خارج الحدود

خارج الحدود

التّعاون وضبط النفس من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة جديدة ...

مايكل برزوسكا

تقديم وترجمة: فادية فضة وحامد فضل الله

مَدخل:

منذُ النهاية المُشينة للمهمّة في أفغانستان، أصبحَ واضحاً، بأنّ السياسة الأمنيّة للغرب تمرّ بأزمةٍ عميقةٍ.

نُقدّم هنا مقالةً استشرافيّة تتعلّق بالسياسة الأمنية المستقبلية لألمانيا وللغرب عموماً. إننّا أمام عرض للتحديات الحاضرة وآفاق التغيّرات المستقبليّة والتي كما يرى الكاتب ستتخطّى عالم القطب الواحد، فهو يرى صعود الصين في النظام العالميّ واضمحلال مستقبليّ لدور الولايات المتحدة.

ويسعى من خلال هذا النصّ إلى إبراز الأولويات التي على ألمانيا العمل عليها مستقبلأ، بعيداً عن سياسة اعتماد القوّة ومضاعفة التسلّح. كما يدعو إلى سيادة التواضع وضبطِ النفس والاعتراف بالقوى العالميّة الصاعدة وتطوير مسعى العمل المشترك، حتّى مع الدول غير الليبرالية.

والكاتب باحث ألماني في مجال السلام والصراع. وهو أستاذ في جامعة هامبورغ، ومدير معهد أبحاث السلام وسياسة الأمن هناك.

إلى النصّ

تمرّ السياسة الأمنية للغرب بأزمةٍ عميقة: وقد ظهر هذا بشكلٍ مثيرٍ للاِعجاب في أفغانستان، حيث تمكن أحد الفاعلين المسلحين المحليين في إنهاك القوات الغربية في حرب استمرت لعقود. في الوقت الذي يتمّ فيه التشكيك بشكلٍ متزايدٍ في الهيمنة العالمية للولايات المتحدة الأمريكية، تكتسب الصين القوّة والتأثير على الصعيدين الإقليمي والعالمي. تقوم في الوقت نفسه، العديد من الدول بتسليح نفسها، لكن نادراً ما يتمّ مراقبة الحدّ من التسلح. نتيجة لذلك، أصبح انعدام السلام في العالم ككل، آخذاً في الازدياد. إلى جانب ذلك، أصبحت المشاكل العالمية، مثل تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي والأوبئة، ذات أهمية متزايدة.

ما هي آثار هذه التطورات على السياسة الأمنيّة الألمانيّة الملتزمة بهدف “خدمة السلام في العالم” المنصوص عليه في القانون الأساسي؟ وكيف يمكن توجيه ذلك نحو المستقبل؟

يتنوع نطاق الإجابات المُحتملة على هذه الأسئلة. تتمثّل إحدى الطرق ليس في الخضوع للتهديدات الحالية للسلام فحسب، بل للمشاكل الوجودية طويلة المدى أيضاً. الاحتمال الآخر هو أن تصبح قوياً بما يكفي لفرض تصوراتك الخاصّة حول كيفية إنشاء نظامٍ دولي – حتّى ضدّ إرادة الجهات الفاعلة الأخرى. وهذا يعني على وجه التحديد، الغرب – بما في ذلك ألمانيا، تحت قيادة الولايات المتحدة – الدفاع عن سيادته بكلّ الوسائل وبشكلٍ أساسي لوقف صعود الصين.

ترى وزيرة الخارجية الفيدرالية الجديدة، أنالينا بربوك (Annalena Baerbock) أنّ هذا شرطٌ أساسي أيضاً، لـ “التفاعل بين الحوار والصلابة”. ومع ذلك، كلا البديلين غير مناسبين، سوف تكتسح المشكلات، عاجلاً أم آجلاً، الفاعلين غير النشطاء، أو يتعيّن عليهم التكيف مع ما يحدده الآخرون. ويمكن العثور على أمثلة عديدة لعواقب مثل هذا السلوك، في الثلاثينيات، عندما قللت الدول المجاورة والولايات المتحدة لفترة طويلة من عدوانية الفاشية الألمانية.

لكن السعي من أجل استمرار الهيمنة الغربية يمثل الغيّ أيضاً. فقد شهدنا في الماضي القريب شيئاً فشيئاً، فشل هذه الاستراتيجية. لقد استُخدمت “لحظة أحادية القطب” بعد الانتصار غير القتالي لنموذج الرأسمالية الليبرالية الأمريكية على اشتراكية الدولة تحت السيطرة البلشفية، لشنّ الحروب، حتى لو انتهكت القانون الدولي المتفق عليه – كما هو الحال في كوسوفو والعراق وليبيا. وفكرة “نهاية التاريخ”، والتي بموجبها يقتنع الجميع في النهاية أنّه لا بديل عن النموذج الغربيّ، كما لم تكن النهاية المخزِية للمشاركة العسكرية الغربية في أفغانستان هي فقط، التي تبين أنّه استنتاج خاطِئ قاتل، مناهض للسلام. كما إن التمسك بفكرة أن الولايات المتحدة يجب أن تظل القوة العالمية الرائدة إلى الأبد يجعل الانتقال السلمي إلى عالم لا تشكّل فيه الدول الأخرى عدداً كبيراً من السكان فحسب، بل تحولها إلى قوّة اقتصادية أيضاً، وتطالب بدور مناسب في تشكيل النظام العالمي.

يجب على السياسة الأمنية الألمانية، أن تجد موقعاً جديداً بين هذين البديلين المتطرفين. تظل ّالعلاقة مع الدول ذات التوجه بالقيم الليبرالية مهمّة، ومن منظور المكوّن العسكري أيضاً.

إن الحفاظ، على حلف الناتو كتحالفٍ عسكريّ، في ضوء السياسة الروسيّة الحاليّة، هو في مصلحة ألمانيا، حيث البديل الأوروبيّ ليس في الأفق. وكما يجب في نفس الوقت، أن يكون هناك استعداد للعمل مع حكومات غير ديمقراطية أو غير ليبرالية أيضاً. حيث لا يمكن تطبيق القواعد المتفق عليها، في ظلّ نظام عالميّ من دون هيمنة، إلاّ بشكلٍ تعاونيّ. ينطبق نفس الأمر على التعامل مع المشاكل العالمية في المستقبل.

لا ينبغي أن تصبح السياسة الأمنيّة عائقاً من خلاله تتفاقم المواجهات، بل الأرجح – من خلال الحدّ من التسلّح، – تعزيز العمل الجماعي. كما يجبُ أن تكون هناك المزيد من الخطوط المُوجِهة للسياسة الأمنيّة المستقبليّة، هي التواضع وضبط النفس. وحتى في سنوات الهيمنة الأمريكية، كانت الأهداف التي يمكن تحقيقها بأدواتٍ أمنية سواء عن طريق الجيش أو عن طريق دبلوماسية الأزمات، محدودة. وهذا يصدق بشكلٍ أكبر على الفترة بعد نهاية القطبيّة الأحاديّة.

ضرورة اتجاه جديد للسياسة الأمنية الألمانية.

هيمن، في خطاب السياسة الأمنيّة الألمانيّة خلال العقود الثلاثة الماضيّة، تصور التفوق الأيديولوجي للنموذج الغربي، مع الولايات المتحدة الأمريكية، وكوصيّة عليه. كان السياسيون الألمان لتأمين ذلك، على استعداد بشكلٍ متزايدٍ لتحمل “المسؤولية”، ليس أقلها في بعثات الجيش الألماني في الخارج، في أفغانستان والعراق ومالي. كما أيدت في الوقت نفسه، المحاولة، بقيادة فرنسا بشكلٍ أساسي، لبناء بُعد للسياسة الأمنية الأوروبية داخل الاتحاد الأوروبيّ بالإضافة إلى الناتو بقيادة الولايات المتحدة، على سبيل المثال، من خلال الاتفاق على واجب المساعدة في حالة وقوع هجومٍ مسلّح على أراضي دولة عضوة، (المادة 42 (7)) من معاهدة الاتحاد الأوروبي، أو إنشاء قدرات تخطيط عسكرية مستقلة. كما حاولت في الوقت نفسه، مخاطبة روسيا، لاتباع سياسة أكثر تصالحية من الولايات المتحدة. ولقد حدث كلاهما، دون التشكيك في القوّة الرائدة للولايات المتحدة، فيما يتعلّق بالأمن المشدد. ومع ذلك، بات اتجاه هذا التخطيط التقريبي للسياسة الأمنية الألمانية، موضع تساؤل من خلال الاتجاهات والميول في السياسة الأمريكية نفسها. أصبح هذا واضحاً بشكلٍ خاصٍ خلال رئاسة دونالد ترامب، لكّنّه لم يتغيّر بشكلٍ جذريّ، عندما تولّى جو بايدن منصبه. ويوضح بايدن أيضاً بأنّ منطقة المحيط الهادئ لها الأولوية للولايات المتحدة فيما يتعلق بالسياسة الأمنية. وتربط إدارته حتى أكثر من ترامب، بنهج المواجهة مع الصين. على عكس سلفه، يؤكد الرئيس الحالي أنّ الناتو مهمّ بالنسبة له. لكن هذا لا يغيّر حقيقة أنّ احتواء الصين له أولوية أعلى بالنسبة له. ما يمكن أن يعنيه هذا الإعداد للأولويات بعبارات ملموسة، وهو ما أصبح واضحًا مع اتفاقية “Aukus” الأمنية التي أبرمتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى وأستراليا وما يرتبط بها من فكّ الارتباط الدبلوماسي والاقتصادي لفرنسا.

يتطلب التوجيه المستمر للولايات المتحدة بحدّ ذاته، إعادة تعديل السياسة الأمنيّة الألمانيّة الحاليّة. إنّ تكثيف المواجهة مع الصين، ليس في المصلحة الألمانية، ليس بسبب الجوانب الاقتصادية فحسب، بل بسبب المخاطر التي تكمن في تغيير بنية القوى العالميّة أيضاً. يؤدي المزيد من التدهور في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، إلى إضعاف العناصر (التي لا تزال) تعمل على قاعدة النظام العالمي، ويُصعب العمل المشترك بشأن المشكلات العالمية، كما أنّه ينطوي على مخاطر نشوب صراع عسكري مدمّر. يتطلب الترتيب المقبول لكلّ من الغرب والصين تنازلات، من قبل القيادة الصينية ومن الامريكية أيضاَ.

من وجهة النظر الغربية، فإنّ المسائل المتعلقة بقبول القواعد المتّفق عليها عالمياً، بشأن حقوق الإنسان وحماية الأقليات، وكذلك التخلّي عن العدوان العسكريّ في منطقة الجوار، هي مسائل ذات أهمية قصوى؛ ومن الجانب الصيني، من المهم الاعتراف بها كشريكٍ مساوٍ للغرب في السياسة العالمية وأن تتوقّف الولايات المتحدة عن الاستعراضات الاستفزازية لقوتها العسكرية في المنطقة. لذلك يجبُ أن تمثل السياسة الأمنيّة الألمانيّة الموجهة نحو المستقبل قيمها الخاصّة، ولكن في نفس الوقت في مواجهة استراتيجية التصعيد الأمريكية تجاه الصين. هنا يجب أن ترفض ألمانيا، لا سيما عندما يتعلّق الأمر بمسألة ما إذا كان الناتو سينحاز استراتيجياً ضدّ الصين في المستقبل.

إنّ الرغبة في العمل المُشترك وتحقيق التوازن بين المصالح، هي مكونات أساسية لعلاقة مستدامة مع روسيا أيضاً. وهذا لا يمكن أن يعني التخلّي على المقدرة في الدفاع عن أراضي الدول الحليفة. لكن يجب أن يظل البعد العسكري للسياسة الأمنيّة خاضعاً للبعد السياسي، ويجب أن يهدف الأخير إلى التعاون بدلاً من المواجهة. كما لا يمثل تصعيد عسكري آخر، استراتيجية موجهة نحو المستقبل. لقد أصبح تهديد الغرب لروسيا، هو الرواية المركزية للرئيس بوتين. مثل هذا التطور يجعل من الصعب البحث عن امكانيات تحقيق التوازن والتعاون مع روسيا. على الرغم من صعوبة مثل هذه المحاولات ــ لأسباب ليس أقلها السياسة الروسية في أوكرانيا، وفي السياسة الداخلية وأماكن أخرى ــ فهي حتمية للأمن في أوروبا.

مستقبل السياسة الأمنية الأوروبية

ويجب أن تتفاعل السياسة الأمنيّة الألمانيّة أيضاً، بطريقة تطلعية تجاه رحيل الولايات المتحدة الجزئي عن الناتو، والذي يمكن أن يتحوّل إلى خطوة نهائية، إذ ما تولى ترامب رئاسة جديدة. يتزايد في أوروبا الوسطى والشرقية على وجه الخصوص، الخوف من السياسة الروسية العدوانية. في الوقت نفسه، يثير هذا توقعات قيام الاتحاد الأوروبي ببناء قوته العسكرية، وعلى وجه الخصوص، أن تقدم ألمانيا مساهمة عسكرية أكبر.

لقد تمّ قبول الشكوك حول موثوقية الولايات المتحدة الأمريكية على المدى الطويل بامتنان، لا سيما في فرنسا. يتصور الرئيس إيمانويل ماكرون وفقًا لإحساس العديد من أسلافه في المنصب، أوروبا القوية عسكرياً، تسعى إلى التضامن مع الولايات المتحدة، ولكنّها في الوقت نفسه قادرة على التصرف بشكل مستقل بشأن القضايا الأمنية المهمة. نتيجة لصدمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حظي المشروع بموافقة واسعة في الاتحاد الأوروبي أيضاً، لأنّه كمشروع مشترك، يمكنه مواجهة قوى الطرد المركزيّ في مجالات السياسة الأخرى، مثل سياسة الهجرة أو سيادة القانون.

ومع ذلك، فإن فكرة وجود أوروبا قويّة عسكرياً ومستقلة استراتيجياً وعلى قدم المساواة مع الولايات المتحدة والصين هي مجرّد وهم – حالياً وكذلك في المستقبل المنظور. سيكون المطلب الأساسي لذلك هو مركز لصنع القرار المُشترك الذي يتعين على الدول القومية الخضوع له. وتعد فرنسا من أكبر معارضي خضوع الدول القومية بالرغم من أنها الداعم الأكثر حزماً لقوة عالمية في أوروبا أيضاً. إنّ حلّ هذا التناقض يكمن في النهاية من خلال حقيقة أنّ الدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد الأوروبيّ تنضم إلى الأهداف الفرنسية لسياسة سلام وأمن مشتركة بين الاتحاد الأوروبي وأوروبا، وتحت قيادة فرنسا، بحكم إنها العضو الوحيد المتبقي في الاتحاد الأوروبي الذي يتمتع بالحقّ في الفيتو في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وبذلك السعي للحصول على دور مستقلٍ إلى حدّ كبيرٍ في السياسة العالمية.

لكن هذا غير مقبول بالنسبة للدول الأعضاء الأخرى، من ناحية، بسبب طموحات فرنسا ما بعد الاستعمار في دول شمال ووسط إفريقيا، والتي أدّت مراراً وتكراراً إلى تدخلات عسكرية تزيد من زعزعة استقرار الدول هناك، ومن ناحية أخرى بسبب القلق الذي ينمو بشكلٍ رئيسيّ في شرق وشمال أوروبا وخشيتهم من فقدان علاقاتهم تماماً مع الولايات المتحدة.

وفيما يتعلّق بالعمليات العسكرية، فهي لا تزال بعيدة المنال، في أوروبا الموحّدة. يتضح هذا، على سبيل المثال، من خلال الصعوبات التي تواجهها حتى الوحدات العسكرية الأصغر في تنظيم نفسها في إطار الاتحاد الأوروبي. والمجموعات القتالية للاتحاد الأوروبي التي شكلها المجلس الأوروبي في عام 2004 لم يتمّ استخدامها مطلقاً. كما أثبتت قوّة ردّ الفعل السريع التابعة للاتحاد الأوروبي، التي تأسست عام 1999، أنها غير فعالة، مما أدّى إلى حلها في عام 2012.

في ضوء هذه التجارب، من المشكوك فيه أنّ تكون قوّة الرّد السريع المُخطط لها بعد كارثة الانسحاب من أفغانستان، قصة نجاح.

يجب أن تهدف السياسة الأمنية الألمانية الموجهة نحو المستقبل إلى التحسين التدريجي لمتطلبات العمل الأوروبيّ المشترك، بما في ذلك في المجال العسكري. ولكن في الوقت نفسه، يجب أن تتخلى عن فكرة، أنّ الاتحاد الأوروبي يمكنه، أو ينبغي عليه أن يلعب دوراً في القوّة العالمية. في ضوء التصورات المختلفة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، فإنّ هذا ببساطةٍ غير ممكن. ومع ذلك، فإنّ هذا المفهوم لا معنى له أيضاً، فهذا قد تخطّاه الزمن.

تعزيز السلام والأمن في العالم

لذلك، يجب أولاً، إدراك أن السياسة الأمنية الفاعلة مستقبلاً، وقبل كلّ شيء الجيش أهمّ الوسائل الكلاسيكية للسياسة الأمنية – مناسبة بشكلٍ مشروطٍ لتعزيز السلام والأمن في العالم فقط. وهذا لا يعني من الآن فصاعداً، تجاهل التهديدات الكلاسيكية من الدول العدوانيّة والجماعات المسلحة، وفي الوقت نفسه، يجب أن تدرك السياسة الأمنية الفاعلة مستقبلاً، أن أمن الناس والدول في القرن الحادي والعشرين، مُهدّد بشكلٍ متزايد بالمخاطر التي أصبح الجيش لا يشكّل إلى حدّ كبيرٍ، أهمية لها. طالما كان أمن الروح والجسد، وعلى هذا النحو البقاء، مهدداً للناس في العديد من مناطق العالم، وفي المقام الأول من خلال الفقر والعديد من الكوارث الأخرى.

يؤدي تغير المناخ ووباء كورونا حالياً إلى تفاقم مشاكلهم ويهددان بتعريض الناس في مناطق أخرى للخطر. وهذا يُهدد بشكل متزايد استقرار الدول وفي الحالات القصوى- كما في حالة الدول الجزرية الصغيرة – حتى وجودها ذاته. لا الفقر ولا الأزمات الاقتصاديّة ولا تغير المناخ يمكن مكافحتها بالعنف المسلح.

لذلك ينبغي أن يكون الهدف من السياسة الأمنية الموجهة نحو المستقبل، هو المساهمة في التغلب على المشاكل العالمية للقرن الحادي والعشرين من خلال تعزيز العمل المشترك – أو على الأقل عدم إعاقته، فلا يمكن خلق القواسم المشتركة من خلال التفوق العسكري.

ومع ذلك، فإنّ التعامل بنجاحٍ مع مخاطر تغير المناخ أو الأوبئة أو الفقر العالمي مثلاً يتنافس مع السياسة الأمنيّة الموجهة نحو القوة بطريقتين: من ناحية مالية، فالأموال التي تُنفق على الجيش، لم تعد مُتاحة للتعامل مع المشاكل العالمية، ومن ناحية أخرى، فإنّ العمل الأساسي لهذا النوع من السياسة الأمنية ليس التعاون، بل المواجهة. حتى أثناء الحرب الباردة، كان الإنفاق العسكري العالمي “جنوناً منظماً” في ضوء المشكلات الهائلة التي شهدها العالم في ذلك الوقت. وهو اليوم أعلى بكثير مما كان عليه خلال الحرب الباردة.

المزيد من الجرأة في التعاون المُشترك – وحتى مع الفاعلين الأكثر أثارة للمشاكل.

تتطلّب التحديات العالمية المتزايدة مزيداً من التعاون، وكذلك مع الفاعلين الذين يصعب التعاون معهم. إن حالة حقوق الإنسان كارثيّة في العديد من بلدان العالم. تخضع الصين وروسيا للحكم الاستبدادي بشكلٍ متزايد ويستفزان من خلال أنشطة عدوانيّة المناطق المحيطة بهما. يجب هنا تحقيق التوازن بين النقد المُبرر للظروف والعداوات من جهة، والصراحة والتواضع من جهة أخرى أيضاً. لذلك يجب أن تستند المبادئ الأساسية لعمل السياسة الأمنية إلى الامتثال للقواعد المتفق عليها وكذلك على الاعتراف بالإمكانيات المحدودة فيما يتعلّق بالقدرة الذاتية على ممارسة التأثير باستخدام أدوات السياسة الأمنية. وهذا يعني، مع ذلك، أنّه حيثما يتمّ انتهاك اللوائح المتفق عليها بشأن حماية حقوق الإنسان أو حظر العنف بموجب القانون الدولي، يجب تحديد ذلك بوضوح ويجب معاقبة المسؤولين. ومع ذلك، لا ينبغي أن ينطوي هذا على أمل مفرط في تغييرات السلوك، ولا ينبغي وقف التعاون تماماً. هذا لا يتطلب الاهتمام الكبير بالتعاون فحسب، بل معرفة أنّك لستَ مُحصناً من الانحرافات عن المسلمات الليبرالية أيضاً، على سبيل المثال، في سياسة اللاجئين الأوروبية. كما يوصى بالتواضع وضبط النفس ليس في التعامل مع القوى العظمى فقط، ولكن مع جوانب أخرى، من أجل سياسة أمنية أكثر استدامة أيضاً.

إن فكرة القدرة على استخدام الوسائل العسكرية لإحداث اضطرابات اجتماعية كبيرة في اتجاه الديمقراطية وحقوق الإنسان قد أثبتت ــ ليس في أفغانستان فقط ــ أنها مبالغة جسيمة في تقدير الإمكانات الخاصّة. بدلاً من ذلك، يجب أن يأتي مثل هذا التغيير من المجتمعات المعنية نفسها، إذا كان مطلوباً. ومن ناحية أخرى، إذ تمّ تأمينها أو فرضها بالوسائل العسكرية، فغالباً ما يتبين أنها غير مستدامة وتتداعى مع انسحاب القوات الدخيلة. لذلك لا ينبغي تفويض المهمات العسكرية في الخارج إلاّ إذا كانت أهدافها متواضعة ومُحددة – لا سيما عندما يتعلق الأمر بتأمين وقف إطلاق النار أو اتفاقات السلام المُتفق عليها. السياسة الأمنية التي تم تخطيطها هنا، ليست استراتيجية كبرى. وإنما تتطلب تدبر مستمر، أولاً من حيث المبدأ وكذلك في حالة أزمة معينة. مثل هذا التدبر يصير أسهل إذا لم يتمّ النظر إلى السياسة الأمنية بمعزل عن السياسة التي يغلب عليها الطابع العسكري لاحتواء خطر تصعيد العنف فحسب، بل كعنصر من عناصر الوقاية الشاملة من المخاطر. تتطلّب “خدمة السّلام في العالم” في القرن الحادي والعشرين، شيئين قبل كلّ شيء: الاستعداد للتعاون وضبطِ الذات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

– مايكل برزوسكا (Michael Brzoska) (مواليد 1953 في هايد (هولشتاين)) باحث ألماني في مجال السلام والصراع. هو أستاذ في جامعة هامبورغ ومدير معهد أبحاث السلام وسياسة الأمن هناك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق