ثقافة وفن

حكاية الفلسفة (6)

فلسفة الأخلاق

أبو بكر الصديق على أحمد مهدي

يقول علي بن الجهم …

هِيَ النَفسُ ما حَمَّلتَها تَتَحَمَّلُ

وَلِلدَّهرِ أَيّامٌ تَجورُ وَتَعدِلُ

وَعاقِبَةُ الصَبرِ الجَميلِ جَميلَةٌ

وَأَفضَلُ أَخلاقِ الرِجالِ التَفَضُّلُ

وَلا عارَ أَن زالَت عَن الحُرِّ نِعمَةٌ

وَلكِنَّ عاراً أَن يَزولَ التَجَمُّلُ

ما ساعدتنا الفلسفة على تعلمه، وما علمتنا له، هو أنه لا يوجد تعريف واحد، فريد متفرد للأخلاق. ومع ذلك، فإن الأخلاق مرتبطة دائمًا بفكر فلسفي ونظري محدد، يتم من خلاله تقييم وتشكيل خطاب معين.

ولا شك، أن علم الأخلاق مرتبط بالأخلاق والحقوق، والتي ترتبط في معظم الأحيان بشيء، يجب أن يكون سديداً وسليمًا ومنصفاً وصحيحًا، وغالبًا ما يكون عادلاً.

وهي تُعرف أحيانًا باسم «الفلسفة الأخلاقية». ويتعلق أمرها بالسؤال عن الصواب/الخطأ، الجيد/السيئ، وكذلك الأخلاقي/غير الأخلاقي.

فعلم الأخلاق، هو فرع من فروع الفلسفة الخمسة، يهتم بمسائل الأخلاق. ويعتقد الناس أحيانًا أن الأخلاق هي الشيء الوحيد، الذي تفعله وتعمله وتهتم لأمره الفلسفة. ولكنها وفي حقيقة أمرها، هي مجرد واحدة فقط، من خمس مجالات اهتمام تقليدية للفلسفة.

وفي السطور اللاحقة نحاول في ايجاز عرض الاختلافات الكثيرة التي ظهرت بين الفلاسفة في تناولهم لموضوع الأخلاق، ومحاولاتهم إيجاد تعريف أو تسطير تعريفات لها، لكي تشفي ولو القليل من غليلهم، وتقتل لو خيط رفيع من ظمأهم، وهم يركضون وراء معرفتها والتقرب اليها زلفى تبركاً، وهذا ان دل على شيء، انما يعكس اهتمامهم العظيم بالموضوع، ولأهمية الموضوع في ذات نفسه.

لقد وضح باسكال أن القضية المحورية بالنسبة للإنسان هي أن يعلم ويتعلم كيف له بتنظيم سلوكه وحياته. فاذا حاز على كل شيء وجهل هذه النقطة، فاز بالكماليات وخسر الضروريات. وإذا نال هذه النقطة ولا شيء بعدها، ظفر بالكنز المكنون الذي يغنيه عن سائر الكنوز.

وظل مردداً دون كلال «لن أجد في علم الأشياء الخارجية ما يعزيني عن الجهل بالأخلاق وقت المكاره، ولكنني واجد لا محالة في علم الأخلاق ما يعزيني عن الجهل بالأشياء الخارجية».

ولقد شمر الفلاسفة القدماء سواعدهم لحل هذه الإشكالية العصية، واجتهدوا في اخلاص وتفاني على تعريف الخير الأسمى بوسائل عقلانية منطقية. فلم يتحصلوا الا على ثمرة واحدة وهي: أن اختلافهم في الرأي كشف عن عجزهم التام في فك شفرة هذه العقدة العصية على الحل.

وجلس باسكال القرفصاء، محاولاً اجترار شريط التعاريف الكثيرة والمتنافرة والمتناقضة تلك التي اتى بها فلاسفتها مبدئاً عجبه وحيرته، وشر البلية ما يضحك:

«يقول فيلسوف منهم بان الخير الأسمى في الفضيلة، وثاني يجعله في اللذة، وآخر يضعه في علم الطبيعة، وواحد آخر يدسه في الحقيقة، وغيره في الجهل التام، وآخرون في مقاومة الظواهر، وآخر في عدم تأمل أي شيء.

أما المتشككون الحقيقيون فيحشرونه في رحم السكينة والشك بلا انقطاع. ويعتقد غيرهم أنهم نالوا ما هو أفضل. فيا لها من نتيجة حاسمة!».

فاختلاف الفلاسفة رحمة أو كذلك يقول المتنطعين ويكررون: فهذا سقراط متفوهاً «بان معرفة الفضيلة تكسبها، والجهل بها مصدر الرذيلة ومأتاها»، وهناك الكثير المثير من أراء الفلاسفة حول هذه القضية، فمنهم كثيرين يقولون بأن العلم لا أثر له في اصلاح النفوس كالعلامة الفرنسي باسكال الذي تناولناه قبل قليل بشيء ما يقع في منطقة وسطى بين الايجاز وبين التفصيل، فلسانه يصدح «بأن الأخلاق الصحيحة تهزأ بعلم الأخلاق وتسخر منه».

ولا ينتظر قليلاً ولو لبرهة، وكأنه في عجله من أمره، الفيلسوف هربرت سبنسر مصوباً سهام نقده الحادة اللاذعة، جاعلاً من حماسة الأخلاقيين من الفلاسفة، واجتهادهم في نشر العلم من أجل اصلاح النفوس البشرية، محض بدعة سخيفة، وهراء لا معنى له، فكيف لهم ذلك، والكل يلاحظ بأن معظم المتعلمين فقراء من ناحية الأخلاق والاستقامة، ولا يقصر الوعاظ في تأكيد ما ذهب اليه سبنسر بإظهارهم الاختلاف البين بين ما تتفوه به افواههم، وما تحمله قلوبهم من أضداد كثيرة لأقوالهم، وعلى ضفاف الشط الآخر، لا نفتأ يا أيها المندهش من أن نري الجهال والأميين يتمتعون بشيء من الاستقامة والشرف اللازمين الكافيين؟!

ونقطة تلخيصيه اتكاءيه انتقائية أخيره، نقول بأن كل شخص يحاول في حياته اليومية التصرف وفقًا لبعض المعايير الأخلاقية الراسخة. وهذا المفهوم الفلسفي له تطبيقات مختلفة في حياة الانسان الحقيقية.

على سبيل المثال، هناك بعض المنظمات التي لديها لجان أخلاقية تضع قواعد السلوك لموظفيها. وجل اهتمام الأخلاق يتركز في تعريف الصواب والخطأ.

إنه بلا شك يوضح لنا المدارس الفكرية التي ترشدنا إلى كيفية التصرف في موقف معين، والذي كان دائمًا موضع خلاف بين الفلاسفة. لأنهم عرّفها كل على حسب أو وفقاً لفهمه الذاتي.

… وعن الأخلاق، يقول محمود سامي البارودي….

أَلا إنَّ أَخلاقَ الرِّجالِ وإن نَمَتْ

فَأَرْبَعَةٌ مِنْهَا تَفُوقُ عَلَى الْكُلِّ

وَقَارٌ بِلا كِبْرٍ وَصَفْحٌ بِلا أَذَىً

  وَجُودٌ بِلا مَنٍّ وَحِلْمٌ بِلا ذُلِّ

وللحكاية بقية… وكمان نهاية…

المصادر

•الفرنسية، آر.، 2017. مقدمة في تاريخ الفلسفة والفكر والأفكار: سلسلة محاضرات الفلسفة، فيديو 1: فروع الفلسفة، 12 سبتمبر، [فيديو على الإنترنت]. متاح على: URL: <https://www.youtube.com/watch؟v=dPJYKL2ZeEw. (تاريخ الزيارة:20-11-2019)

•النفوذ للتعليم.، 2021. فروع الفلسفة. [متصل]. متاح على: URL: https://leverageedu.com/blog/branches-of-philosophy/ (تاريخ الزيارة: 9-12-2021)

•الزواوي، د م.، 2019. أبيات شعر عن الأخلاق. [متصل]. متاح على: URL: https://mawdoo3.com/ (تاريخ الزيارة: 13-12-2021)

•عويضة، ك م.، 1995. كارل بوبر «فيلسوف العقلانية النقدية». الطبعة الأولى. دار الكتب العلمية. بيروت.

• كريسزن، أ.، 1982. باسكال (حياته – فلسفته – منتخبات): ترجمة نهاد رضا. الطبعة الثالثة. منشورات عويدات. بيروت، باريس.

• موسي، م ي.، 2017. مباحث في فلسفة الأخلاق. الطبعة الأولى. الناشر مؤسسة هنداوي سي آي سي. المملكة المتحدة.

•جعفر، م ك ا.، 1968. في الفلسفة والأخلاق. الطبعة الأولى. دار الكتب الجامعية (اسلام حنا وشركاه). القاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق