ثقافة وفن

مدخل العبيد

د. نزار غانم

النطاق الجغرافي: قيدون ، حضرموت

الحالة: متعثرة. تعرضت الزيارة للتحوير من حكومة اليمن الجنوبي الاشتراكية الا انها عادت  مع وحدة 1990 م و سرعان ما حاول توقيفها الفريق السلفي في حكومة اليمن عام 1994م.

رقصة كانت تتم سنويا خلال زيارة ضريح الصوفي الشيخ سعيد بن عيسى العمودي (ت 1271م) في بلدة قيدون الواقعة على وادي دوعن بوادي حضرموت. وهناك اعتقاد متوارث بين جمهورها بقدرة شيخهم على حمايتهم من اهوال البحر متى استغاثوا به .

هي زيارة سنوية تشهدها البلدة يصاحبها الى جانب الصلوات والابتهالات سوق تجارية رابحة. تكون الزيارة أواخر شهر رجب خلال الزيارة السنوية للضريح في بلدة قيدون. وقيل كان الشيخ العمودي قد اقرها عام 1231م في حياته وسار المريدون على ذلك بعد مماته ودفنه في ضريحه بالبلدة.  وكان هناك حضور واضح لجماعة من العبيد والعبيد السابقين ذوي الجبلة الفيزيوجنومية الافريقية وينقسمون الى قسمين:

– العبيد المملوكون

– العبيد السابقون

وكلا الجماعتين كان يسمى تجاوزا العبيد يحضرون للمشاركة في الرقصة في الزيارة السنوية ولهم بشيخهم ايمان يقولون انه يرفع عنهم التجاوزات خلال الزيارة ويحاججون الفقهاء التقليديين في ذلك. ويبدو ان هذه الحساسية بين العبيد والفقهاء المتزمتين أدت الى اجتراح أيام خاصة بالعبيد للزيارة حسبما نفهم من المؤرخ الحضرمي علوي بن طاهر بن عبد الله الحداد (ت 1962م) فأوشكت الزيارة أن تكون زيارتين. كان المؤرخ الحداد ممن شاركوا في الزيارة ودون عنها ملاحظاته في تاريخه المسمى (الشامل في تاريخ حضرموت) عام 1940م. ومن المهم أن نذكر أن الحداد يذكر ان لهؤلاء العبيد رطانتهم التي لا يفهمها الآخرون وهم يتغنون بها خلال طقوس الزيارة مما يدل على انها لغتهم الافريقية الأم.

– الزيارة الأولى (زيارة جمعة آل بن زيد): تكون ثالث جمعة في شهر رجب تسمى جمعة آل بن زيد الذين يسكنون وادي عمد اذ يحضرون سنويا الى قيدون ينشدون ابتهالات أواخر شهر رجب الرجيب. تكون البداية يوم الخميس باهل وادي دوعن والوادي الايسر ومعهم محملهم ثم أهل البادية كل يأتي بمحمله المميز بما فيه. وتعتبر بلدة قيدون خلال الزيارة (حوطة أو هجرة) للعلم يحترم فيها بصرامة السلم الاجتماعي ولا يسمح بعدوان أو قتال للثأر بين القبائل الزائرة لها. الا ان مفهوم الهجرة في شمال اليمن يوازيه مفهوم الحوطة في جنوبها. تأتي الناس من القرى والبوادي المحيطة كما يجيء اهل بلدة الهجرين فيقوم سوق نشط فريد ببضائع مجلوبة من الهند ومن عدن وغيرهما. ومن ذلك   الحيوانات ابلا وبقرا وحميرا، والفروش والجلود والملح والحبوب المجلوبة للبيع. يسير الى الاحتفال أكثر اهل البلد رجالا ونساء واطفالا ويأتي أهل رقصة (الخابة) ينشدون ويلعبون ويرقصون على الطاسة بحركات (يخبون) فيها أي يسرعون بالمشي لذا سميت الرقصة الفرعية هذي (الخابة). 

– الزيارة الثانية (زيارة مدخل العبيد): تكون في آخر جمعة في شهر رجب وقيل اجترحت حتى لا يشوش العبيد على الزيارة الاولى الأساسية. ورأى المؤرخ علوي بن طاهر الحداد أنها طارئة منذ 70 سنة فقط من زمن وصفه للزيارة التي كانت في الثلث الأول من القرن 20 م أو قبل ذلك بقليل.

تأسيسا على ذلك الزيارة الثانية والمعروفة بمدخل العبيد بدأت طقوسها في منتصف القرن 19 م !   

ومن وحي وصف المؤرخ الحداد للزيارة ننقل ما يفيد أن الموسيقى الشعبية تكون مرافقة للراقصين بالمزامير والطبول وكل الاغاني تشيد بمكانة الشيخ العمودي. و(العبيد الزائرون هم زنوج يتجمعون من القرى ويدخلون الى البلد بالمزمار والطبل والنقير وجذع شجر يتعبدونه يطلقون عليه اسم جدهم ويكون دخولهم ضحوة الجمعة برفثهم وقد احاط بهم الغوغاء فيصلون قبة الشيخ سعيد والامام يخطب خطبة الجمعة فتمتلئ جوانب المسجد بضجيج مزاميرهم ونفرهم وطبولهم ولغطهم برطانتهم وضربهم التوابيت فلا تسمع خطبة الخطيب ولا قراءة الامام الا من دنا.  وتمتلئ شوارع السوق بالنساء والرجال في زحام يتضاغطون يموج بعضهم ببعض ويصدر عن ذلك امور يندى لها الجبين وتضحك لها الشياطين فالنساء مزينات يسترن بشقة وبرقع تبدو منه المحاجر وتظهر المتبرجات منهن وهن الاكثر من اعناقهن ونحورهن ما يستجلبن به نظر الرجال اليهن ويتبعهم الفساق مع شدة الزحام وتضاغط الاجسام   وقد حدث ذلك منذ 70 سنة وما كانت النساء بهذه الزيارة ولا كن يخرجن للأسواق بهذه الصفة). وقد قاوم منكر مدخل العبيد الشيخ طاهر بن عمر الحداد حتى أعياه ذلك لظن الغوغاء ان الشيخ العمودي قد اباح لهم ذلك.

يصف أحد القيمين على الزيارة لي فعل مدخل العبيد بقوله : ( – يسوكنون – فيه أي يعملون أعمال بهلوانية تشابه اعمال دراويش و مجاذيب الصوفي الشيخ أحمد بن علوان(ت1267م) . اذ يأتون بشرح أثناء مدخلهم تتخلله  تصرفات مجنونة مخالفة لرقص  الشرح الحضرمي العادي وكأنهم في حضرة الجن  , و يكون هذا الفعل في يومهم المحدد فقط.

ويخصص يوم السبت حتى يوم الاثنين من ذلك الاسبوع لزيارة مرضى الجذام لضريح الشيخ العمودي. ويختلط الاصحاء بمرضى الجذام فيرقصون ويتغنون حول ضريح الشيخ. وقيل كان الشيخ العمودي قد سمح بذلك في حياته دون وجل من عدوى الجذام ثم بعد وفاته استمر الطقس على ذلك النحو.

و قد عرج المسرحي و الشاعر الحضرمي علي أحمد باكثير (ت 1969م) في مسرحيته (همام أو في بلاد الأحقاف)، و هي أولى مسرحياته , على ذكر مدخل العبيد في قيدون فندد بما فيها من اختلاط مشين للجنسين مع حضور الرقص و آلات الملاهي , و كانت كتابته تلك   قبيل عام 1934م. مما يجعلها تتوافق  زمنيا مع مشاهدات المؤرخ الحداد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق