ثقافة وفن

الأصالة المتطورة سميرة فرجي أنموذجا

نسرية أقروصي (تطوان)

إذا كان الشين شلالا، والعين عينا، والراء رواء، فإننا بالشعر نظل أحياء لا نموت، وإن متنا فإننا نترك صدى لا يصدأ.

يصعب الحديث عن الشعر دون الحديث عن الترجمة، ترجمة لواعج النفس وما يعج بها من ألم وأنين وفرح وسعادة، كما لا يمكن الحديث عن الترجمة في غياب الاختلاف لأنه منبع الترجمة ومرتع لعبها، إذ نترجم لنبدد الاختلاف إلى درجة انجلائه.

ولعل هذا ما حاول إيصالنا إليه الشاعر والدكتور أحمد هاشم الريسوني في مجرى حديثه عن «الائتلاف والاختلاف في الشعر العربي المعاصر بالمغرب»:

«إن الشعر في جوهره، هو ذلك الجدل القائم بين الشفاهية والكتابية، إنها حدود مبنية أساسا على الاختلاف، وعلى الصورة الأصلية ونسختها النقيضة. ويبدو أن خطواتنا، غلى الآن، منسجمة في الكشف عن ضدها الذي يمحوها، وهي بذلك تضمن التآلف المختلف، الذي يحقق مشروعية ارتباط المنهج بالموضوع»

وإذ يطالعنا كتاب الدكتور والشاعر حسن الشريف الطريبق في مدخل كتابه «القصيدة العربية الحديثة والمعاصرة بين الغنائية والدرامية» بالحديث عن معالم هذه القصيدة «الشعر القائم على الموروث في مكوناته وخصائصه وأسس تركيبه. والشعر الحريص على التحليق في الآفاق البعيدة والباحث عن الجديد، بصورة أو بأخرى».

نستشف بأن الشعر المعاصر يستمد كيانه من كوكبة الثنائيات والمتناقضات والائتلافات الحاملة للاختلافات، وكأن كلا منهما لا يستطيع المضي قدما إلا بوجود الآخر، فتمسي الحداثة امتداد الأصالة شرط التطور، تماما كما نحت تعريف مفهوم الحداثة الشاعر المسرحي الدكتور حسن الطريبق حين قال عنها أصالة متطورة.

وإذا مررنا بالتجربة النسائية المعاصرة تحديدا نجدها لا تخرج عن هذا المقام. فنقف وقفة إجلال وتعظيم لمن لقبت بخنساء المغرب وأسهمت في نظم شعر الكرامات والافتتان بالذات الإلاهية الشاعرة أمينة المريني صاحبة التجربة الناضجة المختمرة في الشعر العمودي الذي تجاوزت فيه قصائدها التسعين بيتا.

قصيدة «قد كنت»:

ولا العيـــــــــــون التي وثبها رشأ

وفين وعدا ووعد العيل ذبـــــــــــاح

ولا الشموس على الغمازتين دجى

تسيل من صحوها في الرقص أقداح

عصرت هذا البهاء الشهد من زبد

كيف البهاء من الصلصال ينـــــداح

ولكن نجد نداء التجديد بنبرة أعلى صوتا في شعر سميرة فرجي وهي شاعرة من مواليد مدينة وجدة، حاصلة على الإجازة من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الأول بوجدة بالمملكة المغربية، حاصلة على شهادة الأهلية في المحاماة، وهي محامية مقبولة لدى محكمة النقض، وعضو بالنقابة الحرة للموسيقيين المغاربة.

شاركت في عدة ندوات فكرية ومهرجانات أدبية مغربية وعربية، ونشرت دواوينها داخل المغرب وخارجه.

«صرخة حارك» «رسائل النار والماء» «مواويل الشجن» «رسالة للأمم المتحدة». ودواوين أخرى قيد الطبع.

تم تناول دواوينها بالأبحاث والدراسات من طرف عدد من نقدة العيار الثقيل بالمغرب وخارجه كعباس الجراري، ترجم شعرها إلى اللغة الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والأمازيغية والألمانية والتركية والأندونيسية.

توجت الشاعرة يوم 17 أبريل 2017 بسيدة العام في حفل كبير نظمه مجلس مدينة فاس وجمعية بوابة فاس بالعاصمة العلمية للمملكة المغربية بمناسبة اليوم العالمي للمرأة.

كما توجت بتاريخ 2 مارس 2019 بلقب سيدة الشعر العربي من طرف المركز الأكاديمي للثقافة والدراسات المغربية والشرق الأوسطية والخليجية والنادي الجراري.

حملت إذن هذه المقالة على عاتقها مهمة تحديد تجليات الأصالة والتجديد في شعر سميرة فرجي، وأول هذه التجليات: العتبات.

تجليات الأصالة والمعاصرة في عتبات دواوين الشاعرة سميرة فرجي:

باعتبار العنوان العتبة الأولى لولوج النص الأدبي، فقد حمل على عاتقه مهام ووظائف عدة أهمها وظيفة المطابقة L’identification التي تصل أهميتها إلى درجة يمكن الاستغناء بها عن باقي الوظائف، وهي مكانة سامية يبوئها جيرار جينيت بقوله: «هي أهم وظائف العنوان التي تستطيع تجاوز باقي الوظائف».

لجأت الشاعرة إلى المطابقة في عناوين مسرحياتها مطابقة تنفي كل سريالية، أو تأويل، أو حفر، في طبقات العنوان، وتحميله ما لا يطيق لفهم تلميحه وتلويحه. بل كان التطابق مع واقع حال الشاعرة، وما تعج به روحها من لواعج، وأنين.

تمزج سميرة فرجي بين الجرأة والرقة وبين القوة والحنين وبين البطولة والضحية، إذ تراها تارة بثوب اللبؤة في العرين تجلد بالسوط كل من سولت له نفسه محاولة النيل من كبريائها وكرامتها، ثم تنزع ثوب الجبروت لنراها ترق إلى حبيبها حتى تكاد تظهر كظهر فراشة تستجيب لمداعبة الرياح أينما هبت.

ما زلت أرفض أشواقي وأقبلها

كأنني قشة في كف إعصار

إنه الصراع الأبدي الذي تعيشه الأنثى بداخلها بين ما يمليه القلب والروح، وبينما يفرضه العقل والمنطق.

وإذ تحضر وظيفة المطابقة، فإننا ننفي وجود نمط الجمل المضادة L’antiphrase وهو حمل العنوان أطروحة مضادة للعمل الأدبي، أي ما يغيب في عناوين قصائد الشاعرة، وتحضر بالمقابل الوظيفة الوصفية للعناوين كما أسماها جيرار جينيت: «وهي وصف النص انطلاقا من إحدى خاصياته إما موضوعاتية أو إخبارية، سأسمي إذن هذه الوظيفة المشتركة وظيفة العنوان الوصفية».

تظهر الوظيفة الوصفية في عناوين القصائد وهي حال عاشقة تعاني أشكالا من الشجن «وجع الحنين» «على وتر الجنون» «موال الشجن».

لعل صرخة المخاض، الذي تعيشه الشاعرة سميرة فرجي، المعلنة عن الانشطار بين قوتين من قوى الطبيعة، هي ما نكتشفه عند قراءتنا عنوان ديوانها «رسائل الماء والنار» فقد خصصت الشاعرة أساليب الأمر لقصائد الشطر الأول من الديوان «رسائل النار» «افهميني، قولوا لها، ارحل!، تحرر!»، كأنها تأمر النار، التي بداخلها نتيجة الضنى وفرط الوجد، بالانجلاء والتبدد، حتى تستطيع «رسائل الماء» التي تحتل عنوان الشطر الثاني من الديوان النزول بردا وسلاما على قلب الشاعرة، فتكون بلسما لجراحها، لذلك طبع رسائل الشطر الثاني أسلوب النداء كي تكون منقذتها من الحر الذي تعيشه، «يا أعذب الناس».

عند النظر في ديوان «مواويل الشجن» لاحظنا أن عناوين القصائد يكمل بعضها بعضا، فمثلا عندما عنونت أول قصيدة لها في الديوان ب «موال الشجن»، جعلته بصيغة المفرد، لتستهل بذلك الديوان وتنهي بـ «موال الروح»، وما موال الروح سوى شجن.

ورغم الارتياع، الذي يعتري فؤاد الشاعرة والذي تفصح عنه عناوين الديوان «ما السر؟!» «أخاف!»، «طيف»، وهو خوف المحب على محبوبه، الذي ما ينفك يتخلص منه العاشق حتى يتسربل داخل روحه كما يتسربل الدم بعد قطع الرقاب، إلا أن ذلك الخوف وتلك الرهبة ما إن ينالا من ذات الشاعرة حتى تفاجئ متلقيها بما يعزز قوتها وكرامتها، فتنهال على محبوبها بأفعال الأمر «قل أي شيء» «ارجع»، لأنها تعبر عن رفضها الخنوع والانحناء، وإن قطعت أوصالها اشتياقا، فتعلن قائلة «ارجع» فأنا «لن أعود» و»لن أخطو الخطوة الأولى» فتترجم بذلك «مكابدة امرأة»، وإن كانت «في حضرة الوله» و»وجع الحنين» و»على وتر الشجون» تغني وتشهد بأنها لحبيبها ولا لغير سواه، إلا أنها تنهي القصة برمتها متخذة قرارها بالرحيل واللاعودة إذ تقول «تفارقني وأرضى بالفراق».

تجليات الأصالة المتطورة والنزعة الحكمية في الظواهر البلاغية عند فرجي

إن بوح فرجي يضمن كل ما يجعل للقصيدة العربية التقليدية وهجها ونضارتها، كما أكد على ذلك عميد الأدب بالمغرب الدكتور عباس الجراري، فتجد في شعرها رسائل تربوية وأخلاقية، بل حكما ومواعظ:

فما كل ما يسبي تخاله لؤلؤا

وما كل نجم في سمائك يسطع

ولا صدأ من غاب عنك بريقه

ولا ذهب من في عيونك يلمع

كما نجد بلاغة الألفاظ وجزالتها واغترافها من الشعر الجاهلي مما يؤكد إيمان الشاعرة بالقدماء دون صم الآذان عن التجديد والحداثة، ما يؤكد ذلك أصوات الشاعرة الغنائية التي زاوجت بين «إثارة الأهواء (الباطوس) والإقناع العقلي (اللوجوس) وإثارة الإعجاب (الإيتوس)» لإقناع القارئ العربي وإمتاعه في الآن نفسه، وتجاوز وظيفة تأثره إلى تغيير موقفه (وهو ما يؤكده ديوان «رسالة إلى الأمم المتحدة) – وهذا ما تصبو إليه الوظيفة الحجاجية – إزاء القضية أو الدعوى، وهذا ما يفسر هيمنة بلاغة «التفخيم» و»التعظيم» و»الهيبة» داخل المتن الشعري في بنية التشبيه مثلا.

أنا جبل بأوجاعي وصعب

بأن تجثو الجبال لتبلغيني

أنا كالنار أبعث من رمادي

وحمق إن سعيت لتخمديني

وسجني كالعرين به الضحايا

وفرسان الهوى من كل لون

إن لحت وقتا في سماه فإنني شمس الضحى فيها، طلعت لتأفلي!

إن تشبيه الشاعرة نفسها بالنار تارة وتارة أخرى بالجبل ليحكي قصة قلب كالأسد وهو ما يؤكد وصف سجنها بالعرين، كذلك عندما شبهت نفسها بالشمس فهي تحرق كل شيء لكيلا يبقى أثر إلا نورها الساطع.

نزعت الشاعرة إذن في هذا التشبيه إلى إثارة استحسان المتلقي لها كبطلة محتفى بها، لذلك جاءت التشبيهات البلاغية خاضعة لأسلوب التزيين نظرا لقيمة المشبه ونفاسته، كما تسمو هذه التشبيهات إلى تحريك عاطفة المتلقي فتحضر وظيفة التأثير والتأثر.

ومن الأمثلة الكاشفة عن تعامل الشاعرة فرجي مع الوجه الأسلوبي المتحقق في السياق، الطباق: «فذكر أحد المتضادين أو المتقابلين ينبه الذهن لإدراك المتضاد أو المتقابل الآخر حتى إذا ذكر أدرك العقل صورته على غاية الوضوح فكذلك الانفعال المصاحب لذكر أحدهما يهيء النفس لمزيد التأثر من الانفعال المصاحب لذكر الآخر».

فبلاغة المقابلة بين الحياة والفناء تتمثل في التأثيرين العقلي والعاطفي، فهي حجة عقلية لأنها تستدل على المعنى وتحمل على توضيحه وإدراجه بناء على وضعه في حالة تضاد، وهي حجة عاطفية لأن هذا التضاد أو التقابل بين الضدين يصبح إحدى الوسائل التي تحرك أهواء الحب والميل إلى الطرف الأول والكراهة والنفور من الثاني. وهذا ما يؤكده البيت الأخير الذي ذكرناه، إذ نجد أن الشاعرة تروم بهذا الطباق (طلعت لتأفلي) ضرورة التحبيب والترغيب في سحر الشاعرة لقوة جبروتها وحسن جمالها، والنفور والابتعاد عن غريمتها.

كما تظهر المقابلة في قول الشاعرة:

لكنه الحب أشقاني ودللـه

ليمزج الشهد بالأشواك، أواه!

ففي شقاء الشاعرة دلال محبوها، وفي الشوك الذي تجرعت مرارته شهد غارق هو فيه. فتحط الشاعرة من شأن عشيقها الخائن لترسمه لنا كإنسان عديم المروءة والشهامة والإخلاص، في الوقت الذي تفانت فيه هي في وفائها.

فهيا اعترف للعاشقين وقل لهم

أنا في الهوى لما فديتك بعتني!

فضلا عن بلاغة المقابلة فإن «التقديم» مؤشر أيضا لإثارة الانفعالات وإحدى الوسائل اللغوية والخطابية التي تصنع بلاغة الانفعالات في الكلام، وقد استخدمت الشاعرة هذا اللون البلاغي بشكل ملفت في جميع دواوينها، ولا ننكر مدى الإثارة التي تجعلها تتأثر وتؤثر في المتلقي، الذي نجحت في استمالته في وقت عمت فيه قوالب شعرية تنأى عن العمود، وقضايا اجتماعية عامة لا تسبر أغوار الذات، فبوح الشاعرة يخترق الأفئدة دون استئذان ويدغدغ المشاعر ويجتاح الوجدان.

سمعتك يا بحر الأسى أشجاني تشكو جراحا حرها أضناني

تعمدت الشاعرة تقديم «حرها» لما للفظ من أثر كبير في نفس المتلقي، إذ تهيج مشاعره لاستمالته، فتحقق بهذا التقديم والتأخير وظيفة استحضار الموضوع في ذهن المتلقي للتصديق به، وهو ما لا يتحقق مع التقديم الذي تنحصر وظيفته في الإخبار الذي يفتقر إلى التحقيق والتصديق.

وهدف فرجي هو جعل المتلقي العربي يصدق دعواها ويرأف بحالها لأنها مظلومة، فتحقق بذلك الوظيفة الحجاجية.

لقد جاءني في الليل طيف ملثم

وبين يديه قلبه يتكلم

أنا العاشق الولهان جئتك شاكيا

وفي أضلعي نار الهوى تتضرم

فقلت له: ويحي لماذا فضحتني

وجئت كما المجنون حولي تحوم

أما خفت من عين الرقيب وإخوتي؟

فلو خبروا بالأمر، ظهرك يقصم!

ولتحقيق التأثير الجمالي المنشود نرى الشاعرة تنوع في الأسلوب والمعاني والأبنية اللغوية وغيرها: «فالتنويع والتفنن خطة بلاغية تناسب المبدأ الذي بنى عليه المؤلف مفهومه للبلاغة وهو الاقتصاد على القوة المتأثرة للمتلقي، وعدم تحميلها فوق طاقتها، فهذه القوة في حاجة إلى ما يجدد نشاطها ويدفع عنها الملل الذي يسرع إليها».

وهذا ما نلمسه عن قرب في قصائد الشاعرة التي بنيت على الاختلاف على مستوى البناء والمعاني والصور والمعجم والإيقاع، فتارة نجد وصفا بأسلوب قريب من الأنسنة والتشخيص.

سمعتك يا بحر الأسى أشجاني

تشكو جراحا حرها أضناني

إني أراك بعين قلبي باكيا

وكأنني لما أراك أراني

حتى كأنك من كياني نابع

متدفق الصبوات والأشجان

المد مدي وانسيابك من دمي

والجزر جزري والمكان مكاني

فكأنني بلسان موجك أشتكي

وكأن موجك يشتكي بلساني

ولا تستغني شاعرة الوجدان عن عماد الشعر العربي وهو الوصف.

أنى لهم أن يسعفوا قلبي الذي

خبر العنا أو يخمدوا تحناني

ماض على حجر الزمان نقشه

وجراحه أقوى من النسيان

طال الجفا وكلانا اليوم خافقه

يستل قسوته من صلب أحجار

أما علمت أن الشوق يجذبني

إلى ديارك سرا مثل تيار

لكنه الكبر مثل السوط يجلدني

جلدا ويسبق خطوي رغم إصراري

وتستعمل الشاعرة أسلوب المدح متغزلة بمحبوبها، فالانتقال من صورة إلى صورة في سائر ما يأخذ به من ضروب الهيئات الكلامية، لا يطيل في شيء مما يأخذ به من الوصف ولا يكثر من موالاة معنى بعينه من معاني المدح.

فأنت هلال بهي السنا وإني خلقت لكي أكلمك

أنور ظلك مثل ضحى وأنت تنور كل الفلك

إن متن الشاعرة ليستجيب لما عرفته آخر التطورات في علم البلاغة فيما يسمى بالبلاغة الموسعة التي أحرقت الحدود الفاصلة بين بلاغة الإمتاع وبلاغة الإقناع كما لم ترسم حدودا واضحة المعالم بين النثر والشعر.

تجليات الأصالة المتطورة في البنية الإيقاعية عند فرجي

هذا فيما يخص الظواهر البلاغية، أما بخصوص البنية الإيقاعية للقصائد الشعرية، فإن المتأمل في هذا المتن الشعري ليقر منذ اللحظة الأولى باعتناق الشاعرة الشعر العمودي بتمسك وتشبث واضحين، لتفصح لنا ضمنيا عن نهمها من شعر القدامى، فرغم إلباسها القريض قضايا معاصرة، إلا أنها أبت إلا أن تحافظ على قالب بنية القصيدة العمودية القائمة على وحدة الوزن والقافية والروي. فاستعملت بحر البسيط مع بعض الزحافات والعلل كالخبن والقطع، وبحر الطويل بشكل ملفت.

شكوت إلى طير الأراك سقاميا أنينيهمومي.. صبوتي..وعذابيا

إن غبت عنا فمن في الكون يحمينا ومن تراه كضوء الشمس يسبينا

ومن المعطيات التراثية التي استطاعت الشاعرة توظيفها في قصائدها تقنية التصريع إذ لا يخلو مطلع قصيدة من قصائدها الحديثة من التصريع، وهو فن يغني موسيقى القصيدة، ويكشف عن اقتدار الشاعر وكفاءته، وقوة شاعريته. إلا أنها لم تستعمل التدوير الذي كان ملجأ الشعراء القدامى واستعملت التكرار.

أبكي ديارا قد تفرق أهلها فتجمعت في رسمها أحزاني

أبكي على مدن توارى طعمها ودعت بين دروبها إنساني

أبكي على الزمن الجميل وأهله أبكي على الأحباب والخلان

أنى لهم وهم الذين تعربوا في بعدهم، أن يحسبوا طوفاني

أنى لهم أن يسحقوا قلبي الذي خبر العنا أو يخمدوا تحناني

ما زلت أرفض أشواقي وأقبلها كأنني قشة في كف إعصار

مازلت أنسج أحلامي وأنقصها وأوهم النفس في حبي بأعذار

تجليات الأصالة المتطورة في القضايا المثارة في شعر سميرة فرجي:

الشاعرة سميرة فرجي مطواعةبما أنها شاعرة معاصرةلما تمليه عليها الحداثة من ارتباط قريضها بقضايا عصرها، فتنطق عن أصوات متعددة، أي باسم الجماعة مع كثير من الموضوعية، ولا تقتصر على الذاتية والوجدانية، وأحادية الصوت وإن كانت لها حصة الأسد في المتن.

فنجد تارة أحادية الصوت في التعبير عن الذات: “جراحاتي، نفسي، تركيعي، يدي، هواياتي، تريدني، آهاتي، صنعتك، وفائي، وجدي، سهري، كفاحاتي، انتصاراتي“.

فالخطاب واضح صريح، يمكن إجماله في كون الشاعرة قد صنعت رجلا، بكفاحها واستقامتها، لتكون بيدها قد رسمت جراحها وآهاتها، لأن المقابل كان العذر تارة وعدم الوفاء، وتارة أخرى إهمالا مميتا، وفي رأينا نجدهما وجهين لعملة واحدة، ففي الخيانة إهمال، وفي بعض الإهمال خيانة

وأما تعدد الأصوات فيظهر في إبداع الشاعرة من خلال تعبيرها عن الجماعة، فإذا كانت في الصوت الأول تنطق باسم كل أنثى تكابد من أجل عدم الانحناء والانصياع ذلا للحبيب مهما كان الثمن باهظا، فإنها في الصوت الثاني تحمل صوت كل المغاربة الذين تتخبط كبدهم للحفاظ على الصحراء المغربية، ورفض كل من يتحرش بشبر واحد من أرضها الطاهرة: “أتينا، نرفع، نشهد، أخلاقنا، أيامنا، هويتنا، أجدادنا، صحراؤنا، مغربنا، مضاربنا، رسخنا صرنا، أوجاعنا، يعلمنا، عروبتنا، أقسمنا، حرمتنا“.

إن الرسالة إلى الأمم المتحدة لتحمل نبرة الثورة والتحريض، وغضبا بصوت عال جدا تحمل فيه شاعرتنا غضبا شعبيا عارما، مفاده الحفاظ على الوحدة الترابية للمغرب التي كلفت شعبها ودولتها الكثير، فقد بنيت على أوجاع ودماء يشهد لها التاريخ وقد كان القسم الجليل المبارك الذي التحم فيه المغرب سلطة وشعبا قسما رسخت به الدولة أوتادها بمضاربها.. بصحرائها.. لترفع به رايتها، وتشهد الأمة على أنها جزء لا يتجزأ من هويتها وأنها أرض أجدادها..

مثلت فرجي شكل شاعرة الثورة بامتياز فنفس المقاومة والعنف لا يغيب في الرسالة، وقد أحسنت تموقعها، فلم تكن تلك الشاعرة الهامشية التي تؤدي ضريبة الاحتجاج والرفض، بل بوأتها مكانا أكثر رفعة وسموا، حيث نفذت بأسلوب بديع وشعر أنيق ومعان خلاقة وقواف منتقاة إلى الحقائق الإنسانية والكونية، فلم تكن ملتصقة بمغربها التصاقا خارجيا، وإنما نابعا من صميم فؤادها، فرجي هي الشاعرة المتجددة والمنغمسة في التراث في الآن نفسه، شقت طريقها إلى قلوب المغاربة والعرب، فسرت بخطى حثيثة نحو تطوير القصيدة العربية.

والمتأمل في أول ديوان صدر لها، وآخر قصائدها التي مازال يجري تجميعها في ديوان واحد، ليحسن تقييم التطور السريع الذي طال متن الشاعرة، فهي لا تخدر جمهورها أو تمنحه الحبوب المهدئة في شعرها، وإنما هي حمالة رسائل توعوية تحمي بها بلدها وشعبها.

وتصرخ في وجه الظلم أيضا في شعرها الغنائي الذي ربما يظهر للعيان غارقا في الذاتية والوجدان، إلا أننا نرى في الشاعرة صوت المرأة العربية التي تصارع من أجل البقاء وفرص ذاتها بكل أنوثة ورقة، والصمود في وجه الرجل وبطشه وظلمه إذا ما حاول المساس بالذات الأنثوية، وما يدفعه إلى ذلك سوى خوفه من قوتها فيربكه ذلك ويزعزع ثقته بنفسه فلا يتردد في رفع السلاح في وجهها.

هنا نسجل تقاطع الذاتية مع الموضوعية، فأي ذاتية تظل للشاعرة وهي تتحدث باسم آلاف النساء اللواتي يعانين الخطب نفسه.

وإن كانت الشاعرة تميط اللثام عن نفسها الجياشة وتطلعنا على ما يخالج صدرها من لواعج وأنين  فإنها تسربل بذلك الحنين وتلك اللواعج قضايا فكرية مهمة، وهذا ما يسمى بالموقف الأدبي وهي الدرجة التي يصل بها الشاعر إلى مرتبة المؤثر الحقيقي في المجتمع.

ولعل تأثر الشاعرة بتراثها ليظهر ليس فقط في البناء العمودي وإنما كذلك في ذكر بعض الأعلام التاريخية التي رسخت أسماءها في عالم العشق والهيام.

حين ترى دمعي السخين تخالني عبيلة تبكي أو بثينة تخشع

كما يظهر ارتباطها بالتراث كذلك من خلال اقتباسها من أشعار امرئ القيس.

فقلت له ويحي لماذا فضحتني وجئت كما المجنون حولي تحوم؟!

أما خفت من عين الرقيب وإخوتي؟ فلو خبروا بالأمر، ظهرك يقصم!

فقال: أنا لا أعرف الخوف في الهوى ومهما تفشى سرنا لست أحجم

فإن حطموا قلبي فأنت مكانه وإن أحرقوا جلدي فوصلك بلسم

ولو أذهبوا عقلي بحبك أهتدي وإن أرهقوا روحي فصوتي أرحم!

وهذا اقتباس من قصيدة امرئ القيس حيث قال:

فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي

قريض فرجي كالبنيان المرصوص، منمق، منحوت نحت التماثيل، يضرب أعشار الخيال، يخرق أفق انتظار المتلقي، يغازل الظواهر الطبيعية، يشنف الآذان المرهفة التي تستلذ جمال البوح، قريض ينم عن سليقة في غاية التميز، يقر بولائه لوطنه وعروبته ولغته.

لقد جددت الشاعرة فرجي بيعتها للقصيدة العربية القديمة الأصيلة المتينة المحافظة على جزالة اللفظ وفصاحته.

لم تكتف فرجي بسجيتها بل أضافت إليها تفتقا ومساحات جديدة ليتسع أفق إبداعها: “إن كل إبداع هو في آن، ينبوع وإعادة نظر: إعادة نظر في الماضي وينبوع تقييم جديد“.

إن تكبيلها بالولاء العقائدي للشعر القديم ليظهر في معظم قصائدها، إلا أن هذا لم يأسر الشاعرة أو يحصرها في الزاوية، بل استنبتت من تراثها أجمل المعاني والقيم واستطاعت تحيينها في واقع ربما قد صار في حاجة ماسة إلى ملامسة هذا التراث والعودة إليه، فلا نرى في محافظتها على القصيدة العربية القديمة إلا زيادة في الإبداع وتصريحا مباشرا يعلن عن الظواهر السياسية والاجتماعية المدانة، كما لا نلمس التصنع الذي طالما اتهم الشعر العمودي به، فلا نجد الشاعرة ترسف في أغلال الشكلية والصنعة، بل فجرت طاقة جديدة متحررة مضيئة تضمن لها البقاء.

استطاعت فرجي طرح رؤاها بقوام القصيدة الرشيق، وشكلها الإيقاعي المنغوم، أن تهب الحركة النفسية من إيقاع الكلمات ومقاطعها فتمسي القصيدة سنفونية تصل بين النفس والكلمة.

إن ملامح القدرة الشعرية عند الشاعرة كافية لمنحها التفرد والتميز المنشودين في وقت ربما أصبحت فيه القصيدة العربية تحلق في عالم المنثور والتفعيلي، ففرضت نفسها قلبا وقالبا معلنة فتح باب الإبداع على مصراعيه محافظة على رنين القدماء وأشكالهم، واعية بمواقف الحياة التي تهم جماهير الشعب وعيا عميقا، فقد ظلت مشاكل أمتها السياسية والاجتماعية لصيقة بأعصابها ودمها إلى آخر بيت نظمته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق