بدويات

المعذبون في خيوس

بقلم: د. محمد بدوي مصطفى

جئت بصحبة مجموعة صغيرة من الأصدقاء إلى خيوس، جزيرة يونانية تقابل مدينة شيسمه بالساحل الغربي لتركيا. نحن خمسة أشخاص على وجه التمام والكمال: طبيبة نفسية، صيدلانية، طالب معلوماتية وطالب صحافة. أتينا للوقوف مع إخوتنا في مخيم خيوس والذين أتوا من كل فج عميق من كل أنحاء العالم. هدفنا أن نساعد وألا نفرق بين أحد منهم، فالإنسانية لا تعرف الجنس، اللون، الموطن، الديانة أو المعتقد. يا ليت كل فرد من هؤلاء المعذبون يصرخ ملئ شدقيه في وجوه من يحكومنا وينبح بكلمة: أعطني إنسانيتي وأطلق يديَّ!  كانت الرحلة مليئة بالأحداث، دامت يومين، انطلاقا من مدينة كونستانس، إلى زيورخ ومنها إلى مدينة إزمير بالطائرة ومن ثمّة بالحافلةإلى مدينة شسمة على ساحل البحر المتوسط. مدينة تحتفظ بقلبها المكلوم على آلام وآهات البشر، ترى من يبيعهم وتحتضن من يسرق حلّة إنسانيتهم وتسهر على المراكب المطاطية المشرأبة إلى الساحل المقابل: أروبا، بلاد الجنّ والملائكة! ينبغي علينا يا أخوتي أن نذكر المجهود العظيم الذين يقوم به الأتراك في احتضان كل هذه المآسي، وهل تعلمون أن تركيا تحتضن ما يفوق الثلاثة ملائين لاجئ، وقد تركها وتركهم الغرب في هذه المحنة تلهث ويلهثون، تكابد ويكابدون، تصارع ويصارعون أن تجد لهم ويجدون هم لأنفسهم مأوى يسكنون إليه في سكنية وخنوع. أوصدوا أبواب البندقية قائلين: من الجوّة جوّة والبرّة برّة! على كل وطأت أقدامنا هذه المدينة الساحليّة وكنّا نحمل بمعيتنا عشر من الشنط، بها القليل النبيل من الملابس والأحذية والدواء وكأنها قطرة في بحر بلا شط، وقد يكون ذلكم أضعف الإيمان. حملتنا السفينة بعد جهد جهيد لمعرفة المواعيد ومكان شراء التذاكر لعدم إلمام أهل المدينة بلغات أخرى عدا التركيّة. رغم ذلك فقد مدّوا لنا يد العون. وصلنا إلى جزيرة خيوس والباخرة يطرقها موج البحر طرقا، بل قل يقلبها بين راحتيه وكأنه جِنّي تقتعد يده أميرة معتقلة بادرتني حينئذ المراكب المطاطية التي تحمل هذه الأرواح إلى عالَم الغيب والشهادة. يا إلاهي، كيف لهؤلاء المساكين مصارعة هذا الموج العاتي. شئ لا يوصف. أرسى الجنيّ بأميرته على مرسى خيوس على الحدود، حيث قوبلنا بكل صلافة وجلافة من بني الأمن والشرطة، بدا لهم أننا غرباء!  فبدأت المساءلات من كل الجوانب، قاموا بتفتيش الشنط على أكمل وجه، وكأننا نحمل من المتفجرات ما نحمل أو أغلب الظن من ممنوعات الكون المتاحة للجميع ما نحمل.  سأل إيّانا أصلعهم:  هل تحتاجون لكل هذه الأشياء؟ لم ننبس، لأننا كنّا على علم بانقلاب نظام وموازين الحكم بالمقاطعة، حيث يحكمها حاليا حزب اليمين المناوئ لكل ما له علاقة باللجوء واللاجئين. أذكر أننا قابلنا على متن الباخرة أحد المتطوعين الألمان هو وزوجته، حدثانا عن هذا الأمر وأن نتوخى الحذر، ألا ندخل في مساءلات، نحن في غنى عنها. لفظ بجملة لن أنساها ما حييت: الخنازير تنعم بحياة أفضل من تلك التي يقاسيها اللاجئون في مخيمات اليونان.. فالخنزير الألماني يحدد له القانون المساحة التي ينبغي على الراعي أن يوفرها لمسكنه، حتى يولد كريما، يحيا كريما ويموت كريما.  أقول آنئذ: أحلال على خنازيره العيش وحرام على الناس من كل جنس؟

جئنا حاملين أنفسنا إلى جزيرة خيوس المقابلة لمدينة شسمه بتركيا، مكان انطلاق مئات القوارب المطاطية باتجاه أرض الميعاد. تنوء هذه القوارب بحمل الأطفال والنساء والرُّضع. تصارع أمواج المتوسط العاتية عندما تتوسطه كنملة تصارع أمواج المحيط. ولو أنني فِي ذاك اليوم أتيت مع رفقتي بقارب مطاطي، يوم موجه عاتٍ، لما بلغنا البرّ باليونان. أقلتنا الباخرة إلى خيوس وكان الموج يطرق في جنباتها بصلافة وحقد وكأنها يُعاقبها، ألا تبلغ أرض الميعاد ببلاد الجنّ والملائكة – الذين غابوا حقيقة في تلك اللحظة ولم نر منه واحدا. على كل بلغنا الضالة المنشودة وحملنا أنفسنا لنلتقي بمن يقفون على أمر اللاجئين من بني الرحمة والإحسان. قوبلنا بكل ترحاب ومودة. أدخلنا أعضاء منظمة سرت في صحن أعمالهم الخيرة، للأسف لم نجد مسلما أو عربيا واحدا بينهم. أين هم، وأين شهامتهم؟ بل أين شعار “أحبب لأخيك ما تحب لنفسك“؟ أصار الدين نظريا، ضاربين بمبدأ الدين المعاملة عرض الحائط؟ يا لهم من شباب أتوا من كل فج عميق، منهم من أتى من آخر الدنيا، تركوا وراء ظهورهم كل ما لديهم من حيوات. جاءوا من أجل هدف واحد: أن يحفظوا الإنسانية من الغرق! لم نشاركهم إلا القليل الذي لا يذكر مقارنة بما يقومون به من دأب، بقوة جأش ونكران ذات، ذلك ما استطعنا إليه سبيلا. من المهمات الجديرة التي وقفوا عليها كانت استقبال الهبات التي تكدست أكواما، ومن بعد فرز الآلاف المؤلفة من المؤن والدعم من ملابس وأحذية وبطاطين إذ نراهم يغرقون هم أيضا في الكم الهائل من المساعدات التي تحتاج إلى إدارة صارمة وحكمة وبصيرة حتى لا تدخل الأشياء بعضها ببعض. يا سادتي كم يعجبني الغربيين في تنسيقيهم، نظامهم، دأبهم في توزيع المهام وفي التدقيق والتخزين الخ. بعد أن أنهينا من هذا العمل الذي لا ولن ينضب، ذهبنا أدراجنا إلى المخيم الموعود. كان موعدنا مع الأخ ملك، من مدينة بسوريا وبمعاون في المخيم يُعنى بالخيم العشوائية خارجه والتي امتدت إلى ما لا نهاية. محمود يمد يد العون لآنسة متطوعة، أتت من أجل إنشاء عيادة لعلاج المرضى بالطب الصيني عبر الإبر. طفنا بكل أرجاء المخيم، تحدثنا إلى الكثيرين ورأينا ووقفنا على البؤس وخيبة إخوان العروبة بل وبؤس العالم أجمع. تكدست بين الخيم البائسة أكوام القمامة على مد البصر ونفذت رائحتها وقبع بها كل ما يمكنه بثّ الأوباء والأمراض. أخبروني عن تكاثر الجرذان المزعج بالليالي الطوال. يا سادتي أرجو من أعضاء الجامعة العربية أن يأتوا ويعيشوا ولو ليلة واحدة في خيمة قوامها خمس نجوم. يا ليتهم يحسون ما يحسّه الأطيفال الصغار، ليت لسعة البرد القارض والرياح العاتية تداعب ظهورهم المنعمة ولو لي ثانية، ليت عواء الرياح يصن آذانهم ولو للحظة، ليتهم يتلحفون الوحدة والضيم الذي يعيشه كل طفل في ذاك المخيم في كل لمحة ونفس ولو لدقيقة.

مما أدهشني حقيقة أنني ألتقينا بشابة إسرائيلية تعمل مع فريق من المساعدين السوريين. أومأت إليّ قائلة: “الأطفال وحتى الكبار يحتاجون بكثرة للدواء والعلاج الذي لا يزال ينتظره الكثيرون قرابة الثمانية أشهر.” بعد أن انتكسنا بهذا الواقع ما كان منّا إلا أن نتقسم الواجبات. فانبريت أنا والابن هاني والابن بينيت بالتوثيق للمهمة والقيام بالمقابلات وحصر المتطلبات بينما ذهبت د. نادية والصيدلانية سمر إلى صيدليات البلد لشراء ما يحتاجونه من دواء ومن مواد للإسعافات الأوليّة.

يا سادتي نحن أمام كارثة إنسانية من الطراز الأول، سارعوا بإنقاذ أهلنا وذوينا، سارعوا وإلا سقطت إنسانية كل فرد منّا على قارعة الطريق. كنوا سباقين للخير، فالإنسانية لا تفرق بين عربيّ أو أعجمي، أبيض أو أسود، والدنيا طريق إن سلكناه بحب، بلغنا مرامنا بصالح الأعمال. قوموا لإنسانيتكم يرحمكم الله!

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. جميييل جدا قمة في الروعة..
    مؤثر جدا .. ربنا يصلح الحال يارب وإلى الأمام دائما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق