سياسة

الكرملين “روسيا المقدسة” خلف تلك الجدران الصامتة (2-2)

جعله إيفان "رهيباً" وهجره بطرس الأول وقصفه لينين وسكر فيه يلتسين ودخله بوتين من أبواب سرية

حسان الزين

يقع الكرملين فوق تل بوروفيتسكي على الضفة اليسرى لنهر موسكوفا، وقد لعب هذا البعد الجغرافي البصري دوراً في تكوين “الموقع الرمزي” للكرملين، فالحصن الذي أسسه الأمير يوري دولغوروكي عام 1156، بات لا يمكن النظر إليه باعتباره لوحة طبيعية غنية بالألوان والمفردات المعمارية والدينية فحسب. لقد تحول منذ إيفان الرهيب (1530- 1584)، عندما اكتملت ملامحه بوصول الفنانين الإيطاليين، وفق فرنان بروديل، إلى رمز للسلطة وتجسيدها. فالكرملين هذا، الذي يدمج الفن بالسياسة والدين، يمثل روسيا ودولتها المركزية وقوتها وتوسعها الإمبراطوري، ويمثل النظام البوليسي الرهيب “الأوبرتشنا” (Opritchina) الذي أرساه إيفان ومكنه من سحق معارضيه، ويمثل حلم روسيا القيصرية (Tsar) بأن تكون روما الثالثة. وأُريد لهذا الصرح- الرمز- المشهد أن يمثل عظمة روسيا ولقائها مع العالم، أو استيعابها له فنياً وحضارياً.

وعلى الرغم من ذلك، ترك بطرس الأول “صرح الهيبة” هذا، وقرر في عام 1712 نقل العاصمة إلى ضفاف نهر النيفا، حيث بنى مدينة جديدة، بطرسبرغ. لقد اعتقد أن بناء الأمة الروسية والدولة “الحديثة”، العسكرية والصناعية، يستوجب الاقتراب من أوروبا والابتعاد من “جو موسكو الكنسي القاتم وروحها القومية الضيقة”، وفق ديورانت في “قصة الحضارة”.

أما موسكو، يقول بوشكين، فـ”أحنت رأسها أمام العاصفة الجديدة، كما تنحني أرملة الإمبراطور أمام إمبراطورة شابة”.

وبعد نحو قرنين قرر البلاشفة بقيادة فلاديمير لينين خلال الأشهر الأولى من سيطرتهم على الحكم (1917)، نقل مقر دولتهم المركزية إلى الكرملين. وبعد نحو أربع سنوات، 1922، اختاروا موسكو عاصمة للاتحاد السوفياتي، وبقيوا في الكرملين سبعة عقود ونيف.

بروز موسكو وإيفان الرهيب

وتقول الحكاية الروسية إنه في أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد وطأ الإنسان أرض غابات الصنوبر الكثيفة تلك، وهناك نشأت المستعمرة السلافية الأولى التي وضعت أسساً لمدينة موسكو في النصف الأول من القرن الـ 12 الميلادي وشيدت في أعلى موقع من التل في عامي 1326- 1327 كاتدرائية أوسبينسكي باعتبارها الكنيسة الرئيسة للإمارة وكاتدرئية أرخانجلسكي (رئيس الملائكة ميكائيل)، وغيرهما.

يرد في “دائرة المعارف”، “أصبحت موسكو عاصمة إمارة مستقلة منذ أواخر القرن الـ 13 إلا أنها ظلت إمارة ثانوية. وكانت جارتها في الشمال إمارة تفير (اليوم: كالينين) أقوى منها وأوسع نفوذاً. فكان من دهاء صاحب موسكو أن استفاد من توجس التتار من تجمعات الأمراء الروس حتى وسع إمارته على حساب هؤلاء، فبرزت موسكو عاصمة كبيرة منذ عهد الأمير إيفان دانيلوفتش أو إيفان الأول الملقب ’كاليتا‘ (والمقصود: كيس النقود) (1325- 1341). وقد استطاع أميرها بمساعدة التتار، إخضاع إمارة تفير سنة 1328، فغدا أميراً أكبر. ولم يلبث التتار أن عهدوا إليه في جباية الإتاوة من جميع الأراضي الروسية فأفادوا واستفاد. وزاد في تقدم عاصمته أن متروبوليت الكنيسة الأرثوذكسية نقل كرسيه إليها من (إمارة) فلاديمير، فعمل على مساعدته وتقوية سلطته. وشيد إيفان في عاصمته كنائس، وباشر ترميم قصر الكرملين سنة 1339. ومعنى الكرملين باللغة الروسية القلعة. وقد كان في كل من المدن الكبيرة كرملين. إلا أن كرملين موسكو غدا أشهرها لفضل المدينة التي أصبحت الدولة، فأصبح الكرملين علماً للقلعة القديمة وما أضيف إليها في ما بعد من قصور ومعابد ومتاحف وحدائق” (المجلد

نظام الحزب الواحد

لعل البعد الأبرز لقرار البلاشفة الانتقال إلى الكرملين، بعد توقف الحرب، هو الاستدارة من الخارج إلى الداخل، هو الاكتفاء بالذات، على الأقل حتى حل النزاعات والمشاكل الداخلية، مع تشجيع “الثورات” في الخارج. وإذا كانت بتروغراد، كما أرادها بطرس الأول، نافذة روسيا على أوروبا، فإن موسكو مركز الدولة المركزية التي سعي لها البلاشفة على مساحة الإمبراطورية الروسية.

فآنذاك أيضاً، نشط البلاشفة تفاوضياً وعسكرياً لفحص توجهات الشعوب والبلدان التي كانت ضمن أراضي الإمبراطورية الروسية، إذا ما كانت تريد المغادرة أو البقاء ضمن الدولة العتيدة. وفي حين رفع لينين شعار “حق الشعوب في تقرير المصير” أدار مفوض القوميات (أي الوزير) ستالين عملية التنفيذ. وعليك أن تتخيل كيف جرى ذلك! وفي حين أفضت المفاوضات مع فنلندا، القريبة من بتروغراد، إلى خروجها من الدولة البلشفية بقيادة روسيا (وكانت موافقة ستالين على ذلك مستغربة)، فإن السلطة البلشفية الجديدة في الكرملين رفضت، بل حاربت، خروج أوكرانيا القريبة، جغرافياً، من موسكو.

هكذا، شكل الكرملين، في الواقع وفي الصورة أو المفهوم، مركز الدولة الموحدة الواحدة. وبعدما كانت بتروغراد عاصمة الإمبراطورية الروسية التي تحتل أو تسيطر أو تنفتح على البلدان الأخرى، فإن الكرملين، في موسكو، بات مركز البلدان الخمسة عشر التي بقيت أو أُبقيت ضمن الدولة البلشفية.

إضافة إلى هذا البعد لقرار الانتقال من بتروغراد إلى موسكو- الكرملين، هناك بعدٌ يتعلق بالنظام السياسي. فقرار الانتقال اتخذه ونفذه الحزب البلشفي بعدما انفرد في الحكم إثر رفض شركائه مشاطرته مسؤولية عقد صلح بريست- ليتوفسك. وقد تحول الخلاف السياسي مع عدد من الأحزاب صراعاً وحرباً.

وكما جرى الانتقال من بتروغراد إلى موسكو كذلك بدأ الانتقال من صورة لينين ورفاقه في الساحات والتظاهرات واللقاءات الشعبية إلى الدولة. مذاك بدأ بث صورة لينين في الكرملين: لينين القائد، لينين مدير المعارك، لينين المثقف، لينين الاقتصادي… إلخ.

الكرملين وكومونة باريس

ليس غريباً أن تدور أحداث مسرحية “صلح بريست” للكاتب السوفياتي الشيوعي ميخائيل شاتروف، في بتروغراد، في حين مسرح دراما “البلاشفة”، للكاتب نفسه، هو موسكو- الكرملين.

فالمعروف أن البلاشفة لم ينقلوا مركز سلطتهم إلى موسكو- الكرملين إلا بعد “صلح بريست”. لكن الأهم من هذا هو أن مسرحية “صلح بريست”، التي تدور أحداثها في الساعات الأخيرة من سنة 1917، تلقي بشكل غير مباشر الضوء على جانب درامي غامض في علاقة البلاشفة بالكرملين.

ففي السطور الأولى من مسرحية “صلح بريست”، يقول دزرجينسكي (من وراء الكواليس)، بحضور لينين وستالين وكولنتاي وبوخارين: “تهانينا أيها الرفاق الأعزاء بالعام الجديد 1918، وباليوم الـ 69 لوجودنا في السلطة. بقيت لنا فترة قصيرة جداً لنستكمل الفترة التي دامت فيها كومونة باريس: يومان فقط”.

يبوح هذا المشهد، ومراجع تاريخية أخرى، بأن البلاشفة الذين لم يكونوا مؤهلين لتسلم السلطة كانوا قبل الانتقال إلى الكرملين قلقين على حكمهم واستمراره. وعلى الرغم من أن “صلح بريست” هو ما منح البلاشفة بعض الثقة، إلا أن اتخاذهم الكرملين مركزاً لهم بعد مرور 71 يوماً، أي عمر كومونة باريس، يعني أن الكرملين عنوان ثباتهم في السلطة. فالسيطرة على الكرملين عسكرياً وسياسياً بحد ذاته سيطرة على السلطة. وأعقبوا ذلك بمهرجان يرمز إلى السيطرة المعنوية والعقائدية. لقد نظموا جنازة “ثورية” لـ “شهدائهم” لم يكن للمؤسسة الدينية أي دور فيها.

يروي ريد: “نزلنا شارع تفيرسكايا ترفرف فوقنا الأعلام. الكنائس الصغيرة على طريقنا مقفلة مظلمة، وبينها كنيسة العذراء الإيبيرية التي كان يزورها القياصرة قبل التوجه إلى الكرملين، ليتوجوا أنفسهم، والتي كانت مفتوحة ليلاً نهاراً، ومزدحمة بالناس، ينعكس فيها ضوء شموع المؤمنين على الأيقونات الذهبية والفضية والمرصعة بالجواهر. ويُقال إن هذه المرة الأولى التي تُطفأ فيها الشموع منذ أن كان نابليون في موسكو”.

يتابع: “كانت الكنيسة الأرثوذكسية المقدسة قد سحبت بركتها عن موسكو بعد أن أصبحت عشاً للثعابين الكَفرة الذين قصفوا الكرملين. الكنائس مظلمة وصامتة، والكهنة قد اختفوا. لم يحضر الجنازة الحمراء أي رجل دين. لم تُمنح بركة الميرون للموتى، ولم تُرتل الصلوات على قبور المجدفين. وبعد ذلك بقليل، أعلن تيخون، متروبوليت موسكو، تحريم السوفيات، وتدفق البشر كالسيل الجارف بالآلاف المؤلفة من كل الطرقات المؤدية إلى الساحة الحمراء، وجميعهم من الفقراء والكادحين. ثم جاءت جوقة عسكرية، تعزف النشيد الأممي، وبشكل عفوي، أخذ اللحن يستحوذ على الناس، ويتسع بهدوء وجلال مثل اتساع التماوجات التي تحدثها الريح على سطح الماء. وتدلت من أسطح الكرملين بيارق حمراء ضخمة، كُتب عليها بالأبيض ولون الذهب: ’شهداء بداية الثورة الاجتماعية العالمية‘ و’عاشت أخوة عمال العالم‘” (371).

لغز ستالين

لستالين قصة بفصول كثيرة في الكرملين منذ دخله مفوضاً للقوميات مع تسلم حزبه البلشفي السلطة في البلاد. فمذاك سكن هذا الشاب الثوري الفقير الآتي من مدرسة تعليم اللاهوت في وطنه جورجيا في قصر القيصرية المحروس بالكنائس. وهناك، اتخذ شقة وصفها رفيقه المتمرد عليه نيكيتا خروشوف بـ “الكئيبة”.

وفي الكرملين، بات ستالين أميناً عاما للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي. وهناك استغل مرض قائده لينين فأبعده فاتحاً الطريق للتخلص من المنافسين والمعارضين.

ويُروى أن ستالين بقي في الكرملين إبان الحرب العالمية الثانية. وقد تحول الكرملين آنذاك، تحت وطأة الحرب والواقع العسكري القتالي، وفق موسوعة ريمون كارتييه، “إلى بيت من بيوت السكن”، مثلما بات مسرح “بولشوي” “شبكة من الأزقة”.

وفيما كانت موسكو بعيدة من الحرب، وقع ستالين في الكرملين، في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) 1941، اتفاقية مع بعثة أميركية – إنجليزية يترأسها اللورد بيفربروك وإيفزيل هاريمان تحدد فيها الدولتان الغربيتان المساعدة التي تلتزمان بتقديمها إلى الاتحاد السوفياتي، من الأول من أكتوبر 1941 حتى الأول من يوليو (تموز) 1942، وهي 3 آلاف طائرة، 4 آلاف دبابة، 30 ألف شاحنة، و100 ألف طن من المحروقات… إلخ. ومقابل ذلك تعلن الحكومة السوفياتية شبه انضمام إلى “شرعة الأطلسي”.

ومن فصول قصة ستالين مع الكرملين سر بقائه في مقر دولته وجيشه وحزبه، فمع توجه جيوش هتلر نحو موسكو، غادرت الهيئات الدبلوماسية وانتقلت الحكومة المدنية على متن أحد القطارات مع فرقة باليه “بلشوي” إلى كيوبيتشيف على نهر الفولغا، على بعد 900 كيلومتر من موسكو. ولم يُعرف إذا ما كان عقد العزم على الموت تحت أنقاض الكرملين، أو أنه كان ينوي الالتحاق بالعاصمة المؤقتة في لحظة ما.

لم يمت ستالين في الكرملين، إنما في بيته الريفي في كونتسيو. وإذ لم تُكشف حقيقة الوفاة بعد، فإن المعروف أن جثمانه حُنط وبقي بجوار لينين بمحاذاة الكرملين، حتى أمر خروشوف (1961) بنقله إلى مدفن سور الكرملين في الساحة الحمراء.

مقبرة الأخوة

وقصة هذا المدفن البلشفي عند سور الكرملين بدأت في الأيام الأولى لسيطرة البلاشفة على “روسيا المقدسة”.

يروي ريد: “عبرنا الطرقات الخاوية إلى الساحة الحمراء قبالة الكرملين مروراً بالبوابة الإيبيرية. وكانت كنيسة فاسيلي بلاجيني تنتصب رائعة بظلال قبابها المشرئبة ذات الألوان البراقة. لا يوجد أي أثر للأضرار، وعند جهات الساحة ترتفع قلاع الكرملين وجدرانه، وترامت إلينا عبر المكان الواسع أصوات وجلبة معاول ورفوش. فعبرنا إليها. كانت تلال من التراب والحجارة مكومة عالياً قرب حافة الجدار. وتسلقناها، وأشرفنا على حفرتين كبيرتين، يبلغ عمق الواحدة منهما 10 إلى 15 قدماً، ويبلغ طولها 50 ذراعاً، وكان مئات الجنود والعمال يحفرون تحت ضوء نيران ضخمة. وتحدث إلينا طالب شاب بالألمانية مفسراً: ’إنها مقبرة الأخوة. غداً سوف ندفن فيها 500 بروليتاري، استُشهدوا من أجل الثورة!‘. ثم أُنزلنا إلى الحفرة. المعاول والرفوش تعمل بسرعة مذهلة، وتلال التراب تتعالى. لا أحد يتكلم. السماء مليئة بالنجوم، وجدار الكرملين الإمبراطوري العتيق يشمخ فوقنا. وقال الطالب: ’هنا، في هذا المكان المقدس، أقدس مكان في روسيا، سوف ندفن أقدس الناس بالنسبة إلينا. هنا حيث مدافن القياصرة، سيرقد قيصرنا: ’الشعب‘” (369). وفي هذا المدفن الواقع بين برجي نيكولسكايا وسباسكايا، دُفن قادة الاتحاد السوفياتي ورفاق له في العالم، منهم الصحافي الأميركي جون ريد وسين كاتاياما مؤسس الحزب الشيوعي الياباني، والثورية كلارا زتكن والسياسي الألماني فريتز هيكيرت. وقد جُعل بقرار حكومي في 1974 معلماً ثقافياً.

يقص خروشوف أنه سمع “نغمة زهو في صوت ستالين حين قال لنا (قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية): ’حضر ديغول‘. كان فخوراً لأن هذا الجنرال اللاشيوعي، الممثل للقوى الرجعية في فرنسا، قد كلف نفسه زيارة موسكو لتقديم الاحترام إلى الحكومة السوفياتية، ولأن هذه الزيارة أظهرت أنه كان أكثر فهماً من الحلفاء الغربيين الآخرين لما جرى فعلاً في الحرب”.

ويتذكر خروشوف أنه خلال العشاء الذي أقامه ستالين تكريماً لديغول في شقته في الكرملين ثمل الزعيم الشيوعي و”كان يترنح من جانب إلى آخر وهو يملأ كؤوس الشمبانيا للفرنسيين”.

هذه الحفاوة الكرملينية لم يلقها قائد عسكري فرنسي آخر هو نابليون، الذي وصل على رأس جيش إلى أبواب موسكو في 7 سبتمبر (أيلول) 1812. وعلى الرغم من المواجهة المكلفة دخل القائد الفرنسي المدينة “وكانت خالية تقريباً من سكانها. ثم لم تلبث أن شبت النيران من كل جهة. وغدا جيش نابليون في مدينة خاوية ملتهبة لا حياة فيها ولا غذاء. بينما كان (الجنرال الروسي) كوتوزوف، وقد تراجع إلى الشرق، ينظم جيشه من جديد. ولما بدأ الشتاء ببرده القارس، حاول نابليون عقد صلح جديد مع القيصر. فلم يوفق. فأمر بالرجوع بعد خمسة أسابيع قضاها في موسكو” (“دائرة المعارف”، المجلد السادس، 101).

وهناك رسم لنابليون وحيداً في الكرملين، قبل أن يقرر تسويته بالأرض انتقاماً، وقبل أن يتناهى الخبر إلى الجيش الروسي، ما دفع جنرالاً إلى التوجه نحو الكرملين كي يقنع نابليون بالعدول عن تفجير “المباني التراثية المقدسة”، فوقع في الأسر، وتابع الجنود الفرنسيون مهمتهم. لكن، بعد تدمير أجزاء من السور وعدد من الأبراج، كان للمطر رأي آخر، فتساقط وأفسد معظم المتفجرات. والمهمة الأولى التي نفذها الجيش الروسي بعد مغادرة الفرنسيين كانت تفكيك ما لم ينفجر، حفاظاً على رمز دولتهم.

وتضيف “دائرة المعارف”: “وازداد نفوذ القيصر إسكندر، بعد تخلصه من الغزوة النابليونية، فكان الباعث للاتحاد الأوروبي الذي نُعت بالمقدس، وقد ألفه ملوك أوروبا ضد نابليون، وهدفهم المحافظة على شرعية حقوق الملكية تجاه الأفكار الهدامة الناجمة من الحركات الثورية. وولي ذلك ما هو معروف من وقائع كانت عاقبتها تنازل نابليون عن العرش ودخول الحلفاء باريس، وفي طليعتهم القيصر، سنة 1814، ثم سنة 1815. وكان للقيصر التأثير البالغ في مؤتمر فيينا في السنتين المذكورتين” (101).

مصطلح الكرملين

يُستخدم مصطلح الكرملين مثل البيت الأبيض في الولايات المتحدة الأميركية وقصر الإليزيه في فرنسا وغيرهما، منذ الزمن السوفياتي، للدلالة على موقع القرار في البلاد. لكنه راج أكثر بعد انهيار الاتحاد السوفياتي (1991) و”اختفاء” مصطلح “الستار الحديدي” الذي كان يدلل على الاتحاد السوفياتي ومنظومته من الدول الاشتراكية.

وعلى الرغم من أن الكرملين مساحة محدودة مقارنة بـ “الستار الحديدي”، إلا أنه غالباً ما يُحمل معاني حُملت لـ “الستار الحديدي”، خصوصاً السرية والغموض والقمع والتهديد، تجاه الداخل والخارج. إضافة إلى السلطة المطلقة والجوانب العقائدية. وهو ما يكرره هنري كيسنجر: “النزعة الاستبدادية” “الطموحات العالمية” “الخطر”.

والأمر ليس اختصاراً للجغرافيا، من الاتحاد السوفياتي ومنظومته، ثم روسيا، إلى “المقر الرئاسي”، وحسب، بل فيه اختزال للسلطة في روسيا بالكرملين.

وكأن الكرملين بات مصطلحاً سياسياً يعني اختزال السلطة واحتكارها وتجمعها بشكل مطلق في الرئيس، ونفي الديمقراطية وحكم القانون والمؤسسات عنه.

وهذا زبغينو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي سابقاً، يستخدم الكرملين كمصطلح سياسي أكثر مما هو تعبير جغرافي أو عنوان لمؤسسة الرئاسة في روسيا. يكتب في “رقعة الشطرنج الكبرى”: “زاد من توسيع الفجوة بين واشنطن وموسكو عدم استعداد الكرملين للتخلي عن جميع فتوحات ستالين” (132).

فبريجنسكي من خلال اعتماده، هنا وفي مواقع أخرى، اسم الكرملين يسهم في جعل الكرملين مصطلحاً سياسياً، إذ يتجاوز الاستخدام اللغوي “البريء” إلى الاستخدام الأيديولوجي السلبي. فهو يقول إن الكرملين ما زال على خطى ستالين “الخطرة” و”الاستبدادية” وذات “الطموحات العالمية”.

انهار الاتحاد السوفياتي (1991) وبقي الكرملين. لم تفلح “بيريسترويكا” ميخائيل غورباتشوف من إعادة بنائه قبل أن يتهدم من الداخل ويتداعى ستاره الحديدي. وغادر الأمين العام السابع والأخير للحزب الشيوعي حزيناً على التجربة التي دعا إلى العودة إلى مؤسسها، لينين، لاستعادة شعلة ثورتها. وإلى هذا الألم، غادر “الرفيق غوربي” السلطة غير آسف، لكنه مجروح مما ارتكبه الرئيس الروسي بوريس يلتسين، المتآمر والمخادع، وفقه. وفي عمق ذاك الحزن وهذا الألم يكمن ذهوله من هتك يلتسين قدسية منصبه وحرمة المكان: الكرملين، مقر السلطة السوفياتية والروسية.

يروي كيف عاد الرئيس الروسي من رحلة سرية تآمر فيها عليه وعلى الدولة إلى جناحه في الكرملين، وأمعن مع بعض أصحابه في السكر حتى خرجوا ثملين من المكان بعدما خربوه ولم يتركوا شيئاً على حاله. يقول: “يستحيل أن يكون من مروا من هنا، وفعلوا هذا، بشراً”. ويصمت، مذكراً بمفوض الثقافة “الحساس”، لونا تشارسكي، الذي استقال احتجاجاً على “همجية” البلاشفة تجاه الكرملين.

لكن يلتسين عاد إلى الكرملين وكأن شيئاً لم يكن، وبقي رئيساً لسنين ثمانية (1999) حتى استفاقت “الدولة العميقة” من سكرة الانهيار. ومقابل فتح الباب للرئيس كي يغادر بسلام، يتخلى عن العرش. وكل هذا، بمباركة بطريركية، حتى الممات، والجناز (2007).

أما قيصر هذه الصفقة فهو فلاديمير بوتين الذي عرف الأبواب السرية للكرملين من لجنة أمن الدولة السوفياتية “كي جي بي”. وقد ظهر ليعيد لروسيا عظمتها وللكرملين روح الأمة، على الأقل وفق ما يقول حزبه الحاكم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق