقلَّ من سنتين على وفاة ابن العربي عام 640 للهجرة. ثم ختم هذا التحقيق بالجزء الأول الذي يضم:

• مقدمة نثرية في الشعر العرفاني،

• أشعار «السلطانيات»، وهي قصائد تنشر لأول مرة،

• أشعار «الزينبيات»، وهي قصائد غزلية تنشر لأول مرة.

إنَّ المحقق في هذا التحقيق، لَـمْ يَأْلُ جهدًا في ضبط الكلمات ضبطًا تامًّا على الرغم من خلو المخطوطات المعتمدة من هذا الضبط، بل وأحيانا تكون الحروف المعجمة مهملة من النقط، مما يجعل مهمة التحقيق شبه مستحيلة، لكن العزيمة الصادقة ومعرفة الشعر الأكبري ومذهب صاحبه الوجودي قد كانت خير عُدّة للمحقق في تذليل الصِّعاب. ولم يبق مخطوط من مخطوطات ديوان الشيخ لم يسع في تحصيله ودراسته ومقابلته. بل حتى نسخة ديوان المعارف الإلهية المحفوظة في المكتبة الوطنية في باريس التي وصلت في حالة جد رديئة قد تمكّن من دراسة أشعارها وتحقيقها وفَكِّ عجمتها واستغلاقها بفضل المقابلات، وأصبحت أشعارها معروفة لنا.

ولم يكتف المحقق بإخراج النصوص الشعرية وضبطها، بل درس كثيرًا من تلك الأشعار وعلق عليها وأوضح سياقاتها المختلفة. ويكفي أن نشير في هذا المقام إلى ضخامة عدد هوامش المجلدات الأربعة من هذا الديوان الكبير المحقق التي بلغت في المجموع 3420 هامشًا، كل واحد منها استوجب بحثًا معمَّقًا ومُضْنِيًا، وتنقيبًا مستقصيًا من حيث غزارة المعلومات الأدبية والإفادات التاريخية والحضارية، وكثرة الإحالات على المخطوطات وكتب الشيخ، وربط الشعر بسياقاته المختلفة، وتوضيح مبهمات النص وألغازه، وإضاءة مذهب المؤلف…

إن أحد المكاسب الرئيسة لهذا العمل العلمي تتمثل في كون قارئ أشعار هذا الديوان الكبير المحقق يقرأ في نفس الوقت التراث النثري للمؤلف، ولا سيما من خلال الموسوعة العرفانية «الفتوحات المكية»، فهناك إضاءة مطردة ومتواصلة بين أشعار الديوان الكبير وهذه الموسوعة، بحيث إن قراءة الديوان تتم على ضوء مباحث وقضايا كتاب الفتوحات، والعكس صحيح. وهذا عمل جليل غير مسبوق، يدل على نسقية قرآنية خاصة بمكتوبات الشيخ الأكبر في تكامل شقيها الشعري والنثري، رغم أن كتابة الشيخ ليست كتابة نسقية بالمعنى الفلسفي المعتاد؛ وإنما يقصد الدكتور ابن عرفة بالنسقية محاكاتها للنظم القرآني في استيعاب المراتب الوجودية والربط بينها بروابط في غاية الدقة والخفاء، وإنزالها في مراتبها ضمن البناء العام للتراث الأكبري.

كما كشف العالم الأكبري الدكتور ابن عرفة في هذا التحقيق لأول مرة عن أحد أهم أسرار ترتيب أشعار الشيخ في الديوان الكبير مما لم ينبه عليه أحد من قبل، حيث يوضح لنا المحقق أن ترتيب القصائد جاء موافقًا لترتيبها في كتاب «الإسرا إلى المقام الأسرى» لابن العربي الذي هو من الكتب التي ألفها الشيخ الأكبر في شبابه في مدينة فاس في المغرب عام أربعة وتسعين وخمس مئة (594 ه)، وعمره وقتئذ أربعة وثلاثون عامًا. وفي هذه السنة تحقق الشيخ في فاس بأعلى مقامات الولاية، وهو مقام الختمية المحمدية. إن كتاب «الإسرا إلى المقام الأسرى» يصور لنا المعراج الروحي لابن العربي. وهذا مؤشر حاسم وحاكم في فهم ترتيب أشعار الديوان الكبير، فمن غير شك أن المنطق الداخلي الذي يحكم هذا الترتيب قد روعي فيه أصالة هذه اللحظة المؤسسة في حياة الشيخ الأكبر ومعراجه الروحي حينما تحقق بمقام الختمية المحمدية.

يقول الدكتور ابن عرفة: «إن إخراج التراث الأكبري الباذخ محققًا في شقيه النثري والشعري لأول مرة يدل دلالة واضحة على انعطافة جديدة في مسيرة الإنسانية نحو جماليات المشروع العرفاني بكل عمق واستيعاب. وإننا نعتبر أن «مشروع الرواية العرفانية «كان مساهمة منا في وضع لبنات هذه الجمالية العرفانية انطلاقًا من فواتح السور النورانية في عوالم الأدب العرفاني».

ثم يضيف في ختام تقديمه للجزء الأول قائلا بعبارات نستشعر منها حجم المجهود العلمي العملاق الذي قام به هذا العالم المحقق الفذ في تواضع وتجرد وإيثار:

«بعد أن وضعنا بين يدي القراء هذه الكنوز الأدبية والمعرفية النفيسة، فإننا نهيب بالباحثين أن ينكبَّوا على دراستها والاستفادة منها بعد أن عبَّدنا لهم الطريق، ويسَّرنا لهم المهمة، وأوضحنا الـمُعَمَّيات، وقرَّبنا الشَّوارد القَصِيّات في هذا التحقيق العلمي، الذي لم تنهض بإنجازه المؤسسات الجامعية والمراكز البحثية، بما لها من إمكانات مادية وبشرية، وبما تحتِّمه عليها رسالتها العلمية؛ ولم يكن لنا من عُدَّة في ذلك سوى إيمان صادق، وهمّة في طلب العلم عالية، ونسبة روحية شريفة».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق