سياسة

من يحكم من ومن الرفيق ومن العدو؟

الراهن السياسي (ديفاجو سياسيو السودان)

نزار الحاج

قلنا في أسفار سابقة أن الأزمات السياسية المتلاحقة التي أنهكت الوطن وتجرع منها غصص الجوع والفقر زمنا طويلا، كان من أسبابها الرئيسية هو تهافت الأحزاب السياسية وتكالبها نحو السلطة، مما أفسحت مجالا للعسكرين المؤدلجين يحكموا سيطرتهم على مقاليد الحكم ويئدوا أي منسم للديمقراطية، كما ذكرنا أننا بصدد اختيار نموذج يمكن أن يكون ترياقا مضادا لما جبلت عليه التركيبة السودانية من العداء المتواصل وحب التملك والمزاج المتقلب، فاختيار شخصية وطنية تتميز بالسماحة والحكمة والرشد في واقع سياسي متأزم واجتماعي مفكك واقتصادي منهار لهو من أساطير الأولين، وهذا لا يمنع أن نجد في معية التاريخ ما تتشرف أضابيره بشخصيات وطنية كان لها الباع في ممارسة السياسة وفنونها بحكمة لا نظير لها، فأصبحوا نماذج يحتفي بها.

ونحن في أتون المعركة، لابد أن نسأل: ألا آن للنفس السودانية السمحة أن تستريح من غلواء بطش النظام عليها؟ وخذلان أحزاب الرقع والفكة لها

قراءة الأحداث والتنبؤ بما ستؤول إليه مجريات الأحداث، هو فن جدير بالاحترام، ولا يحسنه إلا المشائيون الذين يعبدون الطريق وهم في الظلام، وتلك الفئة من الناس، لهم كاريزما خاصة وعقل متفرد، لا تري أبدا بالعين المجردة، فلابد من الفحص والتدقيق والمصاحبة زمنا طويلا.

هناك سياسيون سودانيون استطاعوا أن يبلغوا هذه المرحلة ولكن إما للعصبية القبلية المتزمتة أو للنظرة الميكافيلية الضيقة في تدارك الفرص، كانا سببا في إجهاض الكثير من المواقف السياسية، وهناك الكثير من النماذج في تاريخنا الماضي والمعاصر تسابقت في مضمار وجودها وحظيت فقط بشرف المحاولة إن لم نقل خيبتها في تفقد الفخاخ التي نصبت لها في منتصف الطريق ، فحزب الأمة والاتحادي بقيادة سيديهما الصادق المهدي رحمه الله والميرغني، يعانيان من متلازمة الزعامة والحق المسلوب، وكان ذلك سببا في تأرجح قراراتهم بين المتمنع تارة والمتحفظ تارة أخرى رغم إسهامهم الفكري الواضح في تاريخ السياسة السودانية، إلا أن صفة الضبابية في المواقف والقرارات هي التي جعلتها دوما غائبة عن كواليس السياسة وما يجري فيها، وهذا ما أدى إلى العمى المطبق في قراءة الأحداث، أما عن رديفهما في خندق المعارضة الحزب الشيوعي السوداني فلم يكن حظه أوفر في هذه الصفة، فالشيوعيون دوما كانوا خميرة عكننة على طاولة المفاوضات والاتفاقيات، فكان الصوت الأعلى في الاعتراض ويبدو أنه قد حقق الرقم القياسي في ذلك، فرفضه يأتي من خلال نظرته لمآلات الأحداث وتصاعد وتيرة الأحداث أو هبوطها، وهذا يأتي من خلال اعتماده على السرية والصمت الطويل في مواجهة الأزمات، ولكن رغم حرصه على قراءة ما يدور في الساحة السودانية، وما يدور خلف الكواليس ومراجعة كل ما هو مكتوب في أضابير القدامى من قصص وحكايات مشابهة يمكن مقارنتها بما تحدث الان، إلا أنه يميل إلى إثارة الفوضى والعنف في المواجهة وذلك من وراء حجاب، من خلال حصون القوى السياسية الأخرى، هذه السقطات والحماقات المتكررة في تفهم الراهن السياسي هو الذي جعل سياسيو السودان في حالة أشبه بالتلبك الرؤيوي في تحسس أماكن الزلل والانهيار، على مدى ثلاثون عاما أو يزيد ما زالت الأحزاب تتخبط وتختلف وتفترق وتتشرذم ثم تزول، سابحة في ضباب التاريخ.

لقد أصيب سياسيو الحاضر بأزمة (الديفاجو) لقد عبروا هذا المحك قبل الان، وقد تعاملوا مع هذا الموقف قبل الان، ومازالت تجارب الماضي عازفة عن نحر الموقف كما هي، دون تحديث أو ترقيع مستحدث أو ثوب جديد يجب ما قبله.

لقد تناسى سياسيو الحاضر ما حدث في الماضي القريب من إجمالي الاتفاقيات ومفاوضات المائدة المستديرة مع بعضهم أو مع فرسان طغمة النظام البائد الذي استطاع أن يقدم أقذر ما عنده حتى يستأثر بسلطة الجاه والمال ويوقع أحزاب الرقع والفكة في نفس الفخاخ التي نصبوها لهم من قبل.

لقد تناسى سياسيو الحاضر بأن ما كان من حجب الحقائق والتستر على الفضائح الأخلاقية والتاريخية والتي أصبحت ظاهرة قميئة خرجت من بيوتات الشرف والعزة إلى بيوتات الظلام والعتمة والنوايا الضحلة التي لا تمت للشخصية السودانية في شئت.

لقد تناسى سياسيو السودان الفشل الذريع الذي لاقوه من الحكومات الديكتاتورية في السابق، والحماقة السياسية في معالجة الأمور وبسط أشرع سفينة الوفاق والسلام المنتظر، خصما علي تاريخهم الفكري الطويل وفقر نتاجهم المعاش.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق