سياسة

المليشيات الإيرانية شرقي سورية … ورقة ضغط بإمكانات محدودة

عدنان أحمد

تشير المناوشات التي جرت خلال الأيام الأخيرة في شرق سورية بين قوات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وأساسها القوات الأميركية، وبين المليشيات المدعومة من إيران، إلى أن طهران تعوّل في أي مواجهة لها مع الولايات المتحدة، على هذه المليشيات، والتي تشكل أيضاً ذراعها المتقدم لمدّ النفوذ في المنطقة، وتأمين الطريق البرّي بين إيران والبحر الأبيض المتوسط.

وأشارت المتحدثة باسم البيت الأبيض، جين ساكي، أخيراً، إلى أن ازدياد هجمات المليشيات الإيرانية ضد قوات التحالف الدولي، قد يكون مرتبطاً بالمفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني الجارية في فيينا، ما يعني أن شرقي سورية، بات أيضاً ساحة لتبادل الرسائل بين الأطراف المتفاوضة حول النووي الإيراني.

والواقع أن إيران حرصت منذ الأشهر الأولى للثورة في سورية ضد نظام بشار الأسد في عام 2011، على الحضور ومشاركة النظام في كل تفاصيل التصدي لهذا الحراك. وأرسلت إيران مستشاريها ومليشياتها تباعاً إلى سورية، خصوصاً في العام التالي لانطلاق الثورة، مع توسع المعارك بين قوات النظام والمعارضة.

وتنتشر غالبية المليشيات المدعومة من إيران في سورية، سواء أكانت سورية أم لبنانية أم عراقية وأفغانية وباكستانية، في كل من محيط العاصمة دمشق والجنوب السوري وأرياف حلب وحماة وحمص. لكن كثافتها تبرز خصوصاً في شرق سورية، وتحديداً في محافظة دير الزور التي تربط سورية مع العراق، وتبلغ مساحتها نحو 23 ألف كيلومتر مربع.

دير الزور مركز المليشيات المدعومة من إيران

تقع محافظة دير الزور، في شرق سورية على الحدود العراقية السورية، وتمتد جغرافياً من الغرب إلى الشرق، على خط بطول نحو 200 كيلومتر، ويقسمه نهر الفرات إلى قسمين: الأول يسمى «شامية»، وهي المنطقة التي تقع غرب النهر، وتضم أهم مدن المحافظة، وهي دير الزور المدينة والميادين والبوكمال، وموحسن والعشارة والقورية وصبيخان، وتحتوي على عدد من حقول النفط، مثل حقلي التيم والورد، وتسيطر عليها قوات النظام وروسيا والمليشيات الإيرانية.

أما القسم الثاني، فيسمى «الجزيرة»، ويقع شرق نهر الفرات، من حدود محافظة الرقة حتى الحدود العراقية السورية، وتسيطر عليه «قوات سورية الديمقراطية» (قسد).

ويضم هذا القسم عدداً من المناطق والمدن المهمة، كقرى خط ريف دير الزور الغربي التي تتصل بمحافظة الرقة، وقرى ريف دير الزور الشمالي والشمالي الغربي التي تتصل بمنطقة الشدادي، إحدى أبرز قواعد التحالف الدولي في المنطقة، وكذلك مدن البصيرة والشحيل ومنطقة الشعيطات وهجين، وصولاً إلى الباغوز على الحدود العراقية السورية.

وتحتوي منطقة «الجزيرة» على عدد كبير من حقول النفط، تتخذها قوات التحالف كقواعد إدارية وعسكرية لها، وأبرزها حقل غاز كونيكو وحقول الملح والتنك، والعمر الذي يعدّ قاعدة التحالف الدولي الرئيسية في دير الزور.

كذلك تسيطر قوات النظام مدعومة بالقوات الروسية، على 6 قرى شمال نهر الفرات هي: حطلة، الحسينية، مراط، طابية جزيرة، مظلوم، وتعتبر رأس حربة لأي محاولة تقدم مستقبلية للسيطرة على المنطقة، سواء من قبل الروس أو النظام والإيرانيين.

كما تشير خريطة النفوذ والسيطرة، الى أن القوات الروسية تتمركز في مطار دير الزور العسكري الذي يقع شرق مدينة دير الزور. كما تتمركز في المربع الأمني بحيّ الجورة، والذي يضمّ مبنى المحافظة والقيادات العسكرية والأمنية التابعة للنظام السوري، ومنازل القادة الأمنيين والروس، وقيادة الدفاع الوطني التابع للنظام. كما تسيطر على المركز الثقافي الإيراني الذي يقود عملية التشييع في المنطقة، ويدير عدداً من المراكز الثقافية.

وبالنسبة للمليشيات الإيرانية، تُعتبر مدينة الميادين، أبرز مناطق انتشارها، وتضم قيادات إيرانية من الحرس الثوري وفرعاً للدفاع الوطني ومفارز من الأمن التابعة لنظام الأسد، وعدداً محدوداً من القوات الروسية، إضافة إلى مركز ثقافي إيراني.

أما مدينة البوكمال، فهي الأخرى قاعدة للمليشيات الإيرانية، لكن مع مزاحمة روسية ملحوظة، حيث تشير المعطيات إلى أن القوات الروسية سيطرت في الآونة الأخيرة على معبر البوكمال الحدودي مع العراق.

غير أن المليشيات الإيرانية أقامت بالقرب من المدينة قاعدة «الإمام علي» العسكرية، والتي تنتشر المليشيات في محيطها باتجاه البادية السورية، حيث تتعرض بشكل مستمر لهجمات خلايا تنظيم «داعش» المنتشرة في البادية.

وعلى مسافة أبعد في عمق البادية، على الحدود الأردنية، توجد قاعدة التنف العسكرية الواقعة تحت سيطرة القوات الأميركية، وفيها جيش «مغاوير الثورة» المدعوم من التحالف الدولي، والذي تنحصر مهمته في قتال «داعش»، وحماية مناطق نفوذه من هجمات نظام الأسد.

المواجهة بين المليشيات الإيرانية والقوات الأميركية

تقع الصدامات بين المليشيات المدعومة من إيران وقوات التحالف الدولي في إطار سعي النظام السوري، مدعوماً من إيران وروسيا، لتوسيع مناطق نفوذه في شرق الفرات عبر التحرش بالقوات الأميركية لإجبارها على الانسحاب من المنطقة الغنية بالنفط، أو كامتداد للمواجهة بين إيران والولايات المتحدة في إطار الملف النووي، أو الصراعات الإقليمية.

من جهتهم، يعمل الأميركيون على إحباط المشروع الإيراني القائم على التمدد، ومدّ خط بري عبر البادية السورية وصولاً إلى دمشق. ولدى قوات التحالف نقطة ارتكاز مهمة في عمق البادية السورية، تتمثل في قاعدة التنف، ونقطة متقدمة في منطقة الزكف، تعتبر نقطة مراقبة لأي تحرك إيراني في المنطقة.

ويتولى سلاح الجو الأميركي، وكذلك الإسرائيلي بالتنسيق مع الولايات المتحدة، توجيه ضربات جوية لمنع المليشيات الإيرانية من الاستقرار في المنطقة وبناء قواعد ثابتة، إضافة الى مراقبة عمليات نقل الأسلحة والذخائر عبر الأراضي السورية، إلى عناصر المليشيات، أو إلى «حزب الله» اللبناني.

أهم المليشيات المدعومة إيرانياً

أعلن القائد العام السابق لقوات الحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جعفري، في تصريح له في أكتوبر/تشرين الأول 2015، أن هناك نحو مائة ألف ممن سمّاها «القوات الشعبية» في سورية والتي «تم إعدادها لمواجهة الاضطرابات».

وتقسم هذه المليشيات، بحسب منشأ عناصرها، إلى أربع فرق هي: العراقية، اللبنانية، المليشيات الأجنبية (الإيرانية والأفغانية وغيرهما)، والمليشيات المحلية (السورية).

وبالاستناد إلى تقرير نشره موقع «إيران واير» (في مايو/أيار 2020) بعنوان «خريطة انتشار المليشيات الإيرانية في سورية والعراق»، ودراسة أعدتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن أبرز هذه المليشيات المنتشرة في شرق سورية، هي: مليشيا «كتائب الإمام علي» التابعة للحشد الشعبي في العراق، وتضم نحو ألف مسلح ينتشرون في البادية الشامية، ومليشيا «النجباء»، وهي ثاني أقوى مليشيا عراقية موجودة في سورية، وتحظى باهتمام ورعاية ودعم الحرس الثوري الإيراني.

ويصل عدد أفراد مليشيا «النجباء» إلى نحو 10 آلاف مسلح. ثم تأتي كتائب «سيّد الشهداء» و»حركة الأبدال»، ويتراوح عدد مسلحي كل منها بين 1500 و1700 عنصر ينشطون بشكل خاص في البادية.

وتأتي بعد ذلك مليشيا «أبو الفضل العباس» بقيادة عدنان عباس السعود، والتي تتلقى أوامرها العسكرية والإدارية من منطقة السيدة زينب قرب دمشق.

وتعد هذه المليشيا من أكبر الفصائل العسكرية الطائفية في المنطقة، إذ يبلغ تعداد عناصرها نحو 4 آلاف عنصر، منهم يحملون الجنسية السورية، وآخرون أجانب من جنسيات أفغانية وإيرانية، يشرفون على مخازن أسلحة ومعتقلات في قلعة الرحبة الأثرية، جنوبي مدينة الميادين، شرقي دير الزور.

وينتشر أفراد المليشيا في نقاط كثيرة، مثل محيط قلعة الرحبة الأثرية، وفي معالف مدينة الميادين بالقرب من مدفعية قوات النظام جنوب مدينة الميادين، وفي بادية مدينة القورية شرق دير الزور.

كما تتواجد قيادات من «الحرس الثوري الإيراني» في محافظة دير الزور، حيث تدير المليشيات المحلية (تٌعرف باسم مليشيات الحرس الثوري) إدارياً وعسكرياً ومالياً. ويتولى المدعو «الحاج مهدي»، وهو قائد عسكري إيراني الجنسية، رئاسة العناصر الخاضعين للحرس الثوري في مدينة دير الزور والمنطقة الشرقية، فيما يتولى قيادة المليشيات في مدينة الميادين وريفها المدعو «الحاج حسين»، وفي البوكمال وما حولها «الحاج عسكر».

ويبلغ تعداد العناصر الذين يقودهم الحرس الثوري الإيراني في دير الزور، حوالى 12 ألف عنصر يتوزعون على عموم مناطق سيطرة قوات النظام في دير الزور. ويتركز ثقلهم في مدينة الميادين شرقي المحافظة، حيث ينتشر نحو 3 آلاف عنصر في المدينة وباديتها.

المواجهة الخاسرة

يرى الباحث السوري محمد الخلف، في حديث مع «العربي الجديد»، أن إيران تنتهج سياسة تفريخ عدد كبير من المليشيات، بالاعتماد خصوصاً على العناصر المحلية، والتي يكون مرجعيتها جميعاً، تمويلاً وإشرافاً وتدريباً، الحرس الثوري الإيراني.

ويوضح الخلف أن الحرس الثوري الإيراني لم ينجح حتى الآن في إقامة تشكيلات عسكرية قوية بعيداً عن الوعاء الطائفي (الشيعي)، لأن ولاء المليشيات الأخرى المدعومة من قبله غير ثابت. ويلفت الخلف إلى أن هذه المليشيات، على كثرتها، ليست عنصراً فاعلاً في المنطقة من الناحية العسكرية، لأنها مكشوفة ومن غير غطاء جوي، حيث تمتنع روسيا عن حمايتها إزاء الهجمات الأميركية والإسرائيلية، بينما يمتنع سلاح الجو التابع للنظام من التحليق في سماء المنطقة.

كما أن تسليح هذه المليشيات، بحسب الباحث السوري، خفيف ومتوسط، وهي «لن تستطيع الصمود أمام أي قوى محلية يمكن أن تواجهها، بما في ذلك قوات «قسد» وفصائل المعارضة، ناهيك عن القوات الأميركية المتفوقة عليها قطعاً بكل المقاييس وتستطيع إبادتها بسهولة في حال تطورت المواجهات بينهما»، على حدّ تعبيره.

وبرأيه فإن «وظيفة المليشيات الإيرانية سياسية ودعائية، وليس لها أي دور عسكري حقيقي في المنطقة». ويشير إلى أن دورها الأهم «تبشيري وثقافي في إطار مساعي إيران للسيطرة على المجتمعات المحلية في سورية، عبر التشيع أو استغلال الاحتياجات الإنسانية لتكريس النفوذ في تلك المناطق المهمة اقتصادياً واستراتيجياً».

من جهته، يرى القيادي في المعارضة السورية العميد فاتح حسون، أن «اهتمام إيران بدير الزور لم يأت من فراغ. فقد أثبتت لاحقاً أنّ أطماعها تتجاوز الموقع الجغرافي المتميز، والذي يعتبر صلة وصل بين بلاد الشام وبلاد الرافدين، إلى الأطماع الاقتصادية المتمثلة بالثروات الباطنية التي تمتلكها دير الزور، والأهمية السياسية».

ويشير حسون إلى أن «غالبية المليشيات الإيرانية الناشطة في دير الزور، هي أدوات، أو فروع إذا صح القول، للحرس الثوري الإيراني، ومن خلالها تمكنت إيران من مزاحمة القوات الروسية في دير الزور، وفرض سطوتها ويدها على مساحات شاسعة من الريف الجنوبي لدير الزور».

وبرأيه فإنّ من أهم المليشيات المنتشرة في المنطقة الشرقية مليشيا (الحرس الثوري الإيراني) في إشارة إلى العناصر الذين يقودهم قادة من «الحرس» مباشرة.

ويلفت إلى أن تعداد المقاتلين في دير الزور 12000 عنصر، وتختلف مهامهم حيث يقسمون لمشاة يشغلون النقاط الموجودة في بادية دير الزور، ومهمتهم حراسة المقرات والمستودعات التابعة للمليشيا، وعناصر تنظيم وعناصر استخبارات غير معروفين.

ويُضاف إليهم عناصر يتبعون للمركز الثقافي الإيراني. وهناك مليشيات محلية أخرى مثل (حرس القرى) التابعة للحرس الثوري، وتنتشر في نقاط قرب بلدة البوليل وحتى مدينة صبيخان، ومهمتها الرئيسية هي مراقبة الشريط النهري في المنطقة المقابلة لمناطق سيطرة قوات «قسد».

ويوضح حسون في حديثه لـ»العربي الجديد» أنه «يُضاف إلى هؤلاء أيضاً مليشيا أبو الفضل العباس وفيلق أسود العشائر، واللواء 47 الذي ينتشر داخل مدينة البوكمال، وله نقاط حراسة في بادية البوكمال، ومليشيا لواء الحسين في بلدة عياش غرب دير الزور، وغيرها».

(نقلا عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق