سياسة

خارج المتاهة

ومعارك المصير الوطني

محمد عتيق

يمضي الوقتُ علينا وعلى بلادنا سريعاً ، لا يلوي على كم تأخرنا عن ركب ألإنسانية وكم بقينا في رِكاب التخلف والتخبط والتوهان ؛ نزحف في صفوف الشعوب البائسة ردحاً لنخرج من مرتبة الثاني قبل الاخير ثم لا نلبث أن نعود إليه في الاختبار التالي !! يمضي الوقت سريعاً ؛ لا هو ولا نحنُ نلتفت لأحزان الأجيال الجديدة ورؤى اليأس والفرح المتناقضة التي تسيطر عليها ؛ بعضهم يفتح الصدور ويُشهرها أمام أسلحة السلطة المجرمة (الكجر ) ، بينما يقول لهم أحدهم : «لماذا تُرَحِّبُون بالموت وتجعلون من أنفسكم مشاريعَ له ؟ أقدِموا على الحياة  وتمَسَّكوا بها سَوِيَّةً مُنصِفة لتحوزوا على نفس النتيجة مع رفاقكم وذويكم « ، ومع ذلك تحصدهم آلة الموت الكئيبة، لا تُفرِّق بينهم فهم جميلون ومخلصون ، فيرتقوا شهداءَ في سبيل وطنهم وسعادة شعبهم ، لنخسر الأكرم والأكرم كل يوم ..

  هل نملك وقتاً كافياً حدّ الترف نُزجيه في «التنكيت» والتعليقات لإغاظة بعضنا البعض ، للتجادل حول الماضي ونَبْش المواقف والرؤى ؛ مَنْ كان الصحيح ومن كان المخطئ الذي تَسَبَّبَ في الذي وصلنا إليه ، «نلُوك» ما نسميه (الهبوط الناعم ، أربعة طويلة….الخ) في عبارات جاهزة مكرورة نضحك بها ونبكي .. ماذا يفيدنا معرفة أنّ فلاناً من الأحزاب كان موقفه أو رأيه صحيحاً وأنَّ فلاناً الآخر كان خاطئاً أو حتى مشبوهاً فتمتلئ الوسائط والقروبات بالتهكُّم وعبارات الاستعلاء المتبادل ؟؟ هل نملك وقتاً كافياً حد الترف نقضيه في (الفارغات) وبلادُنا ، لا تختنق بالأزمات الوطنية فحسب، ولا بانسداد الآفاق أمام التطور والإندماج والوحدة والاستقرار ، وإنما تواجه لحظةً قاسيةً في أن تكون أو لا تكون ، أن تكون هنالك دولة اسمها السودان أو دويلات كان اسمها السودان !!

لماذا نستهين هكذا بوطننا ، نلهث خلف أستار الدنيا الزائلة وقشورها الآيلةُ دوماً للجفاف : بالأمس قرر الرئيس الأسبق المرحوم جعفر نميري في لحظة جنون اللجوء لآخر «كرت» في تنقُّلاته السياسية ، فأعلن العقوبات الإسلامية قانوناً أسماه الشريعة الإسلامية (قوانين سبتمبر) «خازوقاً لم يخرج من جسد الوطن حتى الآن ، حتى من فاز في ديمقراطيةٍ لاحقة بالأغلبية استناداً على برنامج يقوم على إلغاء تلك القوانين لم يتمكن من إلغائها في عجزٍ بائن … ثم جاء حكم الإسلامويين بقيادة عمر البشير الذي ، وفي لحظات احتضاره ويأسه ، يستعين بالجنجويد لحمايته فغرس بذلك – من حيث يدري أو لا يدري – سُمَّاً خطراً بين بذور الوطن.. فالجنجويد «الدعم السريع لاحقاً» مشروعٌ يناقض مشروع الدولة السودانية ، الوطن ، تماماً :

– عمر البشير ، وعندما شعر بالزلزال من كل جهة ، وفقد الثقة في قومه ، استقدم الجنجويد لحمايته وأغدق عليهم الرتب العسكرية والنفوذ…

– حميدتي ، وبعد أن كان طموحه محصوراً في تأسيس نفوذ لنفسه وعائلته ، ووضْع اليد على ثروات وطنية يبني بها وعليها إمبراطورية مالية عظمى ، ورأى بعينيه ضعف ومحدوديّة «الرئيس» الذي استقدمه ورهطه ، رأى في نفسه كفاءةً أعلى للرئاسة عبر تطوير مليشياته ، يتجاوز بها الجيش والقوات النظامية الأخرى وتصبح القوة الرئيسية التي تتيح له نوافذ الرئاسة والزعامة على البلاد مشرعة ..

– قوى الهيمنة الاستيطانية الخبيثة ، تحديداً الكيان الاسرائيلي ومن خلفها الصهيونية العالمية ، وجدت ضالَّتها في مليشيات الجنجويد و «طموح قائدها» فالتقطت الجسم القاتل المتهافت تدعمه في جرائمه وتُلَبِّي له مطالبه العلمية والتكنولوجية في الاقتصاد والأمن والزراعة ، وستظل تدعمه إلى أن تقوم فتنة كبرى في البلاد تَتَقَسَّم بموجبها إلى دويلات وكيانات خانعة من ضمنها مملكة آل دقلو .. ولنا فقط فيما يرشح من أخبار عن علاقات الطرفين «إسرائيل وآل دقلو» ناهيك عن التفاصيل المخفيّة ، معانٍ  وعِبَر ،  وكيف أن خطط الكيان الصهيوني التي صبر عليها عقوداً طويلة قد أتتها فرص التنفيذ وتحقيق الأحلام..

    يمضي «حميدتي» أمام بصر الجميع في تنفيذ خططه ( بالهدايا وبالمال الوفير يشتري كل شيء) ، ونحن في مجالسنا ووسائطنا الإليكترونية نستخف به ونضحك على محدودية تعليمه ونستمر في مناكفاتنا وتشرذمنا سواءً في «قوى الحرية والتغيير أو في تجمع المهنيين السودانيين» التي مزّقناها كلها بأطماعنا السياسية ، وبدلاً عن التقدُّم مُوَحَّدين لقيادة الثورة مع لجان المقاومة وحركة الشارع ، قلباً سياسياً مُقنِعاً لها ، بدلاً عن ذلك ، نلهث خلفها ، نتغزَّل في لجان المقاومة ونخطب وُدَّها تعبيراً عن الضعف والتكالب ومحاولات الاستقواء …. ومن أمثلة ذلك ما حدث بالأمس في أروقة تجمع المهنيين :

عَقَدَ أحد طرفي تجمع المهنيين مؤتمراً صحفياً فأصدر القسم الآخر من التجمع بياناً نقديَّاً لذلك المؤتمر واعتبر ذلك القسم مجرد مُنتحلٍ لاسم التجمع بعد أن رفض نتائج انتخابات ديمقراطية اسقطتهم فانقسموا .. وأعقبتها مباشرةً «شبكة الصحفيين السودانيين» ببيان مماثل في التكذيب والاتهام … المؤتمر الصحفي ، ردود الأفعال عليه من تجمع المهنيين الآخر ومن شبكة الصحفيين السودانيين كلها صراعات سياسية تقودها الأحزاب ضد بعضها البعض داخل التنظيمات الديمقراطية والنقابية ، وهو الصراع الذي يشير إلى أننا نتعامل مع تلك التنظيمات على أنها مجرد واجهات حزبية وأننا لم نتعلم بعد كيف نؤسس ونقود المنظمات الديمقراطية ونحميها من التغوُّل الحزبي وخدمة الأجندة الحزبية .. وقبل كل شيء هي صراعات تُبَدِّد فيها أحزابنا طاقاتها في الميدان الخطأ وعلى الموضوع الخطأ …

ختاماً ؛ لا زال الأمل قويَّاً أننا سنتخلص من تلك الأمراض وسنؤجِّل بعض الخلافات لننصرف متفرغين إلى القضايا الكبرى ، المخاطر المُحدِقة ، وعلى رأسها : الجنجويد ، استعادة الدولة المدنية الديمقراطية ، مراجعة اتفاقية جوبا ، وأنه وبقدر انفتاحنا على العالم والجوار واستعدادنا للتفاعل والحوار ، سيكون تمسُّكنا بما نراه مصلحةً وطنيةً لنا ، دون خضوع لأية إرادة خارجية مهما كانت وكانت قيمة ونفوذ مصدرها ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق