
عماد الخالدي
تنتابني نوبة من البكاء المرير حينما أرى طفلا سوريا يدفئ برد جسده على حطام طائرة سقطت أثناء تنفيذها لمهامها في قتل السوريين، ولك عزيزي القارئ أن تتخيل حجم المعاناة من ملامح هذه المشهد. من هنا أستهل صدى الكلمات، برغم كل الأنين الساكن في حنايا الوطن وحتى في أصغر زواياه وتعود بي الذاكرة إلى ماض ولى وهيهات يعود، ماض لبلد معشق بالياسمين، قامته ممشوقة بحجارة تاريخ عريض، كلما عاث غبار الظلم في جنباته، نفضته أياد لا تعرف للمستحيل شطآنا ولا مراسي، وإنما التغني كله في زوال المحن مهما امتد سواد أيامها. فلا حزن يدوم ولا سرور، والأيام دول ومن ساءه زمن سرته أزمان، وما على النفوس إلا الصبر والمثابرة بانتظار لحظة ولادة جديدة.
هو حال السوريين الذين لم يتركوا وجعا إلا عاشوه، ولا ألما إلا ذاقوا مراراته، وبرغم جلل المصاب، فقلوبهم لا زالت تبعث الدفء في أطراف قد أنهكها برد اللجوء، وبرد قسوة الظروف داخل حدود الوطن وخارج أسواره. ولكننا دائما ما اعتدنا على السوريين أن ينهضوا مهما جارت عليهم تصاريف الزمن، وهذا ما نراه من احوالهم في كل الأصقاع ومهما تنمر عليهم الظالمون فمن تعلم أن يتعلق بقشة أمل ولو بحجم ثقب إبرة فلن تخذله الأيام. وها نحن نراهم وأقصد السوريين في كل مكان يعملون بكد لا يدخرون جهدا، يتجهزون للحظة خبر عاجل مفاده، انتهت الأزمة السورية. نفوس أباة لا ترضى إلى العمل مهما تثاقل حمله على الأكتاف، تجدهم في كل دول العالم التي استقبلتهم يعملون ويجتهدون في كل المناحي ليرسموا النجاحات لهويتهم السورية لطالما كانوا مخلصين لها. وكثيرا ما نسمع عنهم في كل المحافل من ارتقى بنجاحه أعلى الدرجات، وقد حجز له مكانا في كل المحافل سواء في التفوق في المدارس أو الجامعات إلى المجالات العلمية منها، مرورا بقطاعات العمل المهنية في مختلف الاختصاصات وشتى المجالات التي تلامس الحياة اليومية.
ففي صيف عام 2014 وعندما تدفق آلاف السوريين إلى المانيا التي فتحت لهم أبوابها، أستذكر كلمات المستشارة الألمانية السيدة أنجيلا ميركل حين قالت (فير شافين داس)، والمقصود بها هنا “بإمكاننا أن نتغلب على كلّ الصعاب” أو على حد مقولة الرئيس الأمريكي السابق أوباما .yes, we can
هذ الكلمات الثلاثة كان لها وقعها في قلوب السوريين برغم كبر حجم المأساة، حيث منحتهم الكثير من الطاقة والثقة برغم الهوة الكبيرة التي رافقتهم في مسارات معاناتهم على مدار سنين من جانب، وأمانيهم بالحصول على حياة أفضل من جانب آخر. وما قصص نجاح يسرى مارديني السباحة الأولمبية، أو عازف البيانو إيهام أحمد، أو نجد البوشي كابتن السفينة، مرورا بوصال الخليل مخبرية الأسنان ونور قصاب التي حازت على معدل 100 % في امتحانات الثانوية العامة وذلك بعد مرور ثلاث سنوات فقط على تواجدها في المانيا، والطفل أحمد حزاني الذي حاز على لقب امبراطور القراءة متفوقا بذلك على الكثير من أقرانه الألمان، والكثير الكثير منهم لا يسعنا ذكرهم، إلا جزء يسيرا، علاوة على عدد كبير من الشركات التي فتحت أبوابها ليس فقط في مجال صناعة الحلويات والأطعمة، بل أيضا في الديكور والموضة والخياطة وغيرها. وفي هذا السياق لا يمكننا تجاهل الصعوبات المتمثلة في اللغة والثقافة وطبيعة الحياة وعادات المجتمع، إلا أنهم مع مرور الوقت أثبتوا أنهم قادرين على إحداث التغيير. أقولها بيقين القلب أنَّ تقبلنا لطريقة حياتنا الجديدة هو التحدي الأكبر الذي يدعونا إلى العمل والبدء بتجاوز المعوقات واستئناف المسير، وعملية التغير تبدأ من هذه النقطة لطالما لإرادتنا القدرة على تغيير واقعنا إلى ما نحب ونرجو. هذا ما عهدناه في السوريين الأمس واليوم، وإنا لنتطلع إلى غد أكثر إشراقا متبنين فكرة أنَّ كل أرض تنبت الحب وطن. وهذا ما لقيناه من الدولة الألمانية حكومة وشعبا، الاهتمام والحب، فهي بمثابة الوطن، وإني لأرجو أن نرد الجميل لهم ولأنفسنا بالعمل والنجاح. ففي هذا البلد يمكنك أن تجد الفرصة التي لم تتح لك من قبل ولم تكن يوما لتحلم بها فامنحني يدك وخذ بيدي وهيا لنمضي إلى مستقبل أفضل لي ولك ولوطننا.


