سياسة

أزمة أوكرانيا

أحمد الونزاني

لماذا الكل يدفع نحو عدم تدخل روسيا في أوكرانيا!

هل أوروبا و الولايات المتحدة الأمريكية واثقون من أن روسيا بقيادة بوتين، تقوم بمناوراتها السياسية تلك لثنيهم عن عدم توسيع الحلف الأطلسي في اتجاه الشرق و عند حدود روسيا !

أم أن الغرب يريد فعليا أن يقوم بوتين بمغامرته بغزو أوكرانيا، ليجد الذريعة للتدخل العسكري و تفكيك ما تبقى من حلف وارسو و بالتالي تفكيك روسيا نفسها.

هل يذهب العالم نحو قطبية أحادية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. و هل لأزمة أوكرانيا بعد استراتيجي آخر غائب عن أذهاننا، ربما الغرض منها التقرب من التنين الصيني و خنقه سياسيا و اقتصاديا ?

تساؤلات حول القضية الأوكرانية، التي يبدو أن لها أبعاد استراتيجية غير واضحة المعالم حاليا، لكنها ذاهبة إلى إدخال العالم في حرب طاحنة لا يمكن التنبؤ بتداعياتها خصوصا على عالمنا العربي و البشرية جمعاء.

إذا كان التمهيد لغزو أوكرانيا قد بدأ بمناورة سياسية غاية في الدقة، ألا و هي الاعتراف باستقلال لوغنسك و دونيسك، مما سيدفع الطرف الآخر لعدم تقبل هكذا وضع و بالتالي فإن أوكرانيا ستكون مضطرة للدفاع عن أراضيها، و ستخوض الحرب مع روسيا مدفوعة و مسنودة من الولايات المتحدة الأمريكية و الحلف الأطلسي و هذا هو الفخ و المصيدة الذي ستقع فيه أوكرانيا و ستدفع ثمنه غاليا.

الأزمة في أوكرانيا ستنعكس سلبا على اقتصاديات الدول الأوروبية و العالم بأسره، و قد تتسع الأزمة و تكون انعكاساتها حادة و خطيرة في عالمنا العربي و في افريقيا، حيث الهشاشة و وضع عدم الاستقرار الذي تعيشه معظم هذه الدول. و قد بدأت ملامح الأزمة تظهر جليا في بعض البلدان العربية و في افريقيا، حيث نلمس ارتفاعا جنونيا في أسعار بعض المواد الاستهلاكية و الأساسية للمعيش اليومي للناس و كما لمسنا ارتفاعا كبيرا كذلك في المشتقات النفطية مما سيزيد في الأوضاع بلة.

الكل متضرر من تفاقم الوضع الأمني بين روسيا والغرب، و الكل سيكتوي من نيران اي حرب قادمة. فهل هنالك من عقلاء لتفادي الكارثة الإنسانية المقبلة.

إن استدعاء  المشترك التاريخي و الدين و اللغة أمر في غاية الأهمية في اي صراع مع الآخر. فمن لا ماضي له لا مستقبل له. و هذا المشترك  يعطيك قوة، بل يعطي للصراع طابعا حضاريا و وجوديا.

قد تتدحرج الأمور مع بداية الحرب لتحرير أوكرانيا، كما يقول الجانب الروسي، لتشمل جميع بلدان أوروبا الشرقية ، إذا ما حاول الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ثني روسيا عن ضم أوكرانيا إليها من جديد. و ربما سنشهد إعادة ترسيم الخريطة السياسية الدولية و قد تتطور الأمور حتى استعادة بناء جدار برلين جديد.

الدب الروسي، قد يكون استفاق من نوم دام لعقود طويلة، لكن صحوته الآن و المفاجئة قد فتحت شهيته ليحظى بأشهى أنواع العسل وللدفاع عن حدوده و حقوقه التاريخية و عن بيته و أبنائه.

 اعتقد ان التقارب الروسي الصيني الأخير له بعد استراتيجي و دفاعي، و يعتبر ردا على تحالف كواس بين الولايات المتحدة الأمريكية و استراليا و اليابان. و في تقديري، ف الصين قد يكون لها تأثير كبير على مجريات الحرب بين روسيا وأوكرانيا ، خصوصا إذا ما كان هنالك تدخل من قبل الولايات المتحدة الأمريكية و الحلف الأطلسي بشكل مباشر في هذه الحرب. ف الصين ستكون مضطرة للدفاع عن جوارها من أي شيء قد يهدد أمنها القومي، و يجعلها تشعر بالاختناق الاقتصادي.

رقعة الحرب و إن كانت تبدو بعيدة عن جغرافيا بعض المناطق في العالم ،إلا أن لهيبها و نيرانها ستطال كل مكان في هذا العالم. إذا كانت أزمة وباء كورونا، قد امتدت لأكثر من سنتين و كانت لها انعكاسات سلبية على اقتصاديات الدول بصفة عامة و سببت تفاقما للأوضاع الاجتماعية خصوصا في بلدان العالم الثالث و تلك  ذات الاقتصادات الهشة، فإن أزمة أوكرانيا ستدخل العالم برمته في نفق مظلم و مجهول، و قد تصل تداعيات الأزمة الأوكرانية إلى أن نشهد مجاعة تضرب أغلب دول العالم، و أوضاعا إنسانية مزرية و قاسية قد تؤدي إلى اضطرابات نفسية حادة.

كثلة الثلج، انطلقت بسرعة بطيئة، لكنها ستلتهم كل من تجده في طريقها، يبدو المشهد من بعيد ك كوة نار صغيرة انطلقت ،لكن أين سيبلغ مداها، هذا هو المشهد الآخر و الغائب عن أذهاننا حتى الآن.

الحرب في أوكرانيا كشرت عن انيابها، و هي حرب حضارية بامتياز، حرب حضارية جديدة بين الشرق والغرب. حرب من أجل الحفاظ على المصالح الاستراتيجية و الحيوية و الأمن القومي و وحدة المصير المشتركة و العمق التاريخي و الديني و اللغوي لروسيا. فيما يرى الجانب الآخر بأنها حرب من أجل ترسيخ قيم الديمقراطية و الحق في الاختلاف و حرية تقرير المصير بالنسبة لشعوب العالم، و الحق في اختيار الشركاء الاقتصاديين و العسكريين .

العبرة في النهايات، فما أسهل افتعال حروب هنا وهناك، لكن هل أخذنا العبرة من حروب القرن الماضي و حروب الألفية الثالثة، و مخلفات تلك الحروب على الإنسانية جميعا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق