سلايدرسياسة

تسطيحيون يتصدون لمعالجة قضايا ومفاهيم أكبر من قدراتهم الفكرية

السودان ... المؤسسة العسكرية سبب المآسي والتاريخ فيصل و"برهان"!!

مصطفى يوسف

ينضح المشهد السوداني بغرائبية وعجائبية تثير الاشمئزاز بما تفرزه من دلالات وأبعاد، تصب في خانة استمرارية ذات الفكر والقولبة التي أسس لها نظام الانقاذ البغيض بكل ما تعنيه الكلمة من مضامين، وقاد بها البلاد إلى التهلكة والدمار الشامل.

تتمظهر هذه الغرائبية المستعصية على الفهم والمنزوعة من سياقاتها التاريخية في تسلط الفريق الركن شمس الدين كباشي، عضو مجلس السيادة، ومن هم على شاكلته من التسطيحيين لصياغة مفاهيم وتقديم رؤى أكبر من استيعاب قدراتهم الفكرية، تؤكد ضيق الأفق وضآلة وضعف البنية والمكون الثقافي، وتحكي التقوقع في حضن ضيق الجاهز والتعاطي من منظور غير ذي صدقية، يرتهن للماضوي الجامد وقد ثبت فشله ليرغم الراهن المتحرك على الانصياع له.

انبرى الفريق كباشي، الذي بات يلعب أدواراً في الساحة السودانية لا يخوله لها المنصب ولا يمكنه منها فكره، للحديث عن العلمانية، في تعليقه على مخرجات لقاء السيد عبدالله حمدوك رئيس الوزراء بعبدالعزيز آدم الحلو، رئيس الحركة الشعبية شمال، دون أن يمتلك مجرد فهم معناها والتفريق بينها والمفاهيم الأخرى، وهو معطى تاريخي يسم حركية التنظيم الذي ينتمي إليه، بشقيه العسكري والإسلاموي في طرح ما يشفع له في تقديم رؤى تعالج إدارة الدولة أو ما يعترضها في مختلف نواحي أدائها وفاقد الشيء لا يعطيه، لم تنجح المؤسسة العسكرية ولن تنجح في ذلك، بحكم تكوينها الفكري وما يعتمل في أفقها من اهتمامات ابعد ما تكون عن معالجة مسائل الحكم وتصريف شؤون لدولة، اللهم إلا من ادعاء كاذب أجوف.اخفقت الحركة الإسلامية، التي ينتمي إليها كباشي، ليست على مستوى السودان، إنما في كل تمدداتها الاقليمية والدولية وعبر التاريخ عن الإسهام في طرح رؤى يعتد بها في تسيير شؤون الدولة، إلا من ترديد مقولات قديمة، بدت عاجزة عما يمكن ان يُستند إليه في استيعاب والتعامل مع أنشطة الدولة في سياقاتها المختلفة ونسيير دولاب العمل وقضايا الحكم، لذا كان اعتمادها الواضح وتعويلها على استثارة العاطفة الدينية والتهييج الديماغوجي، وهو ما يهدف إليه كباشي، الذي يتملكه حنين العودة للماضي الأليم.    “الحركة- كما قدمنا في شأن الفكر الإسلامي المتأخر كله- كانت أقل مما ينبغي تفكراً في الوجود الحاضر الذي هو موطن الابتلاء والإصلاح الإسلامي، فلم تُعمل الفكر المنهجي الوافي في استقراء أحوال المجتمع والعالم وتقويمها بمعايير النظر والحكم الديني او في دراسة واقع الظلم والصراع والفتنة في حضارة العصر الغالبة او في خطلها وخطرها او تأمل علل الانحطاط وتدبر مشروعات النهضة في مجتمع المسلمين الحاضر أو في مناصرة المذهبيات المادية والقومية واللادينية التي تغزو المسلمين او نحو ذلك من وضعيات الحاضر ورؤى المستقبل”.(1) 

تنأى هذي الكتابة بنفسها عن الانقياد وراء الاختلافات المتعددة للمفاهيم والتفسيرات التي تأخذ مناح شتى لأي من إفرازات الحياة السياسية والفكرية، لكنها تهتم في المقام الأول بإيضاح خطل اقحام النظرة الضيقة وانتخاب جزئية منها، هي السائدة لدى العامة وفرضها بتعنت ينطلق من سوء فهم، مع فضفاضية واتساع وشمول المفهوم، فللعلمانية تعريفات كثيرة تلقى قبول حتى رموز من المؤسسة الدينية نفسها، وأقلها إنها رفض تحكم المؤسسات والأشخاص في الأفراد باسم الله.

بالطبع ليس الهدف هنا هو نقاش أو شرح العلمانية او الدعوة لها، إنما الإشارة إلى الخلط الواضح لدى البعض وكباشي مثالا، عن العلمانية، التي لها في الأساس العديد من المفاهيم التي لا تتصادم مع الدين، خاصة العلمانية الجزئية، وهذا يفوت على الفريق كباشي وغيره، لأنه يتعلق بجانب فلسفي.. وإلى الآن لا اتفاق على ماهي العلمانية، وهو سؤال يختلف فيه حتى أنصار العلمانية ذاتهاّ!!، سؤال لا يمتلك كباشي نفسه الإجابة عليه، بسبب محدودية المعرفة، بل لم تمتلك الحركة الإسلامية الإجابة عليه في مختلف عهودها في جانب التطبيق العلمي للمبادئ والقيم التي يجب ان تتحكم في مظاهر الحياة، وهو فشل لازمها، خاصة وهي في سدة الحكم، لانشغالها واشتغالها بموضوعات انصرافية، تهتم بالصراع مع الآخر المتوهم وبنائها الحركي.

العلمانية ليست دينا، حتى تتصادم معه، الدين منهج متكامل للحياة، والعلمانية حركة تتناول جزيئات معينة، تتعلق بالتفكير دون أن تتدخل في التطبيق، والتعايش ممكن بينهما، وهذا رأي كبار المفكرين الإسلاميين المستنيرين، لا الذين يعيشون ظلامات الجهل، ويصدرون الفتاوى الفرمان، بغية إرضاء الحاكم والسلطان.

إن المؤسسة العسكرية هي المسؤول الأول والأخير عن كل أوجه الفشل والقصور والاخفاقات التي واجهت الحياة في السودان، بتغولها المستمر، واعتقادها المتأصل بأنها الوصي على حكم البلاد، وهو ما لا تستطيعه أو تملكه، لافتقادها الفكر السياسي، بل والوعي، وهذا ليس قدحاً فيها بقدر ما هو تقرير لحقيقة يثبتها الواقع، وتؤكدها العقيدة العسكرية، فالجيوش كما يقول قادتها خلقت لتحمي الأرض لا لتبنيها، لكن المؤسسة العسكرية عندنا فشلت حتى في الدفاع عن الأرض، فكان التعويض بالانغماس في السياسة، التي تتعاطاها من منظور ديكتاتوري، يتأسس على امتهان كرامة الإنسان والتعدي على حرياته وانتهاك حقه في الحياة وإرغامه على قبول الذل.

في الوقت الذي كان فيه كباشي ينتقد حمدوك ويُنظِر في العلمانية، كشفت لجنة التحقيق في اختفاء المفقودين عقب فض اعتصام القيادة العامة عن مقابر جماعية، تضم جثامين مفقودين، دفنوا بطريقة غير إنسانية، في جريمة إنسانية، يندى لها الجبين، من عدة جرائم تورط أعضاء المجلس العسكري فيها، ومن بينهم كباشي، الذي اعترف بعظمة لسانه بعملية فض الاعتصام، دون أن تمتد إليه يد العدالة والمساءلة، وهذا ما لا تقبله العلمانية ولا الشرائع السماوية.

(1) حسن الترابي، الحركة الاسلامية السودانية، التطور، المكسب والمنهج، ص 229.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق