سياسة

كي تعيش الحرب يجب قتلُ الحقيقة

سوسن جميل حسن

يبدأ التضليل الماكر بدايةً من صياغات لغوية محكمة لتحديد مفاهيم تصبح بمثابة أساسيّات أو قواعد ثابتة، تربط ما يليها بها، مثلما لو أنها من المقدّمات المسلّم بها التي يبنى عليها منطق واستنتاجات، كمفهوم «جرائم الحرب». هذا المفهوم الذي يطمس حقيقة لا يمكن الخلاف حولها بين فردين يمتلكان العقل السليم والضمير السليم، فهل الحرب حميدة وأخلاقية؟ أم إنها في الواقع جريمة متكاملة كيفما جاءت؟

لقد شرّعت البشرية الحرب، وصار لها قواعد تدوّنها المعاهدات والاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية جنيف، وتقول هذه القواعد: لا يمكن مهاجمة المدنيين عمدًا، ولا استهداف البنية التحتية الحيوية لبقائهم على قيد الحياة. كذلك وضعت لائحة بالأسلحة المحظورة والمحرّم استخدامها كالألغام الأرضية المضادّة للأفراد، والأسلحة الكيماوية أو البيولوجية. أو الاعتناء بالجرحى وعدم تعذيب الأسرى، بل حماية حقوقهم حتى لو كانوا من الجنود المقاتلين، وحظّرت ممارسة ما يُسمّى بـ «الجرائم ضد الإنسانية»، ومنها الإبادة الجماعية التي يعرّفها القانون الدولي على أنها القتل العمد لأشخاصٍ من جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية ما، بقصد تدمير الجماعة كلّيًا أو جزئيًّا، إلى ما هنالك من تفصيلاتٍ حول الفظائع والأعمال الشنيعة الإجرامية التي تحصل في أثناء الحروب، الداخلية والخارجية لا فرق، وآخر ما يدعو إلى الحديث عن هذه الجرائم المرتكبة فعلًا، هو المجزرة التي ظهرت أخيرا في مدينة بوتشا الأوكرانية التي يُتّهم الروس في ارتكابها.

قالت القوات الأوكرانية إن هناك أدلّة على مقتل مدنيين بالرصاص بعد تقييد أقدامهم وأيديهم. واتهمت أوكرانيا الروس بارتكابها، كما أن هناك علامات إطلاق النار من الخلف، وأناسًا قتلوا في داخل بيوتهم، ولقد شاهد العالم المشاهد والصور المروّعة على هذه المجزرة، بحيث لا يبقى مجال للتشكيك بها والادّعاء بأنّها مزوّرة ومفبركة، كما قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بغض النظر عن ما يُطرح في الميديا من فيديوهات وصور مزيّفة كل يوم، ومن تضليل يمارسه الطرفان، وهذا أمرٌ صار من ملامح العصر الرقمي والميّزات والتطبيقات الفائقة التي تُطرح للاستخدام بزخم كبير، وصار أحد أهمّ أدوات التضليل والدعاية والحروب النفسية في النزاعات والحروب.

إنها «الحقيقة الغائبة»، خصوصا في الحروب والنزاعات على مرّ التاريخ، وأكثرها وأشدّها في العصر الحديث، والشواهد أمامنا كثيرة، عدا ما يخبّئه التاريخ في خزائنه السريّة، وجديدها في الحرب الدائرة في أوكرانيا إثر الغزو الروسي أراضيها، مثلما كان قبلها في العراق وأفغانستان واليمن وسورية وغيرها في غير بلاد، الحقيقة التي هي أولى الضحايا في الحروب كما يُقال.

على شاكلة الحروب، مثلما حصل في سورية، تُكتشف جثث أو بقاياها بشكل جماعي كلّ حين، نادرًا ما يُعرف مرتكبوها المباشرون، حتى لو توفّرت بعض الأدلّة التي يمكن اعتبارها دامغة لتأكيد الجرم على طرفٍ ما، لكنّ السياسة، بدهائها ونفاقها وتزويرها وتضليلها، تعمل على إخفاء الحقائق أو تشويهها، لكن من يتابع مجريات الحرب الأوكرانية سوف يرى تشابهًا كبيرًا بين ما كان يدور في سورية وما يحصل في أوكرانيا اليوم، تدمير مبانٍ سكنية ومستشفيات وبنية تحتية ومسارح، كما في ماريوبول، ومحطّات وقود وأفران كما رأينا في سورية، حصار على المدن ومنع الإمدادات اللوجستية من الدخول، إلى ما هنالك من قرائن يمكن استدعاؤها دليلا على ممارسات متشابهة حدّ التطابق. هذا يطرح أسئلة بشأن التحقيق المطلوب، ولماذا تدور السجالات حول التحقيقات، وتجري المماطلة بالمُدد الزمنية على الرغم من أهميّة كل ساعة تمرّ على الحادثة، وما ينجم عن تأخيرها من ضياع الأدلّة أو فقدان بعضها؟

لم يعد، في عصرنا الحالي، أمر يمكن إخفاؤه، فحتى الحياة الفردية لكل إنسان صارت مكشوفة، وصرنا في العراء جميعنا، إن الأقمار الصناعية تصوّر كوكبنا ليل نهار، لا توجد بقعة في العالم واقعةً في النقطة العمياء بالنسبة إلى عيون الأقمار الصناعية التي لا تنام في سماء الكوكب، ويمكنها رصدُ أسراب الذباب وهي تتحرّك في فضائها، فكيف بجيشٍ نظاميٍّ يقوم بحربٍ تشغل العالم؟ وكيف بمقاومةٍ يتابعها العالم مجتمعًا لحظة بلحظة؟ فهذه الحرب لا تخصّ أوكرانيا وحدها، وليست المستهدفة بشكل منعزل، لا داعي إلى القول إنها حربٌ بين قوى عالمية، حرب مصالح ونزاع على السيادة والهيمنة، حربٌ تديرها السياسة التي يصنعها الاقتصاد والمال، السياسة المرتهنة إلى نهم رؤوس الأموال والاستثمارات لشركات عملاقة تتغوّل في البشرية، وهذا جعل العالم مجتمِعًا، يتلقّى الهزّات الارتدادية من جهة، والقوى الكبرى تكثّف حراكها وتستنفر لإدارة هذه الأزمة العالمية، في محاولةٍ لإعادة ترتيب التحالفات الدولية وتعديل ميزان القوى، من جهة أخرى، وإعادة ترتيب الأولويات في كل دولةٍ من تلك المعنية بالحرب، بشكل مباشر أو غير مباشر، كأوروبا مثلًا.

في النهاية، ما يحصل في أوكرانيا حصل قبلها في بقاع عديدة في العصر الحديث والمعاصر، ولم يتغيّر أداء المنظمات والهيئات والمجالس الدولية، بل تبدو كما لو أنها قامت من أجل تحقيق التوازن ورعايته في ما بينها في سيطرتها على العالم وامتلاك أسباب القوة من أجل الحفاظ على مكتسباتها ومكانتها، فما الذي يمكن لهيئة الأمم المتحدة ومنظماتها التابعة فعله طالما القوى الكبرى، ومنها دائمة العضوية وتمتلك حق النقض في مجلس الأمن، أن تفعل إذا ارتكبت إحداها جرائم حرب؟ ليس فقط إحداها، بل أنظمة تواليها أو مشمولة بحمايتها؟ هناك دائمًا «الفيتو» الذي يعرقل القرارات التي تمسّها مباشرة، هل عوقبت دولةُ من تلك الدول عمّا ارتكبت؟ هل عوقبت أميركا عمّا فعلت في العراق وأفغانستان وسورية؟ عندما وجّه الرئيس الأوكراني كلمته في اجتماع مجلس الأمن أخيرا يوم الخامس من إبريل/ نيسان الجاري، طالب الأمم المتحدة بأن تصلح ذاتها، وأن يُحاسب المعتدي فورًا، وقال إن كل هذه المذابح كان يجب أن تتوقف منذ أمد بعيد، فلو عوقب طاغيةٌ واحدٌ كان الكل سيرتدع، ربما إذا ما حورب أولئك الطغاة ما كان هناك حربٌ في بلاده، العالم سكت على احتلال القرم، كيف نوقف هذه المهزلة؟ يسأل، ينبغي أن يحاسَب كل من أصدر أمرًا بقتل الشعب أمام العالم على غرار محاكم نورنبرغ، فالمادة الأولى من الفصل الأول من ميثاق الأمم المتحدة تقول بوجوب الحفاظ على السلام والأمن الدوليين. فهل يُحفظ الأمن والسلام في العالم؟

يوجد مجلس أمن لكنه غير موجود طالما لا يضمن الأمن والسلام، على ما قال الرئيس الأوكراني. وفي هذا حدّ كبير من الحقيقة، لكن أين كان العالم ممّا جرى في سورية، عندما ترك الحبل على الغارب لكل شياطين الأرض تقتل وتدمّر وتغتصب وتهجّر بواسطة جيوش نظامية أو فصائل تساندها؟ أين الحقائق التي ما إن كانت تومض حتى يجري طمسها والتضليل بشأنها، إلى أن صارت سورية دولة فاشلة على مستوى الشعب والمجتمع والحكومة وسلطات الأمر الواقع، بلادًا مقسّمة مرتهنة في كل جزء منها إلى إرادة غير إرادة شعبها، ارتكبت بحقها الجرائم من كل الأطراف، وأوّلها النظام وداعموه؟ ولم تستطع المنظمات الدولية أن تؤثّر في واقع الأمر، أو أن تنهي الحرب الدائرة منذ 11 سنة، لأن القوى الفاعلة صاحبة القرار في المنظمات الدولية تدير لعبة القرارات من فوق، مثلما تدير لعبة الحروب والصراعات في القاعدة، في العالم أجمع، فهي تتقن إدارة خصوماتها وتواطؤاتها.

تغييب الحقائق في الحروب، أو اغتيالها، أمرٌ تسعى إليه القوى الكبرى قبل الصغرى، فهي إحدى أهمّ روافد الصراعات وتأجيجها، الحرب لا أخلاقية، ومهما وُضعت لها مبادئ وضوابط وتوصيف للجرائم المرتكبة، تبقى أهمّ وأكبر الشرور المحدقة في البشرية وفي المصير الإنساني، ومن حقّ الشعوب أن تنظر إلى مستقبلٍ تلغى فيه كل هذه المنظمات المدّعية، والأنظمة العالمية التي لم تقدّم غير الهلاك. لقد ضاقت البشرية بهذا النظام العالمي الذي كلّما اهتزّ عرشه أو عانى من أزمة، دفعت الثمن شعوب الأرض، خصوصا في الدول الفقيرة الضعيفة، قد يبدو الكلام طوباويًّا، لكن التاريخ يقدّم لنا الأدلّة على أن هذه البشرية تسعى إلى اجتراح دين جديد كلّما ضاقت بها القوالب القديمة، ولم تعد تقدّم لها الحلول لمشكلاتها والإجابة عن أسئلتها.

(عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق