ثقافة وفن

الرمزية التعبيرية في التجربة التشكيلية لمنى عز الدين

بشرى بن فاطمة

يثير المنجز التشكيلي الذي تنفذه الأنثى الباحثة عن اكتمال الوعي في الفكرة،التأمل مع الرغبة في نبش تلك الفكرة وأفقها البعيد الذي يصل صداه لمختلف زوايا الروح، ومنى عز الدين أنثى لها رؤيتها الخاصة مع حضور إنساني التوجه والهدف، مرفق بحس مرهف وذكاء في خلق بصمتها التشكيلية التي مزجت الموضوع المطروح مع الأسلوب الواقعي والتعبيري والانفعالي والوحشي والتجريدي، بمعالجة تشكيلية جمعت تفاعلاتها الشعورية مع اللون والخط  بجمالية بصرية ذات أبعاد دلالية خلقت تواصلا كاملا مع مواضيعها التي طرحت رؤيتها في التعبير عن واقع المرأة وحضورها الإنساني  وكذلك فكرتها المتفردة في استنطاق الأشكال المتمثلة في تجسيد الحيوان كرمز داخل اللوحات مقتبسة الفكرة من قصصكليلة ودمنة، فقد اعتمدتها لتبرر من خلالها نظرتها للقيم، للعنف والدمار والخلل والخراب الذي تحدثه الحروب والصدامات الإنسانية ما أكسبها أسلوبا راقيا في إيصال الفكرة فالوعي يرى بالبصيرة ما يخفى عن البصر وبالتالي فمنجزها يساعد في استخلاص الحكمة والعبرة، ومن هذا المنطلق ترتقي بالمحسوسات وتنتقل منها نحو عالم المجردات وصولا إلى المدركات واستنتاج المعاني والمفاهيم  فتبرز حرفيتها في استقاء المخزون الثقافي والأسطوري ليتحقق الهدف والموضوع دون مباشرة أو سطحية بطرح يتجنب الصدمة أو الإيذاء الحسي بتقديم تذوق من نوع آخر أكثر إنسانية وأبعد طرحا.

درست منى عز الدين الفنون التشكيلية في الجامعة اللبنانية ومنها تحصلت على دبلوم دراسات عليا في الرسم والتصوير وحازت على شهادة الماجستير، تعمل معلمة لمادة الفنون ومادة تاريخ الفن.           أقامت أربع معارض فردية وشاركت في العديد من المعارض الجماعية.                                    نالت جائزة جمعية الفنانيين للرسم والنحت وجائزة وزارة الثقافة اللبنانية وجائزة جمعية مؤسسة رفيق الحريري، شاركت في كثير من السمبوزيوم بزحلة أهدن عالية راس المتن جون بلبنان.

ترويض اللون برمزية التواصل مع الفكرة

يبدأ التعبير الفني عند منى عز الدين ذاتيا ومتصلا بالواقع بأحداثه وبهمومه فهو ردة فعل جمالية تزيح هوة وتسحق شحنات القلق بل وتتمرد عليها إبداعيا لتصل ناضجة ومتقنة التنفيذ فتحكي عن الإنسان أملا وحلما بحياة بسيطة، تتجمع مشاهدها ضمن شرائط ملونة تنسجم مع حركات الفرشاة المتلاحقة فتضيق وتتسع في جدلية تحاول خلق منافذ أوسع  وتثير تساؤلات تشي بإيجابية لا تفصل الذات عن الأمل، فضربات الفرشاة  تتفاعل مع التداخل اللوني لتثبت حضورا مفعما بالحركة والوعي رغم طابعه الوحشي إلا أنه يتحدى العنف بطاقة تبلور عمق الفكرة، كل هذا تكتسبه من خلال تفردها في الأسلوب وعدم اقتصارها على منهج فني واحد أو مدرسة فنية بعينها فتجربتها الفنية وكما تقوللا تنحصر في مدرسة محددة، فما أعمله هو المزج بين المدارس.. وهنا تولد هوية جديدة للوحتي تأخذ من المدرسة  دون أن تعلق بها أو تتخذها عنوانا لها..”

تقدممنىعزالدينفيمنجزهاالفنيأنشودةبصرية  فألوانها تجيد صنع البدايات والنهايات التي لا تنتهي فعليا، فهي منطلقة  بفكرة و رؤية تثير اللون ليحتوي الضوء والخط ليعانق الشكل فيتماهى الضوء مع الكلمة المكتوبة في مساحة اللوحة وتتفاعل الأشكال برؤية ناطقة داخلها مع مجسم للحيوان رمزيته تختلف حسب الموروث والمقصد فترقص الفرشاة بعفوية تقتحم عوالم مكتظة بالواقع  بالخيال والأسطورة فالأسلوب الحر لدى منى عز الدين يكسبها حرية أكبر في رسم الحكاية وتفعيل الأدوار بين عناصر اللوحة دون الخضوع لقواعد ملزمة فهي تقدم تصورا سرديا بصريا يجمع الأزمنة والأمكنة في فضاء موحد ومسخر لبناء التركيب اللوني وإعداد المضمون الذي ينقل المتلقي نحو عمقه الذاتي شيئا فشيئا.               تستحضر منى عز الدين خيالها الفني لتغمسه في فعل روحاني لتجود بعمل راق يخاطب الحواس يوحي بالبراءة والبساطة ويرتكز عمقه على الجدية والحركة، السكون والصخب، ترابط فكري خيالي يبسط التدفق الروحي ليغمر المتلقي بإحساس الانتماء رغم أن لوحاتها لا تحدد زمانا ومكانا معينا ولكن عمق تناول الموروث وسرد اللون للقصة يعزز الانتماء الواقعي الذي يتخلل الفكرة والمضمون بفعل الصياغات الدلالية والأبعاد الرمزية.                                                                                                  تجميع الألوان للتعبير عن الحالة ولخوض الحكاية تخضعه منى عز الدين إلى تراكمات حسية وفق تواتر بصري مؤنس غرابته  تحيل على حكايات طفولية متشعبة التفاصيل والعبر فاللوحة تستبطن على تعابير مركبة تستوعب ألوانا وأشكالا تحتوي داخلها أشكالا وألوانا أخرى تتلامس بحرفية فنية في التركيب تماما كتلك التي يشملها الأدب  القائم على الحكاية داخل الحكاية للتدعيم والحجة والإقناع والتمثل، فهي تبعث حركة داخل الأشكال لكي تقدم سردها بصريا، فتفاعلها مع المناخ الذي تخلقه داخل لوحاتها تتشكل معه مستوايات اللون والخطوط حسب درجات الانفعال والكم المخزن من القلق المتراكم من كل ما تحتفظ به ذاكرتها من مشاهد عنف وحروب ودمار يطال الإنسان والأرض فتتزاحم الألوان وكأنها تصارع داخل الحكاية بين تمرد وانتكاس بين ألم يطغى داخل البؤس وأمل ينفلت باحثا عن النور بين الألوان ليرتقي باللوحة تعبيرا يكمن في المزج والدمج والتفاعلات التي تتشكل بعفوية لتفكك الرموز مستفيدة من القصص المرسومة التي تستعيد الأحداث بأشكال غير اعتيادية داخل الشكل المجسد للحيوان بأمثولات شعبية تخاطب بالألوان والأشكال عين المتلقي ووعيه فيتلقاها بهاجس التفكيك حتى يمسك خيط الحكاية ويغوص في مدلولاتها.                                                                                                               إن البصمة الخاصة والتفرد الذي تحاول منى عز الدين أن تخلقه ممزوج بكل ما تخزنه من معارف  وأحاسيس وإدراك كامل لكل ما يحيط بها وما عايشته وتعايشه فيبدو التفاوت في أعمالها بين البساطة  والتعقيد في تشابك الألوان وتداخلاتها بين الفاتح والداكن ما يخلق حيوية تثير صمتا وصخبا،حركة وسكونا وهذا يؤسس حوارات بين الأضداد داخل المنجز كما بين الإحساس والفكرة والتعبير ما يخضع الأعمال إلى رمزيات ذات دلالات بصرية متعددة المنافذ فبين التدرج والانخفاض والتموج والتباين بين قوة الحركة وحكمة السكون تظهر الأحاسيس لتنشر فكرتها وتندمج معها فتخلق قربا روحانيا وحيوية داخل المنجز وألفة تخرجه من أطره الضيقة داخل مساحة اللوحة نحو أفق أرحب يجمع أكثر من ذائقة وأكثر من فكرة بعمق يستدرج المتلقي نحو إكمال الحكاية أو ربما نحو أمل نافذ يحاول الانعتاق من اللون أو من حركة الشكل نحو فضاءات أرحب.

فتناغم الضوء واللون الظل والخط الشكل والرمز في مساحات اللوحة يؤلف معان جمالية لانسجام الواقعي والخيالي التجريدي والتعبيري دون أن تنفصل عن الانفعالي ودون أن تتجاوز وعيها فهي تتخذ من كل التقنيات والمؤثرات الحسية الفكرية العاطفية وسائل للوصول إلى حقائق ولتؤكد أنها تجيد التبصر والبحث بفلسفة وجدانية وجودية تنبش عمق البساطة .

*الأعمال المرفقة:

متحففرحاتالفنمنأجلالإنسانية

Farhat Art Museum Collections

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق