سياسة

المؤسسات الدينية: تغذية التكفير والهوس الديني

إن الإسلام بقدر ما هو قوة خلاقة إذا ما انبعث من معينه الصافي واتصل بالعقول الحرة وأشعل فيها ثورته وانطلاقه بقدر ما هو قوة هدامة إذا ما انبعث من كدورة النفوس الغثة واتصل بالعقول الجاهلة واثار فيها سخائم التعصب والهوس“.

محمود محمد طه، ديسمبر 1958

إن الإسلام سلاح ذو حدين إذا أخذ عن علم ومعرفة رفع الناس إلى أوج الرفعة والإنسانية والرقي وإذا أخذ عن جهل ارتد بالناس إلى صور من التخلف البشع الذي يحارب باسم الله كل مظهر من مظاهر التقدم والفهم “.

محمود محمد طه، نوفمبر 1964

الكشف عن دور المؤسسات الدينية في تغذية التكفير والهوس الديني من خلال مواقفها من المفكر السوداني الإنساني محمود محمد طه

يكشف هذا الكتاب، كما يقول مؤلفه المفكر السوداني والباحث الجاد الدكتور عبد الله الفكي البشير، عن دور المؤسسات الدينية في تغذية التكفير والهوس الديني في السودان، وفي الفضاء الإسلامي، وذلك من خلال مواقفها من المفكر السوداني الإنساني محمود محمد طه. طرح طه الفهم الجديد للإسلام عام 1951، وأخذ يفصل فيه ويدعو له، فما لبث أن واجه الحكم بالردة عن الإسلام عام 1968، ومرة أخرى بالردة والإعدام، ليتم تنفيذ حكم الإعدام عليه في الخر طوم صباح 18 يناير 1985. ويقول المؤلف: رصد الكتاب دور المؤسسات الدينية في تكفيره، والحكم عليه بالإعدام، فانتخب خمساً منها، تقصي مواقفها وخاطب القائمين عليها اليوم، والمؤسسات الخمس هي: الأزهر، ورابطة العالم الإسلامي، وجامعة أم القرى، وجامعة أم درمان الإسلامية، ووزارة الشؤون الدينية السودانية، كما عرج على الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وهيئة علماء السودان. التزم الكتاب بمنهج توثيقي صارم، وسعى لإظهار جمود الفكر، وضعف الورع العلمي، وتناقض المواقف في تلك المؤسسات. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، كان الأزهر في 5 يونيو 1972 قد أفتى بكفر محمود محمد طه، ووسم فكره بأنهكفر صراح، ليجيء شيخ الأزهر بعد نحو نصف قرن من الزمان، ليعلن موقف الأزهر من التكفير في 28 يناير 2020، قائلاً: “التكفيرُ فتنةٌ ابتليت بها المجتمعات قديمًا وحديثًا، ولا يقول به إلا متجرئ على شرع الله تعالى أو جاهل بتعاليمه، ولقد بينت نصوص الشرع أن رمي الغير بالكفر قد يرتدُّ على قائله فيبوء بإثمه، والتكفير حكم على الضمائر يختص به الله سبحانه وتعالى دون غيره“. وبنفس القدر كانت رابطة العالم الإسلامي قد أصدرت حكماً بردة محمود محمد طه قبل نحو نصف قرن من الزمان، لنجدها اليوم تتبنى قيادة الاعتدال، ورفض التكفير، ومحاربة الغلو والتطرف.

ويضيف المؤلف، قائلاً: أما جامعة أم درمان الإسلامية فقد كانت مطية الأزهر في تغذية التكفير والهوس الديني، وتكييف المزاج الديني في السودان. فقامت بدور خطير في غرس الفتنة وبث ثقافة الردة، ولا يكفي تطهيرها، إلا بإعادة النظر في فكرة وجودها. كذلك تجلى دور جامعة أم القرى في إجازتها لأول أطروحة دكتوراه عن الفهم الجديد للإسلام، مثَّلت الأطروحة أنصع نموذج لنشر الجهل، وتسييل الخرافة والخزعبلات، فضلاً عن تلويث الفضاء الإسلامي والإنساني. وكذلك الحال كانت هيئة علماء السودان، منبعاً للشرور الفكرية، ولا سبيل للتعافي من شرورها إلا بحلها وإعادة تعليم منتسبيها. أما دور وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، فكان على الصعيدين الداخلي والخارجي، ولا يمكن وصفه بأقل من الغدر، والتآمر، على الفهم الجديد للإسلام وصاحبه.

وخلص المؤلف، قائلاً: يُعبر هذا الكتاب بفصاحة عن أزمة الفكر الإسلامي، ويقدم دليلاً ناصعاً على ضعف الوازع الأخلاقي في المؤسسات الدينية، وغياب فضيلة الرجوع إلى الحق في تاريخها إزاء إرثها التكفيري. ولهذا، فالكتاب يدعو إلى الثورة الأخلاقية، لتحرير الشعوب الإسلامية من هيمنة المؤسسات الدينية، ومن وصاية رجال الدين، مُذكراً بأن دور الثورات الشعبية في تغيير الأنظمة السياسية لم يعد كافياً، وإنما المطلوب الثورة الفكرية التي تؤدي إلى الثورة الثقافية.

الدكتور عبد الله الفكي البشير

مؤلف الكتاب

المدائن وانطلاقاً من رؤيتها وواجبها الثقافي والأخلاقي والتزامها الإنساني تدعو إلى دراسة دور المؤسسات الدينية في تعزيز السلام العالمي وتحقيق الاستقرار الإنساني

من مقدمة الناشر، دار بدوي للنشر والتوزيع (ألمانيا)

تنطلق دار بدوي للنشر من رؤية قوامها أن تعمير الحياة وأنسنتها واجب ثقافي وأخلاقي والتزام إنساني، الأمر الذي يتطلب العمل بإتقان واستمرار في سبيل تسييل الفكر والعلم، وتبادل المعارف والتجارب. كما تؤمن الدار بأن الحوار الحر المسؤول هو السبيل الأمثل إلى تعارف العقول وتفاهم الثقافات وقبول الآخر، ومن ثم تحقيق التعايش وبناء السلامإن الدار تشجع إجراء المراجعات والتنقيب بإعمال الحس النقدي ذي الطابع الاستكشافي، لإلقاء الضوء على المبادرات الخلاقة في الفكر الإسلامي الداعية للتغيير والتحرير والتطوير وإقامة السلام. وقد سعى المختلف مع هذه المبادرات الخلاقة، بالشراكة مع الجاهل بها، والخائف منها، من أصحاب الامتيازات، وعبر تحالف غير مكتوب، إلى طمسها وحجبها عن الفضاء الإسلامي والإنساني، بإشهار سلاح التكفير والردة عن الإسلام

ولعل كتابنا هذا، والذي أعده المفكر الفذ والباحث الجاد، الدكتور عبد الله الفكي البشير، يخاطب أزمة الفكر الإسلامي، وراهن المؤسسات الإسلامية، ويصب فيما نصبو إليه من إجراء المراجعات، والبعث للمبادرات الخلاقة. فالكتاب يجئ في إطار مشروع بحثي مفتوح ومستمر تعهد به الدكتور عبد الله وهو يتمحور حول الفهم الجديد للإسلام لصاحبه محمود محمد طه، وقد نشر عبد الله العديد من الكتب والأوراق العلمية، وقد تشرفت دار بدوي بنشر أربعة كتب منها، وبصدد نشر كتب أخرى منها.

إننا نقدم اليوم هذا الكتاب، تقديراً واحتراماً للمفكر السوداني الإنساني محمود محمد طه، واحتفاءً بالعمل البحثي العلمي الجاد والمسؤول الذي قام به المؤلف، والذي جعلنا، ونحن أمام تيار الوعي المتنامي، نقف على كشف المؤامرات، ونشهد ذوبان سردية الكسل العقلي وتناسل الجهل، كما وسمها المؤلف، أمام شمس الحق.

محمود محمد طه: الدين لا ينبعث من المعاهد الدينية.. لنا نحن الجمهوريين رأي في التعليم الديني القائم الآن.. ورأينا فيه رأي سيء. في مستواه، ومحتواه وأغراضه، وأسلوبه، وأساتيذه

الدكتور عبد الله الفكي البشير: كنت قد أرسلت رسالة إلى رئيس جامعة أم القرى السابق، في 4 أغسطس 2020، وهي عبارة عن طعن علمي وأخلاقي في أطروحة دكتوراه تمت إجازتها في جامعة أم القرى بعنوان: فرقة الجمهوريين بالسودان وموقف الإسلام منها، بسبب مفارقتها للمبادئ الأكاديمية ومخالفتها لقواعد البحث العلمي وهي اليوم من أكبر ملوثات الفضاء الفكري السوداني والإسلامي ومن أخطر مغذيات مناخ التطرف والإرهاب والتهديد للسلام في السودان والعالم

يقول الدكتور عبدالله الفكي البشير: لقد وقفت على أطروحة دكتوراه ضمن سجل انجازات جامعة أم القرى في الدراسات العليا، بعنوان: فرقة الجمهوريين بالسودان وموقف الإسلام منها، نال بها الطالب شوقي بشير عبد المجيد (البروفيسور اليوم)، درجة الدكتوراه في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، قسم الدراسات العليا الشرعية، فرع العقيدة، في العام 1403ه– 1404ه/ 1983م-1984م. جاء الطالب، وهو سوداني الجنسية، مبتعثاً من جامعة أ م درمان الإسلامية بالسودان، وكانت الرسالة تحت إشراف الأستاذ الدكتور عبد العزيز عبيد، وكان أعضاء لجنة الامتحان: الدكتور جعفر شيخ إدريس، والدكتور الشيخ محمد قطب إبراهيم. جاءت الرسالة مخالفة للمبادئ والأسس الأكاديمية، ومفارقة لقواعد البحث العلمي وأخلاقه، كما سيأتي التبيين والأدلة والبراهين على ذلك، فضلاً عن أنها تنطوي على خرافات وعبث وفوضى علمية. ومع ذلك فإن هذه الرسالة ظلت، وبناءً على تتبعي الدقيق لأثرها ودورها في الفضاء السوداني والإسلامي، من أكبر ملوثات الفضاء الفكري السوداني والإسلامي، ومن أخطر مغذيات مناخ التطرف والإرهاب والتهديد للأمن والسلام في السودان والعالم. فقد سممت سماء الفكر، وضللت العقول، ودنست الكثير من المنابر في المساجد، ولا تزال، وهي، في ذلك، تجرجر معها اسم الجهة التي اجازتها، الجهة المسؤولية علمياً وأخلاقياً، وهي جامعة أم القرى بمكة، السعودية، وظلت تكتسي منها بالثوب الأكاديمي بلا حق، وقد حان الآن وقت تجريدها منه وبالحق.

تكونت الأطروحة من مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة وقائمة للملاحق. وتمت اجازتها بجامعة أم القرى في العام 1403-1404هـ/ 1983-1984. تناول الباب الأول من خلال أربعة فصول: “الجمهوريون وتاريخهم ومنشؤهم وأساليبهم في الدعوة، والباب الثاني وقف من خلال أربعة فصول على: “آراء الجمهوريين الاعتقادية وموقف الإسلام منها“. أما الباب الثالث فتناول من خلال خمسة فصول: “آراء الجمهوريين التشريعية وموقف الإسلام منها“. وتقع الرسالة في (1431) صفحة مقسمة على مجلدين. ويمكننا التأكيد على ما ذهبنا إليه، والتعليل على دعوتنا لكم بالتبرؤ من الرسالة وسحبها والاعتذار عنها، من خلال المحاور الآتية:

مفارقة الأطروحة لقواعد البحث العلمي وأخلاقه: ما بنى على الباطل فهو باطل

دراسة الحزب الجمهوري الاشتراكي على أساس أنه الحزب الجمهوري

ولمّا كانت الأطروحة لا تنقصها الركاكة والضعف والفوضى، سأكتفي بالتركيز على الباب الأول من الأطروحة، وهو بعنوان: “الجمهوريون وتاريخهم ومنشؤهم وأساليبهم في الدعوة“. والحديث هنا لا يتصل بالرأي أو التحليل أو المنهج، وإنما يتعلق بخلط الوقائع والمعلومات التي أوردها الطالب في رسالته، وهي غير صحيحة البتة، وقد قام عليها التحليل، ومن ثم خلص منها إلى خلاصات ونتائج، لا جدال، في أنها باطلة، كون المعلومات غير صحيحة، وبهذا تكون الرسالة باطلة، فالقاعدة الأخلاقية تقول ما بنى على الباطل فهو باطل. فقد تناول الطالب في رسالته الحزب الجمهوري الاشتراكي في السودان باعتباره، كما يقول: كان النواة الأولى لفرقة الجمهوريين (الإخوان الجمهوريون). وهذا غير صحيح البتة. فالحزب الجمهوري الاشتراكي، لا صلة له، لا من قريب ولا من بعيد، بالإخوان الجمهوريين. فنواة الإخوان الجمهوريين التي يقصدها الطالب هي الحزب الجمهوري الذي نشأ في 26 أكتوبر 1945م، برئاسة محمود محمد طه، وليس الحزب الجمهوري الاشتراكي الذي نشأ عام 1951، وكان إبراهيم بدري (1897م1962م) أمينه العام، ومكي عباس (1909م1979م)، أحد مفكريه ومنظريه، إلى جانب آخرين. وهذا خلط، لا يجوز على طالب في سنته الجامعية الأولى، دعك من طالب دكتوراه، ويتفاقم الأمر حينما نعلم بأن الخلط لم يكن في اسم الحزب فحسب، وإنما في المعلومات التي أوردها الطالب حول ظروف نشأة الحزب الجمهوري الاشتراكي وفلسفته ومبادئه ورؤيته الاقتصادية والسياسية ودوره في الحركة السياسية السودانية، وتناول كل ذلك باعتباره الحزب الجمهوري. وهذا أمر لا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال في رسالة دكتوراه، وهي قمة الدرجات العلمية.

فقد تناول الطالب الحزب الجمهوري الاشتراكي وهو يقصد الحزب الجمهوري، تناولاً مخلاً ومخجلاً ومربكاً، فقد كتب في مقدمة رسالته، قائلاً: “إن أول نواة لفرقة الجمهوريين، هم مجموعة من السودانيين الذين انتموا إلى الحزب الجمهوري الاشتراكي السوداني، للمساهمة والاشتراك في الحياة السياسية قبل استقلال السودانوكانت بداية نشأة الحزب الجمهوري الاشتراكي في آخر أكتوبر 1945م بزعامة محمود محد طه“. وهذا خلط مخجل، ولا يستحق التعليق، وللأسف يقوم به طالب دكتوراه. وأضاف، قائلاً: والحزب الجمهوري الاشتراكي نشأ علماني الاتجاه منذ البداية،فهو حزب علماني، يدعو إلى النهضة بأي سبيل“. وفي مفارقة تكشف عن مدى جهل الطالب، وهو يقول: “والحزب الجمهوري الاشتراكي الذي بحث له عن قاعدة دينية صوفية أو باطنية يعتمد عليها بعد شعوره بأن عدم الاعتماد على السند الديني أو القبلي يؤدي بالحزب إلى نهايته“. وفي تناقض تام مع سجل الحزب الجمهوري ومبادئه في النضال الوطني، يقول الطالب في صفحة (42): “كما أن الحزب الجمهوري الاشتراكي قد نشأمنذ اللحظة الأولىداعياً إلى الحفاظ على المؤسسات الموجودة والتي خلفها الاستعمار عاملاً على إبعاد الدين من الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية منادياً بإقصاء الدين حتى عن دوائر الأحوال الشخصية“. وهذا على العكس تماما مما كان عليه الحزب الجمهوري. ومما يؤكد بأننا أمام رسالة دكتوراه لا ينقصها الجهل والغرض، فقد كتب الطالب في صفحة (53)، قائلاً: فقد اختار الجمهوريون هذه التسمية، تسمية الحزب الجمهوري الاشتراكي،في البداية إشارة إلى أنهم سيطرحون في برامجهم الانتخابية بعض ملامح الفكر الاشتراكي الاقتصادي، وأنهم سيعتمدون على الحلول الاشتراكية في أحيان كثيرة“. ثم يبني على قوله الفج وغير الصحيح هذا، قائلاً: “وبالفعل طرح محمود محمد طهبعد الاستقلالمبدأ المساواة الاقتصادية كطريق لتحقيق العدالة الاجتماعية التي يراها“.

ثم يشطح الطالب بخياله، شطحاً لا تسنده الوثيقة التاريخية أو المعلومة الدقيقة، بقدر ما تسنده التصورات المسبقة، فيذهب بعيداً في تحليلاته واستنتاجاته المُخجلة والفاسدة علمياً ومنهجياً بسبب غياب الحد الأدنى من المعلومات الصحيحة، فيكتب في صفحة (66)، قائلاً:

ولقد أطلق الجمهوريون على أنفسهم اسم (الجمهوريين) للملابسات التي نشأ فيها الحزب الجمهوري الاشتراكي، وللاتجاه العام للحزب فقد هدفوا منذ البداية إلى تمييز أنفسهم من بقية الاتجاهات السياسية الموجودة وهدفوا إلى الدعاية السياسية فسموا أنفسهم بهذا الاسم إشارة إلى أنهم هم الذين ينادون بنظام جمهوري اشتراكي يسير عليه نظام الحكم في السودان بعد أن ينال استقلاله، ويكون الاتجاه المميز للحكم أيضاً الاتجاه الاشتراكي“.

ثم بناءً على هذا الوهم الذي ورد في النص أعلاه، يعلن الطالب عن استغرابه، قائلاً: “والغريب في الأمر أن الجمهوريين عندما يتحدثون عن حزبهم الآن لا يذكرون كلمة (الاشتراكي) هذه“. هذه جرأة في الإعلان عن الجهل لم يسبقه عليها أحد. فمفردة اشتراكي لم تكن في يوم من الأيام جزءاً من اسم الحزب الجمهوري الذي ترأسه محمود محمد طه. ثم ذهب الطالب بناء على هذه المعلومات الخاطئة يستخلص النتائج ويبني عليها، فهو يقول في صفحة (67): “وقد آثر الجمهوريون الاحتفاظ باسم الحزب الجمهوري الاشتراكي في ذلك الوقت، لأن ذلك، في رأينا، يتيح لهم فرصة العمل والاشتراك في الحياة السياسية كما أن الطابع الديني يحفظ لمؤسس فرقتهم الولاء من الاتباع“. وهذا جهل وعبث ورأي خديج. وللأسف كلما توغلنا في الرسالة نقف على عبث وفوضى لا يحتملها، القارئ الملم، دعك من الباحث المهتم أو المتخصص. ففي ص (68) كتب الطالب، قائلاً: “وقد اشترك الحزب الجمهوري الاشتراكي مع بقية الأحزاب السودانية في إعداد الاتفاق الذي سجلت بعده الأحزاب السودانية جميعها وثيقة خطيرة يتم على أساسها التفاوض مع مصر، وكان ذلك بعد أن أعدت مصر مذكرة في 2 نوفمبر 1952م بعثت بها إلى الحكومة البريطانية…”. وهذا جهل وفوضى تدل على كسل عقلي وضعف في المهارات البحثية، فلو أنفق الطالب بعض الوقت ليطلع على المصادر والمراجع، لأدرك بأن الحزب الجمهوري برئاسة محمود محمد طه، لم يشترك في هذه الوثيقة، بل كان ناقداً ورافضاً لها.

ويمعن الطالب في تشويه التاريخ وخلط الحقائق والوقائع، فيكتب في صفحة (68) قائلاً: “ولقد اشترك الحزب الجمهوري الاشتراكي في أول برلمان سوداني، وقد كان ذلك بعد أن بدأ السودان ينعم بثمرة اتفاقية السودان التي أبرمت بين مصر وإنجلترا بعد نهاية المفاوضات بينهما في 12 نوفمبر 1953″. هذا جهل وجرأة مؤسفة، فمن المعلوم، وكما هو وارد في المصادر والمراجع أن الحزب الجمهوري لم يشترك في أي برلمان منذ نشأته 1945 وحتى 18 يناير 1985 يوم تجسيد رئيسه لمعارفه على منصة الإعدام. وبمزيد من الإمعان في تشويه التاريخ يذهب الطالب مستخدماً حقيقة خاطئة، ليستنتج منها خلاصة أبشع خطأ، وهو يدلل على ضعف حضور الجمهوريين وضعف قبول حزبهم، فكتب في صفحة (68) قائلاً: “وقد نال الحزب الجمهوري الاشتراكي في انتخابات أول برلمان سوداني ثلاثة مقاعد وهي أقل نسبة نالها حزب في الانتخابات“. وهذا عبث لا يليق ببحث تخرج لطالب في مرحلة البكالوريوس دعك من رسالة دكتوراه. فالحزب الجمهوري لم يشارك في انتخابات برلمانية قط.  وما جاء به الطالب يًعد خطلاً لا يليق بطالب دكتوراه، ولا يليق كذلك بالأستاذ الذي أشرف عليه، ولا يليق أيضاً بلجنة الامتحان التي قبلت هذه الرسالة وأوصت بمنح الطالب درجة الدكتوراه، ولا يليق كذلك بمؤسسة أكاديمية محترمة. ويضيف الطالب في صفحة (69)، قائلاً: “وجاءت انتخابات مجلس الشيوخ مؤيدة الأغلبية التي نالتها بعض الأحزاب في مجلس النواب، أما أعضاء مجلس الشيوخ (السوداني) المعينون وعددهم عشرون فقد وزعهم الحاكم العام بموافقة لجنته بحيث نال الحزب الوطني الاتحادي عشرة وحزب الأمة أربعة والحزب الجمهوري الاشتراكي واحداً والمستقلون اثنين والجنوبيون ثلاثة. ويبدو أن الحزب الجمهوري لم ينل ثقة الشعب السوداني بعد ذلك…”. الشاهد، أن كل ما ورد في نص الطالب أعلاه، ليس فيه كلمة واحدة يمكن أن تنطبق على الحزب الجمهوري الذي ترأسه محمود محمد طه. فالطالب هنا يتحدث عن حزب لا صلة له مطلقاً بالإخوان الجمهوريين. فكيف يمكن أن تجاز أطروحة بهذا العبث والفوضى؟ نكتفي في هذا المحور بما أوردنا فهو يعطي صورة وافية عن جهل الطالب، ومفارقة الرسالة لقواعد البحث العلمي وأخلاقه.

تجليات جهل الطالب ومفارقة الرسالة لقواعد البحث العلمي وأخلاقه

الدعوة إلى الإلحاد والمادية

ذهب الطالب، بلا سند وبلا دليل، بل بما يناقض ما جاء في كتب الجمهوريين وأحاديثهم، ليكتب في صفحة (د)، وغيرها من الصفحات، قائلاً: “وليس من المعقول أن نترك فرقة علمنا أنها تدعو إلى الالحاد والمادية…”. هذا هراء. لم يقدم الطالب دليلاً واحداً عليه، فهذا قول فج وساقط، ولا يقول به إلا جاهل مغرض، لا يعرف حتى السبيل لتحقيق غرضه. فالداعية والمفكر السوداني محمود محمد طه والإخوان الجمهوريون، لا يمكن اتهامهم بما ذهب إليه الطالب، لسبب بسيط جداً وهو أن كتبهم وأحاديثهم، وهي منشورة، تبين على العكس من ذلك تماًماً. وهذا يكشف أن الطالب لم يكن مشغولاً بما ورد في كتب الجمهوريين وأحاديثهم، وإنما الاتهام بالباطل. ولهذا فإن قول الطالب عن الدعوة إلى الالحاد والمادية، لا يستحق أن نقف عنده، وهو قول يصب في الخرافات التي حملتها رسالته.

تسييل الخرافة والجهل في ميادين العلم وساحات الإسلام

افتراء الطالب الجاهل: الجمهوريون فرقة إباحية وضالة

من أبشع المزاعم الكاذبة والادعاءات الزائفة للطالب الجاهل شوقي بشير عبد المجيد في رسالته الجامعية، قوله بأن فرقة الجمهوريين فرقة اباحية وضالة. وهذا قول لا أساس له من الصحة، بل يضعه في الشريعة الإسلامية أمام حد القذف. إن ما خرج به الطالب شوقي، لم يظل حبيساً في رسالته الجامعية، ولم يتداوله الباحثون فحسب، وإنما كان ضمن المقررات الدراسية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، كما سيرد التفصيل. فقد ورد ضمن الحديث عن الفرق المعاصرة في المقررات الدراسية: “وقـد بين الدكتور شوقي بشيـر عبد المجيد حقيقة هذه الفرقة الضالة بقوله: فرقة الجمهوريين بالسودان فرقة باطنية،فهم باطنية، وهم إباحية يدعون إلى انتقال التحريم من الأعيان المحسوسة إلى صور السلوك المعنوية وهم بذلك يستحلون ما حرم الله. هذا هراء، لا يتفوه به إلا جاهل، دعك من طالب دكتوراه في جامعة محترمة. فالاتهام الباطل الذي جاء به الطالب يكذبه الواقع ويفضحه. فهو اتهام لم يقل به أشد الناس معارضة للجمهوريين من السودانيين، ولو أن هناك من القيم والخلق التي أصبحت جزءاً من هوية الجمهوريين وسلوكهم، وذلك بشهادات منشورة لمعايشيهم في الدراسة والعمل والأحياء السكنية في السودان وخارج السودان، لكانت هي قيم الطهر والأدب والالتزام الأخلاقي. يمكن الرجوع لكتابنا: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، دار رؤية للنشر، القاهرة، 2013. فهو يتضمن بعض من تلك الآراء.

السذاجة والركاكة والغرض في ساحات العلم ودراسة الإسلام

  • كتب الجمهوريين ومنشوراتهم: وسم الطالب الفصل الثالث من الباب الأول من رسالته بعنوان: “كتيبات ومنشورات فرقة الجمهوريين، وجاء الفصل في الصفحات (242- 387). وكتب الطالب، قائلاً: نعرض في هذا الفصل لمجموعة كتيبات ومنشورات الجمهوريين التي ألفها محمود محمد طه، والتي نشرها اتباعه، وغرضنا أن نحصر هذه الكتيبات حتى لا ينسب إليهم، في مستقبل الأيام، ما لم يكتبوه، أو ينكر اتباعه بعض الكتيبات المنسوبة إليهم. وهذا حديث يكشف عن جهل الطالب بأهم المرتكزات والمبادئ عند الجمهوريين، الأمر الذي يفيد بأنه لم يطلع على كتبهم وأحاديثهم. ولكن ما أود الوقوف عنده هو تلك الملاحظات الساذجة التي قدمها الطالب في نهاية الفصل. وهي ثمان ملاحظات، لن أتناولها كلها، ولكن سأتناول ملاحظتين منها، حتى أبين أنها لا تستحق الوقوف عندها. يقول الطالب:

الملاحظة الأولى: محاربة اللغة العربية. “ومما لا شك فيه أن الكتيبات التي كتبها الجمهوريون باللغة الدارجة ليس المقصود منها تفهيم الرجال أو النساء، بل يحب الجمهوريون أن تظل عقيدتهم غامضة في أذهان الجميع، لأن غموض الفكرة الجمهورية وعدم وضوحها هو السبب المباشر لاعتناق [البسطاء لها] وإيمانهم بها، كما أن الغموض يحيطها بهالة من السحر تبهر الإنسان الجاهل بحقيقتها، فغموض الفكرة هو أسلوب من أساليب نشر الدعوة عندهم“. وبلا حياء أو ورع يستنتج الطالب في صفحة (370)، قائلاً: “ولا شك أن هذا الاتجاه الخطير المقصود به لغة الإسلام ولغة القرآن“. والحق أن هذا عبث مبعثه الغرض والخداع، كما أنه تسويق للجهل لأناس لا يدرون شيئاً عن الإخوان الجمهوريين. ولكن كشف مثل هذا الخداع يتم بأبسط ما يكون، فكتب الجمهوريين منشورة، وأدوات البحث متوفرة. وأول ما يجب تأكيده أن كل كتب الجمهوريين الأساسية مكتوبة باللغة العربية الفصحي، ومنها: الإسلام (1960)؛ رسالة الصلاة (1966)؛ طريق محمد (1966)، الرسالة الثانية من الإسلام (1967)، وغيرها. ولكن هناك كتب هي عبارة عن محاضرات عامة قدمها محمود محمد طه بلغة الكلام (اللغة العامية)، حيث الحضور في المحاضرات متنوع في مستوى تعليمه، وهذا أمر طبيعي، وفي العادة يتم تسجيل المحاضرات، وبعد ذلك يتم تفريغها وطباعتها في كتب ليتم نشرها وتوزيعها كما جاءت في المحاضرة، وبنفس العنوان. ولهذا السبب يأتي الكتاب بلغة الكلام بدلاً عن لغة الكتابة. وقد بيَّن الإخوان الجمهوريون ذلك في صدر كتبهم التي كانت في الأصل عبارة عن محاضرات، وشرحوا الأسباب، وتحدثوا عن اللغة العامية السودانية، ومدى فهمها لدى القراء المحليين، ولدى القراء في البلاد العربيةإلخ. فالأمر مبين وموضح في مواضعه، ولكن طالب الدكتوراه هذا مرزوء بكسل عقلي، وضعف في مهارات البحث مع جرأة في إطلاق الحكم الخديج. ومن أمثلة كتب الجمهوريين المكتوبة بلغة الكلام وهي في الأصل محاضرات عامة، ويمكن الاطلاع على ما أوردناه آنفاً، في صدرها، على سبيل المثال، لا الحصر، كتاب: لا إله إلا الله (1969)؛ الإسلام وإنسانية القرن العشرين (1973)؛ الإسلام والفنون (1974)؛ الدين والتنمية الاجتماعية (1974)، وغيرها.

الملاحظة السابعة: اهتمام الجمهوريين بحقوق الآدميين أكثر من اهتمامهم بحقوق الله (صفحة 374): يقول الطالبالملاحظ لكتابات محمود محمد طه واتباعه من الجمهوريين يلاحظ أنهم يهتمون بحقوق الآدميين أكثر من اهتمامهم بحقوق الله، وفي اهتمامهم بحقوق الآدميين يهتمون بالحقوق التي جرى عليها العرف، وإن كانت غير محددة شرعاً، ويهملون تلك الحدود المحددة شرعاً، اللازمة لذمة المكلف، بل يحاربون بعض حقوق الآدميين التي تعارض مذهبهم تحت شعارات مختلفة فهم مثلاً يحاربون النصيحة بدعوى أنها تعارض المنابر الحرة أو أنها تمثل نوعاً من وصاية المسلم على غيره…”. هذا حديث ساذج وعبث لا يستحق حتى الوقوف عنده.

نكتفي بهذا القدر، فالأطروحة لا ينقصها الضعف والركاكة والسذاجة، وهي مليئة بالخرافة والخزعبلات والأباطيل. ولا تمت للبحث العلمي بصلة، دعك من أن تكون رسالة دكتوراه. يتحدث الطالب من خياله بسقف معرفي خفيض، ويقول كما يشاء، مع إهمال تام للمصادر والمراجع.

إشارات موجزة عن المصادر والمراجع

إن المصادر والمراجع التي أعتمد عليها الطالب ويشير إليها، بعضها لا يمكن أن يقبل من طالب يدرس في مرحلة الدبلوم، دعك من درجة الدكتوراه. والحديث عن المصادر والمراجع في هذه الرسالة، يكشف عن ضعفها وجهل معدها، وبإيجاز شديد، وعلى سبيل المثال، لا الحصر، يمكن الإشارة للنماذج الآتية:

  • يورد الطالب في صفحة (91) واحدة من الخرافات التي لا تستحق إيرادها، ويمكن الرجوع إليها في موضعها لمن أراد، ثم يشير في الهامش إلى المصدر، قائلاً: “لقد أشار إلى هذه المسألة الأستاذ محمد عثمان محجوب (ثقة) في محاضرة له عن الفكر الجمهوري…”. بدون أن يورد أي معلومات مثل أين كانت المحاضرة؟ ومتى؟ وهذه من أبجديات شروط البحث العلمي، لا نجد لها أثراً وإنما استعاض عنها بأن المصدرثقة، ولكن ثقة عند من؟ وبأي المعايير هو ثقة؟ وإلى أي حد؟ هذا عبث.
  • مثال ثاني للمصادر والمراجع، يورد الطالب في صفحة (62) أحد مصادره، قائلاً في الهامش: “محمد وقيع الله أحمد: بحث مخطوط عن الجمهوريين (بلا عنوان)”. وتكرر عنده هذا المصدر في صفحات عديدة. فهل يمكن أن يقبل هذا المصدر في رسالة دكتوراه؟ أين مكان إيداع المخطوط؟ ومن هو محمد وقيع الله أحمد؟ وهل يتم التعاطي مع المخطوطات في البحث العلمي بهذه الصورة؟ هذا خطل وفوضى وجهل مريع.
  • مثال ثالث للمصادر والمراجع، يورد الطالب في صفحة (66)، واحدة من خزعبلاته التي لا تستحق أن نقف عندها، ويمكن الرجوع إليها في موضعها لمن أراد، ثم يكتب في الهامشهذه الحكاية نقلها لنا الأستاذ محمد وقيع الله أحمد في بحثه المخطوط عن تسجيل صوتي لندوة اشترك فيها الأستاذ عبد الجبار المبارك بمدني، وهي حكاية رواها لنا ثقة عن ثقة عن ثقة“.  هلهذاالمصدريمكنأنيكونمقبولاًفيدوائرالبحثالعلمي؟وهليمكنأنتجازرسالةدكتوراهبهذهالفوضى؟

على الرغم من كل هذا الضعف والعوار والركاكة والسذاجة التي اتسمت بها أطروحة الدكتوراه هذه، فإنها وتحت أعين المشرف، وبين يدي لجنة الامتحانات، ومن تحت مظلة جامعة أم القرى بمكة المكرمة، خلصت الرسالة في نتائجها وخلاصاتها، وبلا استحقاق بحثي وبلا ورع علمي أو وازع أخلاقي، إلىمروقزعيم فرقة الجمهوريين محمود محمد طهعن العقيدة الإسلامية من طريق أهل السنة والجماعة، وأنه مرتد عن الإسلام، وأن فرقة الجمهوريين خطيرة على العقيدة الإسلامية، وهي فرقة تدعو إلى الإلحاد والمادية، ولهذا، كما يقول الطالب: “يجب النظر لهذه الفرقة كخطر حقيقي على عقيدة أبناء المسلمين“.

نشر الجهل وتسييل الخرافة وبث العبث في الفضاء الإسلامي

أولاً: فرقة الجمهوريين فرقة إباحية في المقررات الدراسية في جامعة أم القرى: كانت رسالة الدكتوراه حاضرة ضمن المقررات الدراسية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة التي يدرسها الطلاب عن الفرق المعاصرة، ومن بينها فرقة الجمهوريين. وقد استند المقرر على رسالة الدكتوراه التي قدمها الطالب شوقي بشير عبدالمجيد، وعلى دراساته التي استلها منها لاحقاً أو تلك التي قام بها وهي متصلة برسالته للدكتوراه. كان حضور أطروحة شوقي واضحاً في المقررات الدراسية عن الجمهوريين لا سيما: التسمية والنشأة، حيث جاء في حديث الجامعة عن المقرارات الدراسية:

وقـد بين الدكتور شوقي بشيـر عبد المجيد حقيقة هذه الفرقة الضالة بقوله: فرقة الجمهوريين بالسودان فرقة باطنية، وذلك لأن مؤسسها وأتباعه ينسبون لكل ظاهر باطناً، ويمكن أن نطلق ألقاب الباطنية وأسماءها على هذه الفرقة، فهم باطنية، وهم إباحية يدعون إلى انتقال التحريم من الأعيان المحسوسة إلى صور السلوك المعنوية وهم بذلك يستحلون ما حرم الله، وهم خرمية؛ لأن حاصل مذهبهم هو حاصل مذهب الخرمية وهو القول بسقوط التكاليف، ومذهب الجمهوريين في حقيقته مذهب تلفيقي جمع بين الأفكار المناوئة للإسلام“.

ثانياً: استل الطالب من الرسالة بعض الكتب والأوراق.. هذا بالإضافة إلى انتشار رسالة الدكتوراه: فرقة الجمهوريين بالسودان وموقف الإسلام منها، والكتب المشار إليها أعلاه في العديد من المواقع على شبكة الإنترنت، ومكتبات الجامعات.

ثالثاً: الطالب شوقي بشير عبد المجيد يصبح أستاذاً جامعياً ثم عميداً لكلية الدراسات العليا:

بعد أن نال الطالب شوقي بشير عبد المجيد الدكتوراه برسالته المشار إليها أعلاه، من جامعة أم القرى، عاد إلى جامعة أم درمان الإسلامية، وهي التي ابتعثته، أستاذاً فيها، وما لبث أن أصبح يشرف على طلاب الدراسات العليا، لا سيما تلك التي درست الجمهوريين، ومن الأمثلة على ذلك إشرافه على رسالة ماجستير بعنوان: نقض نظرية الإنسان الكامل عند الجمهوريين، إعداد الطالب: الباقر عمر السيد. والذي يعمل اليوم أستاذاً بجامعة بحري، الخرطوم، السودان.

رابعاً: نشر الجهل نموذج كتاب: الردة ومحاكمة محمود محمد طه في السودان

مؤلف الكتاب هو القاضي المكاشفي طه الكباشي رئيس محكمة الاستئناف الجنائية، بالعاصمة القومية، وهي المحكمة التي أصدرت قرارها بتأييد حكم إعدام الداعية والمفكر محمود محمد طه وتلاميذه بتاريخ 15 يناير 1985. وعلى الرغم من أن مؤلف الكتاب يحمل درجة الدكتوراه، وهو أستاذ الشريعة الإسلامية المساعد بجامعة الملك سعود بالرياض، فإن الكتاب وهو يتكون من (310) صفحة، كانت (205) صفحة منها، عبارة عن نقل لفصول بأكملها من آخرين، فهو عبارة عن كتاب لمجموعة مؤلفين صدر باسم دكتور وأستاذ جامعي للشريعة الإسلامية وقاضي. لقد سبق وأن درسنا هذا الكتاب بتفصيل في كتابنا آنف الذكر، يمكن الرجوع إليه. كان من بين ما نقله المكاشفي مقدمة وخاتمة رسالة شوقي بشير عبد المجيد للدكتوراه، بما اشتملا عليه من جهل وفوضى، وضمنهما كتابه في الصفحات (135-157). 

تغذية مناخ التكفير والهوس الديني في السودان والفضاء الإسلامي

لقد ظلت أطروحة الدكتوراه هذه، من أعظم مغذيات التكفير والهوس الديني، ومن أشد ملوثات العقول والسوح الفكرية في السودان وفي العالم الإسلامي، خاصة وأن الخصوم من الأئمة والوعاظ والفقهاء يستخدمونها من على منابر المساجد وفي وسائل الإعلام. ويستندون عليها في تكفير الداعية والمفكر محمود محمد طه، والجمهوريين. ومن أجل التأكيد على ذلك، فإن الأدلة والبراهين من الكثرة بحيث يصعب حصرها وهي مع كل يوم في ازدياد، فعلى سبيل المثال، لا الحصر:

  • الأستاذ الدكتور عارف بن عوض الركابي، درج على الاستشهاد بأطروحات الدكتوراه التي تمت اجازتها في جامعة أم القرى، وأعدها الطالب شوقي بشير عبد المجيد، على كفر محمود محمد طه، وردته عن الإسلام. وهناك غيره.

الدكتور عبد الله الفكي البشير: انطلاقاً من الواجب الثقافي والأخلاقي فإنني أدعو الأحرار في الفضاء الإسلامي والعالم لتبني موقف أخلاقي جماعي في مواجهة جامعة أم القرى لحملها على التبرأ من أطروحة الدكتوراه والاعتذار عنها

يقول الدكتور عبد الله الفكي البشير: لم يعد الرمي بالكفر، وهو من صميم قضايا الحرية وحقوق الإنسان وكرامته، وبناء السلام، لم يعد شأناً محلياً أو إقليميا، وإنما أصبح شأناً كوكبياً، وتخرج الثورات من أجله في كل شوارع المدن الكبرى في العالم. أصبح التكفير حرباً على المكتسبات الإنسانية. فلقد تأكدت وحدة المصير المشترك للإنسانية، وأصبحت الجماهير ليست حاضرة في المشهد السياسي والفكري، فحسب، وإنما فاعلة فيه، بل قادره على تغيير ملامحه عبر سلاح الثورات الشعبية. ولهذا فإننا نطالب جامعة أم القرى بأن تتبرأ من رسالة الدكتوراه التي قدمها الطالب شوقي بشير عبد المجيد، وسحبها منه، والاعتذار عنها، وبهذا تكون جامعة أم القرى فوق إزالة الضرر عن قطاع لا يستهان به من الشعب السوداني، قد خدمت السلام والتعايش بتجريدها للأئمة والفقهاء ورجال الدين من سلاح التكفير، وأدوات إرهاب الناس. وفي هذا دعوة جديدة من جامعة أم القرى إلى الأئمة والفقهاء ورجال الدين إلى إعمال الفكر وشحذ العقول، وضرورة العمل عبر التدبر والتفكر والبحث والتمحيص والتنقيب الفكري، بدلاً من إطلاق الأحكام، الموروثة والجاهزة، بالكفر والإلحاد.

وختم الدكتور عبد الله الفكي البشير، قائلاً إنني أجدد الدعوة للأحرار في الفضاء الإسلامي والعالم على اتخاذ موقف جماعي أخلاقي في مواجهة جامعة أم القرى لحملها على أن تتبرأ من أطروحة الدكتوراه مع الاعتذار عنها. وفي تقديري فإن هذا الموقف الجماعي الأخلاقي إذا لم يتخذ اليوم، فإنه حتماً سيتخذ غداً، فإن شمس الحق لابد أن تشرق ناصعة في كبد السماء.

سنواصل في الحلقات القادمة استعراض الكتاب والاستمرار في تناول مواقف المؤسسات الدينية من التكفير من خلال موقفها من المفكر السوداني الإنساني محمود محمد طه والفهم الجديد للإسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق