ثقافة وفن

محمد عبلة: الفنون قاطرة نهوض الأمم

عبر عن امتنانه لحصوله على وسام غوته واعتبار أعماله همزة الوصل بين مصر وأوروبا

مي إبراهيم 

هناك تكريم حقيقي ينتظره الفنان دائماً وهو احتفاء الجمهور العام بأعماله وتفاعله معها (اندبندنت عربية)

تجربة فنية ثرية يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة اعتمدت على الجمع بين أنواع متعددة من الفنون، مثل الرسم والنحت والتصوير، إضافة إلى دوره العام في المجتمع ومبادراته المتميزة، مما جعل له بصمة واضحة في الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة، وتجربة فنية يحتفي بها في مصر وخارجها، فدائماً ما كان الفنانون في كل المجالات سفراء لبلادهم وثقافتهم خلال تواصلهم مع مجتمعات أخرى خلال رحلتهم الممتدة.

وقد حصل الفنان محمد عبلة، أخيراً، على وسام غوته لعام 2022، وهو أرفع وسام تمنحه ألمانيا للشخصيات المؤثرة في مجالها، وهو أول تشكيلي عربي يتم تكريمه بالوسام تقديراً لتجربته الفنية كاملة، ولقيامه بدور همزة الوصل بين مصر وأوروبا في الفنون التشكيلية خلال رحلته الفنية، التي امتدت لعقود تميزت فيها أعماله بالتنوع، وكانت جزءاً من المشهد الثقافي المصري، وكان واحداً من دوافعه الأساسية هو تقريب المجتمع المصري بجميع جوانبه من الجمهور المحلي والعالمي.

ومن المقرر أن يتسلم الفنان المصري الجائزة في أغسطس (آب) المقبل من رئيسة معهد غوته، كارولا لينز، في حفل يقام بمدينة فايمار الألمانية، والجائزة لم يحصل عليها من العالم العربي سوى عبد الغفار مكاوي أستاذ الفلسفة المصري، والشاعر السوري أدونيس.

وعن أهمية التكريم وقيمته، قال الفنان محمد عبلة، في حديثه لـ»اندبندنت عربية»، إن «أهمية التكريم في هذه الحالة أنها تأتي من جهات عالمية محايدة تراقب وترصد الحركة الفنية والمشهد الثقافي في مصر، وعندما تختار فناناً لمنحه الجائزة فهي تقدر أعماله ومسيرته وتحتفي بها، وأشعر أن الجائزة لمصر كلها وليس فقط لشخصي».

وأضاف عبلة، أن «هناك تكريماً حقيقياً ينتظره الفنان دائماً، وهو احتفاء الجمهور العام بأعماله وتفاعله معها، فهذا هو التقدير المباشر الذي يحصل عليه الفنان بشكل يومي وبصورة محسوسة، فإحساس الناس بأعماله وتقديرهم لها هو أكبر تكريم يحصل عليه الفنان».

المحلية والعالمية

دائماً ما يعرف الفن بأنه لغة عالمية يمكن أن يستوعبها الناس من ثقافات مختلفة ويفسرها كل منهم بحسب رأيه ووجهة نظره، ولكن هل الفن المستوحي من بيئته المحلية يكون دوره فقط في إطارها أم يمكنه تجاوزها والانطلاق للعالمية نحو متلقين من ثقافات مختلفة، عن هذه القضية أشار محمد عبلة إلى أنه يتصور أن «الفنان من المفترض ألا يشغل نفسه بهذه الفكرة، فالفنان يمكن أن ينشأ في بيئة ويمضي مراحل من حياته في بيئات أخرى، بالطبع سيتأثر بها وسيكون لها لمحات ستظهر في أعماله، ولكن يجب أن يكون شاغله الأساسي هو أن يعبر عن نفسه وذاته ويؤمن بفنه الذي ستظهر فيه بيئته وثقافته، لأنها جزء من تكوينه ومن خلالها ستلتقي مع العالم، وبالنسبة لي فقد عشت فترات من حياتي في الخارج، وبلا شك تأثرت بها وتعلمت منها وكانت من التجارب الغنية في حياتي، فالاطلاع على فنون وثقافات أخرى يضيف للإنسان عموماً، وللفنان خصوصاً».

ويرى محمد عبلة أن «الإنسانية واحدة، واحتياجات الإنسان الروحية واحدة، والإبداع الصادق يصل للناس في أي مكان وزمان، لأنه إنساني في المقام الأول، فالقيم الفنية الأصيلة تلامس شعور المتلقي وتؤثر فيه، ولا يقتصر هذا فقط على الفنون التشكيلية، وإنما أنواع الفنون كافة، فعلى سبيل المثال الرواية ذات القيم الفنية العالية ستلامس وجدان قارئها، الذي ينتمي لثقافة أخرى، وهكذا مع جميع أشكال الفنون».

أعمال الفنان المصري محمد عبلة

متحف الكاريكاتير

في واحدة من التجارب الرائدة أنشأ محمد عبلة متحفاً متخصصاً يعني بفن الكاريكاتير في منطقة قرية تونس، الواقعة بمحافظة الفيوم (90 كم جنوب العاصمة القاهرة) ليكون ليس فقط مرجعاً ومزاراً للمهتمين بهذا الفن، وإنما مركزاً ثقافياً في المحافظة يعمل على تنمية المجتمع وتنظيم الفعاليات الثقافية المختلفة، وعنه قال عبلة إن «المتحف هو الأول من نوعه في أفريقيا والشرق الأوسط، وأنشأته منذ 20 عاماً، ويضم نحو 500 عمل أصلي ترصد تاريخ الكاريكاتير المصري والعربي منذ عام 1920 وحتى الآن، وهو من أكبر متاحف الكاريكاتير في العالم، وتبنيت هذه المبادرة من أجل الاحتفاء بهذا الفن، لأنه واحد من أهم الفنون التي تصل للناس بسهولة، وتعبر عن واقعهم بلغة فنية سهلة وبشكل ساخر يعكس همومهم وحياتهم وله رواد في مصر قدموا أعمالاً في غاية الثراء والأهمية بمستوى فني عالٍ ومتميز خلال سنوات طويلة، وعلى الرغم من ذلك لا توجد جهة محددة تجمع هذه الأعمال وتوثقها بحيث تكون مرجعاً للمهتمين بهذا الفن».

وأضاف، «أنشأت المتحف في محافظة الفيوم لأسباب متعددة، من أهمها أن يكون له دور في تنميه المجتمع، ولا يكون مجرد مزار سياحي أو ثقافي، ونحرص بالفعل على تنظيم فعاليات متنوعة لأهالي المنطقة وتنظيم ورش عمل للأطفال، لأنه كما هو معلوم فإن المحافظات خارج القاهرة والمدن الكبرى تكون أكثر احتياجاً لمثل هذه النشاطات الثقافية، وهذا هو أحد الأدوار المنوط بالفنان القيام بها، فتبني مثل هذه المبادرات سينعكس على المجتمع كله بشكل إيجابي».

دائماً ما تثار الإشكالية حول مدى تفاعل الجمهور العربي بشكل عام مع الفنون التشكيلية المختلفة وانفصال بعض الفنانين عن التواصل الحقيقي مع الجمهور العادي وتقديم أعمالهم في قاعات العرض المغلقة التي يتردد عليها النقاد والنخبة والمهتمين بالفنون مما يعمق الفجوة بين الفنان وعموم الناس، ويرى عبلة أن «تذوق الفنون المختلفة لا بد أن يبدأ منذ الصغر، فيجب أن تكون دراسة الفنون لها أولوية مثل باقي المواد الدراسية، مثلما كان في السابق، ولا بد أن يدرس الأطفال الفنون بشكل ممنهج في المراحل الدراسية المختلفة، ويتعرفوا على الفنانين وأعمالهم والمدارس الفنية المختلفة، لأنه لا مستقبل من دون فنون وثقافة، فهي جزء رئيس من بناء أي أمة والنهوض بأي مجتمع، فالناس بشكل عام في احتياج كبير لأن تكون الفنون جزء من حياتهم وجزء من هذه المسؤولية يقع على عاتق الفنانين أنفسهم، الذين يجب أن يكون لهم تواصل مع الناس ودور في تنمية الوعي الفني والثقافي في مجتمعهم».

ويوضح الفنان محمد عبلة، «لا يقتصر الأمر فقط على التعليم، وإنما لا بد أن يكون هناك دور كبير للإعلام في الاهتمام بالفنون الراقية في وسائل الإعلام كافة، سواء المقروءة أو المسموعة والمرئية، وآخر للدولة بتنظيم الفعاليات الثقافية المختلفة في كل أنحاء البلاد، إضافة لذلك المبادرات الفردية من الفنانين أنفسهم كل في إطاره وفي مكانه، فتكاتف كل هذه العناصر سينعكس بصورة كبيرة على الارتقاء بالمستوى الفني والثقافي للجماهير، ومن ثم الارتقاء بالمجتمع بشكل متكامل».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق