سياسة

الواثق كمير ومحاكمة العقل الشمالي في الحركة الشعبية

خالد موسي دفع الله

تمنيت لهنيهة ان يكون القلم قد ودعني و قلاني، لأني اكره ان ارد علي دكتور الواثق كمير، لمقامه عندي من بين مثقفي السودان، لجديته و هو الاكاديمي الحاذق و لميسمه الموضوعي في الجدل و النقاش وهو صاحب تجربة في العمل السياسي و النقابي، و لقدرته علي الخروج من الذات لملاقاة الآخر كما كشف في كتابه عن منصور خالد، و لحسه الانساني الشفيف الذي غمر بلطفه كل من صادقه، كما اجد في مقالاته حظا من الواقعية ، اذ لا يسكب المداد من موقع الواعظ و المرشد بل من مقام المشارك الفاعل دون مزاعم غليظة بإمتلاك الحقيقة المطلقة.

لهذه المزايا ازْوَرَّ قلمي، وهو كفرس المتنبي يؤرق طرسه طول الجمام و هاء السكت عن الصهيل. لكني لما وجدت مفارقته لنهجه الراسخ في الحوار، غلّبت السجال معه لأني حَسُنْ الظن ان الجدل مع د. الواثق يخرج ثمرات عقله لا سخائم نفسه، و تتعدي فائدته شخصي الضعيف لتسبغ غلالة شفيفة علي الوجدان و العقل السوداني. و يتجاوز هذا المقال مجرد الرد علي ما حبره دكتور الواثق تحت عنوان ” غيبوبة العقل السياسي لكن عقل من؟” لكن يسعي لنقل الحوار الي أفق جديد بالمساجلات المفتوحة و الدفع الفكري الخلاق لدكتور الواثق.

اتهمني د. الواثق انني قفزت الي النتائج دون ايراد الحيثيات، مما اسماه ” الكلام الكبار” حسب تعبير الطيَب صالح، لكنه ولغ في ما وعظ به ، و وقع في احبولة اصدار احكام قيمية لا تتناسب مع تكوينه الفكري و الاكاديمي إذ قال في صدر الفقرة الاولي من المقال التي يجب ان تخصص للمقدمات فإذا به يقفز الي النتائج و التعسف في اصدار احكام قيمية اذ قال:

“إذ يبدو جليا بأنه قد وضع خلفيته الحزبية، الإسلامية السياسية ، أمامه على شاشة الكمبيوتر وكأنه يشاهد، وينقُلُ من قناة طيبة الفضائية!”.

وهذه حيلة معروفة في المناظرات القلمية وهي “تنميط الخصم الفكري” ورسم صورة ذهنية سالبة عنه ، و قصد ان يصورني خصما “رجعيا” دون ان يقول ذلك بوضوح ، واذا فككنا الكلمات المفتاحية في جملته نجد ” خلفيته الحزبية الاسلامية، ينقل من قناة طيبة الفضائية”.

و هذا التنميط قصد به ان خصمه الفكري خلو من الحداثة و العقل reasoning و ان مصدر معرفته و سدرة منتهي علمه هي قناة “طيبة الفضائية”. و هي تحمل اتهام مبطن بالدوغما، و ترجيح الغيبيات علي قراءة سنن الواقع.

و هذا منهج شائع في المدرسة السلوكية اذ ان اثر الكلمات يجب ان ينتزع استجابة شرطية، مما يشكل التصور النهائي للتفكير وبناء الصور الذهنية.

و هذا داء مستكن في العقل الليبرالي و اليساري لانه يصور النقاش و كأنه بين الافكار التقدمية التي يمثلها الواثق و الافكار الرجعية التي يمثلها موقفي الفكري، و استشهد لذلك بمفردات زلقة و فضفاضة مثل خلفيته الاسلامية و قناة طيبة الفضائية.

و انطلاقا من هذه القاعدة في ” تنميط الخصم الفكري” و لغ في تطفيف سيرتي الذاتية، اذ نسب لي مواقع و مواقف لم اكن طرفًا فيها، اذ لم يسبق لي تقلد منصب رئيس تحرير ” صوت الجماهير” او العمل ضمن طاقمها التحريري او ما زعمه من علاقات رأسية و أفقية لمن كانت تحت رعايته و إشرافه.

و بهذه المقدمة التي حملت احكاما قيمية تعسفية ينسف د. الواثق قواعد الحوار الموضوعي الذي يجب ان يقوم علي مبدأ الخصومة المتساوية، لكنه صور الجدل الفكري و المناظرة القلمية كأنها بين تقدمية و رجعية حتي يكرس لنظرية “تنميط الخصم” و يكسب بذلك رمزيا و معنويا قبل ان يخوض في جوهر النقاش الموضوعي.

و يتساءل د. الواثق” عقل من؟” مشيرا الي ان “غيبوبة العقل السياسي” عنوان جاذب، مثل كتاب ” البازنقر” لصديقه دكتور محمود عشاري. و هذا قياس مع الفارق حسب لغة الاصوليين، اذ ان عشاري متمهر في صناعة الكتاب و الازمات، يقوم اسلوبه علي الصدمة و مخالفة السائد من اعراف المجتمع، بينما احرص في التعبير عن افكاري و اسعي لمصالحة المجتمع و الاندغام في صيرورة وعيه لا قطيعته و صدمه بحوشي اللغة و صفاقة التعبير.

و عاب علي د. الواثق ما اسماه ” خلط المفاهيم”، وهو بحكم تدريبه الاكاديمي مولع بالتقعيد النظري و توليد النماذج ولا شك هو صاحب تخصص مرموق، لكن من المعروف ان المناظرات القلمية و المساجلات الفكرية تقوم علي مبدأ التداعي الحر ، لا تثبيت الحواشي علي المتون، و اكد د. الواثق و هو علي صواب ان النيوليبرالية هي حزمة سياسات اقتصادية تؤمن بالرأسمالية والسوق الحر و الخصخصة و حرية الفرد و رفع الدعم عن السلع و الخدمات،و تقليص الانفاق الحكومي، و قد اشتهرت سياسات النيوليبرالية في عهد مارغريت تاتشر في بريطانيا و رونالد ريغان في امريكا. و ان الليبرالية مذهب سياسي ترتكز فلسفته علي حرية الفرد، و أن قوة الاكراه و الاجبار في الدولة يمكن استخدامها لحماية الحريات، لكنها تحمل في ذات الوقت قدرة الانقلاب علي الحريات بدلا عن حمايتها. و الزعم انهما مذهبان بينهما برزخ لا يبغيان ربما لا يكون صحيحا، اذ ان ابرز نقد للنيوليبرالية هي قدرتها علي تهديد الديمقراطيات و حقوق العمال و سيادة الدول و الحق في تقرير المصير.

ان نظرية المعرفة تجعل مسوغات النظر لمثل هذا التداخل المفاهيمي ممكنا، فكما عرف ماركس في كتابه ” رأس المال” انه كتاب في الاقتصاد السياسي، فإن السياسة و الاقتصاد في المقاربة المعرفية الكلية يخرجان من مشكاة واحدة، لذا يقول الفيلسوف المشهور برتراند رسل في تجاوز قطعيات التعريف

It is perhaps unwise to begin with a definition of the subject, since, as elsewhere in philosophical discussions, definitions are controversial, and will necessarily differ for different schools;

وانا في ذلك علي مذهب البروفيسور محمد السيد استاذ الاعلام و علوم الاتصال في الجامعات الاميريكية و الخليجية الذي يري ان التطور التاريخي للمذهب النيوليبرالي الذي بدأ بالظهور بعد ” الكساد العظيم” في الثلاثينات جاء للاستدراك علي فشل مباديء منظومة الاقتصاد الليبرالي، لكنها في نفس الوقت انبنت علي قواعد الليبرالية الكلاسيكية.

و الخط النيوليبرالي ” الاقتصادي” يلتقي مع الليبرالية ” السياسية” في عاملي ” الديمقراطية و الرأسمالية” و دور الدولة في تنظيم الحقوق السياسية و السياسات الاقتصادية. اذ يشترط النظام النيوليبرالي كما ذكر دكتور الواثق نفسه النهج الرأسمالي، و اقتصاد السوق الحر، و الخصخصة وخفض الانفاق الحكومي، و تقوم ” الليبرالية” علي ضرورة اتساق الديمقراطية مع اقتصاد السوق الحر الرأسمالي. و عليه تنهض الليبرالية علي تلازم الديمقراطية و الرأسمالية و هو نموذج نهاية التاريخ لفوكوياما الذي استدرك عليه بعد انسلاخه من تيار المحافظين الجدد.

و يطرح الواثق ان اليمين الشمولي يؤمن ببعض الكتاب و يكفر ببعضه، في اعتناق النيوليبراية الاقتصادية و الكفران بالليبرالية السياسية. و رغم خطأ هذا الزعم الا ان فوكوياما في استدراكاته علي كتاب نهاية التاريخ قال ان النموذج الصيني الذي يقوم علي اقتصاد نيوليبرالي و نظام سياسي شمولي ” دكتاتورية الحزب الشيوعي” يمكن ان يكون نموذجا ناجحا في تحقيق النمو و التنمية و التقدم واشباع حاجيات الناس. و ان فرضية التلازم الشرطي بين الديمقراطية و اقتصاد السوق الحر كنموذج للتنمية كما يطرحه الغرب لم يعد مثالا نافذا.

يقول د. الواثق ان مقالي عبارة عن ” سمك لبن تمر هندي” و يفتقد للتماسك الموضوعي و الحيثيات وهو يفند مقالات لاربعة كتاب مختلفين في الرؤي و المواقف.

لقد خصصت في مقالي ٣٠٠ كلمة لنقد اطروحة الواثق و المحبوب، و قدَّر ان يرد عليّ الواثق بمقال يحتوي علي ١٥٣٣ كلمة، فهل يستحق ما وصفه ” سمك لبن تمر هندي” ان يُرَدُ عليه بستة اضعاف حجم كلماته. لكني في المقابل اتفهم موقف الدكتور الكبير اذ حزَّ في نفسه ان يساوي المقال بينه و الدكتور امجد فريد و هما شتيتان في الهوي و المواقف و الفكر و التجربة التاريخية. كأن في هذه المقارنة منقصة لتاريخه العريض في السياسة السودانية من علي المنابر النقابية و الحركة الشعبية.

و لعل القاريء ” الحصيف” الذي توجه اليه الكاتب لنقض عري مقالي يدرك ان جوهر نقاشي تلخص في نقد مواقف الكتاب الاربعة في نظرتهم لعملية الانتقال. اذ اهتم الواثق و المحبوب ببقاء رئيس الوزراء علي حساب الاهتمام بصيرورة الانتقال process، و هذا يستبطن قناعتهما بدور الفرد في صناعة التاريخ كما سأبين لاحقا. و اهتم د. ابراهيم البدوي بكتلة الشباب بإعتبارها مركز الجذب والتغيير الجديد و ان تدور حولها كل الكتل و ان تتشكل السياسات وفق رؤيتها. و هذا رهان خاسر ، ليس فقط لما تختزنه من تناقضات في تركيبتها الاجتماعية و السياسية، او عجزها عن تشكيل ” الكتلة الحرجة” بل لانها عملية اختزالية ، اذ يختزل د. البدوي كل عملية التغيير وصيرورة التحول الديمقراطي في موقف و رؤية كتلة واحدة مهما بلغت فعاليتها و تضحياتها . أما مقال امجد فريد فقد دعا الخارج دون ادني لبس او غموض للتدخل لصالح مجموعة واحدة في الصراع السياسي او ان مصالح امريكا في المنطقة ستتضرر و ان نفوذ روسيا سيزداد تلقائيا في المنطقة.

المقالات الاربع اهتمت بدور الفرد ( الواثق و المحبوب) و اختزال عملية التغيير في بناء مركز جذب جديد تمثله كتلة الشباب ( ابراهيم البدوي) و دعوة الخارج للتدخل ( امجد فريد). و قد انبني جوهر نقدي ان هذه الاطروحات تعمق من الازمة اكثر من تقديم حلول لها، لانها اطروحات اختزالية تَقْصِر شروط التغير علي ( رئيس الوزراء و كتلة الشباب و الخارج) دون الاهتمام بصيرورة الانتقال كعملية قائمة بذاتها تفرز خصائصها الموضوعية و تكبح جماح تناقضاتها الداخلية و تعمق من صيرورة الحراك الاجتماعي و توسيع قاعدة المشاركة السياسة مما يبلور عملية تشاركية و ليست اختزالية كما اراد لها الكتاب الاربعة.

و د. الواثق شديد الازورار عن ادب محاكمات العقل، و لعله يفضل منهج الفيلسوف الالماني ” كانط” في نقد العقل لا محاكمته. و محاكمة العقل ادب سياسي و نشاط فكري دارج عابر للجغرافيا و التاريخ. و حتي لا ازحم القاريء بالاستشهادات فإن اعمال محمد عابد الجابري و جلال صادق العظم هي محاكمات للعقل التاريخي.

و اشتهرت في تاريخ الفلسفة اعمال ديكارت و بيكون و اسبينوزا في محاكمة العقل، حتي برز كانط بميسمه الفلسفي الابرز في ” نقد العقل” الخالص و العملي و غيره، و هو النهج الذي بني عليه جلال صادق العظم معظم اعماله.

و جاء نقدي ” غيبوبة العقل السياسي” في اطار الوصف العابر للظواهر لا اصدار الحكم المعياري. و غوستاف لوبون عندما تحدث عن روح الثورة الفرنسية فإنه يتحدث عن غيبوبة العقل الذي اراق الدماء بعد يوم ١٤ يوليو ١٧٨٩ لان الثورة الفرنسية لم تنتصر بسقوط الباستيل لكنها ولغت في الدماء و الحرب الاهلية لعقود طويلة من الزمان و شنقت ابطالها. و عندما يقول الدكتور منصور خالد اننا كشعب البربون لم ننسي شيئا و لم نتعلم شيئا فهذا من قبيل محاكمة العقل الذي خصص له كتاب ” حوار مع الصفوة” و في سفر المذكرات و شذراته محاكمة لعقل الصفوة السودانية في غيبوبته التاريخية.

ود. الواثق في حالة خروج دائم فقد خرج من ذاته لملاقاة الاخر ” جون قرنق” و خرج عن ذاته لملاقاة الاخر ” المحبوب عبد السلام” كأن الآخر هو الوجود المغاير.

فقد خرج من حي باريس بالخرطوم و هو يتقمص حالة الامتياز الطبقي متجاوزا لارث حاج الخضر سر تجار الخرطوم في عهد الاستعمار، ليخرج من قوقعة ( المُهَمِش) ليلتقي نقيضه الاخر ( المُهَمَش) في فضاءات الانسانية الرحبة. لكن ان تنازله عن امتيازه الطبقي لملاقاة الآخر لا يمنحه امتيازا سياسيا في المقابل، لذا، نشحذ سيف النقد حاد الشذاة لمعرفة موقفه من التاريخ و قضية الوعي و هو ينضم لمشروع الحركة الشعبية و السودان الجديد.

فقد كتب المحبوب “المقدمات” ليحرر وثيقة المفاصلة النفسية و الفكرية مع ارث الحركة الاسلامية، و فيها تنازل عن موقفه الفكري عن دور الفرد في صناعة التاريخ مطالبا شيخه الترابي بالتنحي ، دون ان يصل الي موقف علي عثمان- فك الله أسره- الذي قال ” سبقنا الاحزاب فذبحنا البقرة المقدسة” ،

في المقابل انضم الواثق للحركة الشعبية دون ان يكتب منفستو الدخول و خرج منها دون ان يكتب سفر الخروج. ورغم انه خرج لملاقاة الاخر كما قال من اجل البحث عن السلام و الوحدة، لكنها تمثل حالة يمكن وصفها “بتحالف المثقف و البندقية”، فانضمام الواثق للحركة الشعبية لم يكن من اجل الموقف الاخلاقي ” لليبرالية” اذ لم تقدم الحركة الشعبية مشروعا ديمقراطيا بل طاقة عنف ثوري وسمت به تاريخ السودان الحديث. و أعترف ياسر عرمان مؤخرا ان معظم حركات “التحرر الوطني” اذ تجاوزنا عن المصطلح لم تنجح في تأسيس مشروعات ديمقراطية. و قال قرنق عقب اتفاقية السلام الشامل “نيفاشا” في رده عن سؤال الديمقراطية ان شعب الجنوب اذا سُئِلْ عن الديمقراطية لقال ” ما اسم هذا الحيوان” ? what kind of animal is it

لذا سيظل السؤال قائما: اين لحظة الموقف الاخلاقي لليبرالية في مسيرة الانضمام للحركة الشعبية التي استخدمت العنف الثوري تحت شعار تكتيكات النضال و الكفاح المسلح ، مع تجاهل تام للبناء الديمقراطي المؤسسي للحركة و محاولة تمدين طبيعتها العسكرية فيما يلي العمل السياسي المدني.

و رغم زعم الواثق انه يهتم بعملية الانتقال السياسي لا مصير الاشخاص فإن نظرة فاحصة لعدد من اعماله توضح ذلك، انظر ايها القاريء للكتب و المقالات التالية:

جون قرنق : رؤية السودان الجديد و اعادة بناء الدولة السودانية

الكرة في ملعب الرئيس

عودَّة رئيس الوزراء: هل تُحقِّق التوافُق السياسي الوطني

الي رئيس الوزراء: لا تستعجل الاستقالة

رحلتي مع منصور خالد و الخروج من الذات لملاقاة الآخر.

ولا احد يشك في القيمة السياسية و الفكرية لمًا يكتبه د. الواثق في مخاطبة تحديات الاوضاع السياسية و الاقتصادية، لكن في المقابل لا يستطيع القاريء الحصيف ان يتجاوز مفاهيمه في تعظيم دور الفرد في صناعة التاريخ مثل ما ورد في اعماله ” قرنق، حمدوك، منصور، الرئيس”. فكتابه الصادر بعنوان “جون قرنق رؤية السودان الجديد و إعادة بناء الدولة السودانية”، هو النسخة المغايرة لكتاب John Garang Speaks الذي اعده منصور خالد و صدر بإسم قرنق و كان يتضمن الخطب و المراسلات و الاوراق. و جاء كتاب الواثق عن قرنق ليس في اطار نقدي بل دعائي محض من وحي خطب قرنق و ندواته و بياناته في زياراته الخارجية و ابرزها زيارة القاهرة الشهيرة. و الكتاب في اصله تجميع لخطب وندوات قرنق و التراجم التي كان يقوم بها د. الواثق لنشاطات رئيس الحركة السياسية و الفكرية، فصدر هذا الكتاب و الواثق يتصدر التحرير لا التأليف، وكتب مقدمته ميلاد حنا و صدر في ثلاث طبعات متوالية باللغتين الانجليزية و العربية.

و قال عمرو موسي في مذكراته ان مصطفي عثمان وزير الخارجية اعترض بإسم حكومته علي زيارة قرنق للقاهرة لكن كان رأي القيادة المصرية اننا نريد التعرف علي افكار هذا الرجل “الداهية” حسب تعبيره. و قال عمر سليمان في جوبا لمسئول سوداني اثناء مراسم تأبين قرنق ان مصر استثمرت في قيادته و لما توفي لم نكن نعلم احدا غيره.

و ما نريد قوله من هذا الاستطراد الطويل ان د. الواثق بدا مهتما منذ وقت مبكر بدور الفرد في صناعة التاريخ، كما بدا واضحا في كتابه الاول عن قرنق و هو كما اوضحنا خلاصة ندوات و محاضرات و خطب قام الواثق بترجمتها و اعادة تحريرها و نشرها.

قال الواثق انه يلتقي هو و المحبوب ” في رحاب الليبرالية السياسيه كمفهوم “أخلاقي” يعنى بهيكل ونسيج المجتمع ويُقدِم رؤيته باستقلال عن أي عقيدة ٍأو مذهبٍ، وكآلية ناجعة لمخاطبة وحل تناقضات وخلافات التعددية والتنوع، وتتمثلُ مبادئه الحاكمة الرئيسة في: الدولة المعتدلة التي تفصل بين السلطات، خاصة استقلال مؤسسات العدالة عن الجهاز التفيذي، والمجتمع المدني كتنظيم اجتماعي يتمتع بقدر كبير من الاستقلالية عن الدولة، وحرية الفرد والمواطنة المتساوية”. ( انتهي الاقتباس)

و لعل الجدل يمتد في الالتقاء تحت رحاب ” الليبرالية” كمفهوم اخلاقي، و اهم مبادئها هي سيادة القانون و تساوي الافراد امامه و ان تقوم الحقوق و الواجبات علي مبدأ المواطنة و الحقوق الدستورية غير القابلة للتصرف وفصل السلطات. و سؤالي اين كان المشروع الليبرالي بشعاراته البراقة و د. الواثق يعقد تحالف ” المثقف و البندقية” مع جون قرنق. و الحركة باعتراف قادتها كانت لا تملك مؤسسات ديمقراطية بل تنظيما عسكريا قابضا، و تشوهات عميقة في حقوق الانسان علي النحو الذي كشفته مؤخرا الصحفية و الانثربولوجية كارول بيرغر في كتابها الهام The child soldiers of Africa’s Red Army وقد انضم الواثق للحركة في طورها الماركسي الاشتراكي حين كان منفستو الحركة يدعو لانتباذ الرجعية و تأسيس حركة تقدمية لمحاربة ما اسماه ” العرب المزيفين”.

و لم نعثر في ارشيف الواثق علي وثيقة فكرية جامعة مانعة مارس فيها نقدا ذاتيا خلال فترة عضويته في الحركة.

و لعل كتابه عن منصور “.رحلتي مع منصور خالد” يمكن ان اسميه السيرة الموازية حسب تعبير دكتور الخانجي في نقده لرواية ” منسي” للطيب صالح . فبقدر ما نجح الكتاب في ( انسنة) منصور خالد بعيدا عن تراثه المشهور في عمارة العقل فقد رأينا دكتور الواثق في سيرة النص الموازية. يكشف الكتاب السيرة الموازية كما قال د. لام اكول ان سبب انبهار الشماليين بطرح الحركة الشعبية هي انها كانت تنادي بإعادة بناء السودان علي اسس جديدة، و قد كان لطرح الحركة و مواهب قرنق الخطابية و السياسية سببا لانضمام عدد من المثقفين الشماليين للحركة و علي رأس هؤلاء منصور خالد و الواثق كمير و ياسر عرمان. و يمضي لام اكو ل للقول ان طبيعة الحركة العسكرية قد حجبت هؤلاء الشماليين عن معرفة ما يدور داخلها، فقد كان شائعا وسط هؤلاء ان الحركة لها هياكل تنظيمية عاملة و انها خاضت حربا ضد الانفصاليين و غيرها من الشعارات التقدمية، لكن – حسب رواية لام اكول- فقد انكشف الواقع بعد توقيع اتفاقية السلام ٢٠٠٥ و سقط القناع بموت جون قرنق. و فجأة اكتشف الشماليون ان الحركة يعوزها التنظيم و الديمقراطية الداخلية كما اكتشفوا انها غارقة في الصراعات الداخلية علي اسس عرقية و اثنية.

تشي اعترافات لام اكول المتواصلة في كتابه الهام ” داخل ثورة افريقية” و في تقديمه لكتاب د. الواثق عن منصور و في حلقاته مع قناة العربية في برنامج ” المقابلة” ، ان الحركة رغم شعاراتها الوحدوية كانت تضمر نزوعا انفصاليا، و كان هذا واضحا في جلالات الجيش الشعبي وهو ما ادركه الامام الصادق المهدي منذ وقت مبكر. .

هل كان الشماليون في الحركة و علي رأسهم الواثق كمير مخدوعين؟ هل كانوا مجرد ديكور سياسي كما حاول ان يقول لام اكول بين ظلال الكلمات، و اين القاعدة ” الاخلاقية” لليبرالية عندما وظف الواثق قدراته و مواهبه و انضر سني عمره ليس لمشروع في التحرر الوطني و لكن لتكريس الزعامة الكاريزمية الفردية لقرنق، ثم اتضح ان المشروع كان صنم عجوة اكله الجنوبيون عندما غاب قرنق. و الاخطر كما قال اكول ان مؤسسات الحركة لم تتخذ قرارا بالانفصال لأنها هياكل شكلية لكن اوحت القيادات لجيشها و كنائسها و منظماتها بدعم الانفصال لقناعة ذاتية واستجابة لضغوط خارجية. و قد لاحظ الواثق بذكاء سياسي ملحوظ ان تقسيم الحركة لهياكلها التنظيمية لقطاعين ( شمال وجنوب) اثناء الفترة الانتقالية كان يحمل بذور التجافي عن الوحدة.

و هل غاب عن هؤلاء طبيعة الحركة العسكرية كما قال لام اكول، ام استسلموا لتوهج كارزيما قرنق و تركوا الاهتمام بالمؤسسة السياسية للحركة الشعبية. اذ لم يكن احدا منهم في القيادة العسكرية السياسية العليا؟.

لقد خرج المحبوب من جلباب الحركة الاسلامية و حرر وثيقة ” المقدمات” و كتب لام اكول كتابه ” داخل ثورة افريقية” و هو ينعي مشروع الحركة لانعدام الديمقراطية و فشو انتهاكات حقوق الانسان.

كنا ننتظر من الواثق و هو المثقف الجهبذ ان يكتب سفر الخروج السياسي من الحركة.

و ما اورده في كتابه عن منصور و هو يجمع بين غلالة الانسانية الشفيفة و توثيق احداث متفرقة في تاريخ الحركة غير كافٍ البتة.

و بالطبع لم يكن مشروع الحركة في توجهاته و ممارسته السياسية مشروعا ليبراليا بالمعني الدقيق للمصطلح، بل ربما كما يصفه سدنته انه مشروع تقدمي رغم ان المانفستو الاول اكد ان هدفه هو القضاء علي اختلالات التنوع و علي رأسهم العرب المزيفين.

بلغ الضعف بالحركة مبلغا تحولت فيه بين يوم ليلة من مشروع ” تحرري” في الافق النظري لمخلب قط لتنفيذ اجندة قوي خارجية اخري. اذ اعترف لام اكول ان الولايات المتحدة استغلت الحركة الشعبية لمحاربة المؤتمر الوطني. و لم يعد هناك سبيل لمجادل بعد كشف الوثائق الدبلوماسية بواسطة اسانج في موقع ” ويكي ليكس” المشهور .

لا ننكر ابدا ان د. الواثق ظل يكتب و يناصح طيلة فترة ست سنوات عمر الفترة الانتقالية، لكنه لم يستدرك خطورة الضعف الداخلي و انعدام الديمقراطية داخل الحركة و استغلالها بواسطة قوي خارجية مطية لتحقيق اهدافها علي النحو الذي كشفته جونداي فريزر مساعدة وزيرة الخارجية للشئون الافريقية عندما قالت لدينق ألور و باقان اكون و ياسر عرمان في حضور البرتو فرنانديز القائم بالاعمال وقتها في الخرطوم ان مصلحة الولايات المتحدة هي انفصال الجنوب و علي الحركة انفاذ الامر اذا كان قرنق حيا او ميتا. و ان واشنطن لا تدعم الحركة لمجرد افريقانيتها بل لانها تساعدها علي تحقيق اهداف مصلحتها القومية.

و لا يغيب عن المشهد ما كشفته صحيفة inner circle التي تصدر في الامم المتحدة و هي ترافق سوزان رايس اثناء زيارة اعضاء مجلس الامن لجوبا عام ٢٠١٠ قبل عام من الانفصال حيث خاطبت معسكر تدريب الشرطة فصاحت” هل انتم جاهزون لحماية دولتكم المستقلة؟” فقالوا باهتياج نعم فردت “اس بي أل ويييي”.

غيبوبة العقل السياسي الفعلية ان ينظر المثقفون الشماليون في الحركة لكل هذه الاخفاقات و رأوا بأم اعينهم ان المباديء التي انضموا من اجلها للحركة و علي رأسها الوحدة تتم خيانتها جهارا نهارا دون ان يمتلك احدهم شجاعة الموقف و يقظة الضمير للإحتجاج او النقد و حتي الاستبراء لمباديء الموقف السياسي. لقد وثق دكتور الواثق لاحداث مؤتمر الحركة عام ٢٠٠٨، الذي مورست فيه أسوأ انواع الاقصاء و الدكتاتورية، و تم استغلال قطاع الشمال الذي ينتمي اليه الواثق ككتلة تصويتية لاقصاء قيادات تاريخية مما وضع بذرة الانشقاق الذي تم عام ٢٠١٣ كما قال لام اكول.

انتهي مشروع السودان الجديد الي دولة ممزقة، يستشري فيها الفساد و ينعق فيها بوم الحرب الاهلية، و تنعدم فيه اسس الوحدة الوطنية، وتتوطن فيه الديكتاتورية و لا تلوح فيها اي بارقة أمل لحكم ديمقراطية قريبا. و انتهي بها الامر الي دولة تتحكم فيها اثنية الدينكا في ابرز نماذج و تمظهرات ” عرقنة السياسة” كما قال فيليب روسلر مؤلف كتاب

Ethnic politics and state power in Africa

في ظل هذا الحصاد المر لتمظهرات مشروع السودان الجديد في دولة جنوب السودان، يجدر بالمثقف في مقام دكتور الواثق ان يستجيب لضميره و يقدم نقدا ذاتيا شفيفا

لمسيرته في الحركة و سنوات الخداع، حيث تم توظيف خبرات و مواهب و قدرات مثقفي الشمال في الحركة لمجرد كتبة و محررين و مؤرخين لجون قرنق شخصيا و أهملوا الحركة و بناء مؤسساتها علي اسس ديمقراطية،فهم لم يكونوا جزءً منها بل عاشوا علي هامشها، و قد حجبهم الدغل عن الغابة اذ غاب عنهم فهم الطبيعة العسكرية للحركة في سبيل ترسيخ قيادة قرنق الكاريزمية وهو رهان علي دور الفرد اكثر من بناء المؤسسات، ثم انكشف الغطاء و انهار كل شيء بتوقيع اتفاقية نيفاشا و الموت المأساوي لقرنق.

لولا معزة وافرة و فاكهة ودٍ لا مقطوعة و لا ممنوعة لدكتور الواثق لما تجشمت عناء الرد، و هذه السردية علي طولها تستهدف نقل الحوار الي افق جديد لأن الحوار مع د. الواثق مثل ثمرة النخيل كما قال شاعرنا الخنذيذ محي الدين الفاتح “نرمي حجرا تلقي ثمرا مقدار قساوتنا معطاء” . لأن مثله مجبول علي العطايا و ثمرات العقول لا رواهش الغضب و سخائم النفوس.

ان اقدار التاريخ وضعت د. الواثق شاهد علي عصر مديد داخل الحركة الشعبية، و نريده ان يخرج في رحلة مضادة من ذاته لإعادة الالتحام مع المجتمع السوداني الذي باع له بضاعة السودان الجديد المزجاة ، و ان يمارس نقدا ذاتيا و معرفيا لإدراك

What went wrong كما قال برنارد لويس ليس في تقاطعات لحظة شكسبيرية كما قال المحبوب في خطابه لحمدوك و هي لحظة انبثاق الثورة الشعرية التي غيرت تاريخ الادب العالمي ، لكن اعادة اكتشاف لحظة تخلق سياسي جديد علي خطي إلهام لحظة فلادلفيا في الولايات المتحدة Philadelphia moment التي انجبت اعظم دستور توافقي في العالم و يمثل الشفرة السرية في تماسك شعوب الولايات المتحدة لأن الحقوق و الواجبات تقوم علي اساس المواطنة في ظل دولة القانون التي يتساوي امامها الجميع. و لحظة فلادلفيا التي صنعت دستور الولايات المتحدة هو سر تقدمها و انجازاتها الاقتصادية و العلمية و الثقافية و التكنلوجيا، كأكبر قوة عظمي في تاريخنا الراهن ما لم يصيبها الصدأ و الوهن كما قال فرانسيس فوكوياما.

فهل نستلهم لحظة فلادلفيا بدلا عن ابتلاءات اللحظة الشكسبيرية؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق