ثقافة وفن

الأنثى والوطن: جدلية الحب والحرب في «سيدات الكثيب»

حفيدات شهرزاد يتقن الحكي من وراء الأسوار

فضيلة الوزاني التهامي

1ـ رواية « سيدات الكثيب» البوليفونية  المتعددة الألحان:

تتوغل رواية «سيدات الكثيب» للروائية المغربية البتول محجوب بعيدا في سنوات الجمر والرصاص، من دون أن تتخذ لنفسها مسرا مغايرا لسيرها الروائي السابق  في رواية « الوجع الجنوبي» من حيث المضمون والشكل أيضا. هي رواية بوليفونية، تتعدد الأصوات السردية، وتتداخل كشكل من أشكال الرواية الحديثة، يعزى فيها تفسير الواقع حسب وجهات  نظر متعددة ومتراكبة وتمنح الكاتب القدرة على تشكيل النص السردي من خلال تعدد مستويات الوعي وتفاوتها ومنح الصراع الإيديولوجي والفكري مساحة أكبر ، وتباين الأصوات من خلال تعدد الضمائر المستخدمة وأيضا إمكانية المزج بين الحوار بين شخصيات والمونولوج الداخلي، والانتقال بين ضميري المؤنث والمذكر والعكس.

ولا يخفى ما للرواية البوليفونية من حيث رغم صعوبتها بعد الانفتاح الذي حققته الرواية على الحداثة بعد أن شهدت هذه تألقها مع الرواية العالمية الخالدة دون كيشوت  ديلامنشا للكاتب الاسباني ميغل دي سرفانتيس المنشورة ما بين 1605 و 1615،  ورواية « الإخوة كازماروف» لفيدور دوستوفيسكي، والتي صدرت 1880، ثم الرواية المصرية للكاتب نجيب محفوظ: ميرمار.

الاختيار البوليفوني  لكتابة الرواية لم يأت عفو الخاطر من الكاتبة البتول محجوب، فهو اختيار صعب التحقيق يتطلب قدرات لغوية وإلماما بفنون الحكي وتحكما في خيوطه، وهي التي خبرت الكتابة في أشكال تترواح بين القصة والرواية، إن تعدد الأصوات هو بحد ذاته أمر معقد وقد أسماه ميخائيل باختين بتعدد الأصوات الموسيقية، وأسماه غيره بالرواية المتعددة الألحان، حيث تهدف إلى تعدد الرؤى والزوايا وتلتحم لتقدم لنا عملا كونيا، خاصة وأن الكاتبة اتخذت موضوع الفقد من زوايا متعددة؛ الموت والقتل والاختطاف والاعتقال والنفي دون عودة، وهي مواضيع منحت هذه التيمة بعدا إنسانيا وكونيا حيث تتساوى المرأة والرجل في تقاسم هذه التيمة المقيتة،

ولا يمكن هنا أن نغفل التجربة الروائية السابقة للبتول محجوب « بوح الذاكرة، وجع جنوبي» الصادرة عن دار فضاءات العمانية أيضا، والتي يقول عنها الكاتب بشر حيدار في تقديمه للرواية:» حين تقتحم هذا النص الروائي فأول ما يثيرك فيه هو حكاية الأرض أو المدينة الجنوبية الجريحة، ومعاناة شخوصها في مكان جنوبي القسمات…. فالبتول محجوب تبدو موغلة في حكاية وطن معجون بحرارة الرمال وجراح أناسه، وكأنا أمام مواصلة للحكي الجريح من مكان جنوبي يتصارع فيه الحرية والهوية والكرامة الإنسانية، ولكنا مع ذلك لن نكتفي بما كتبته البتول محجوب لتوصيف هذه الرواية.

صدرت الكتابة روايتها بإهداءين اثنين، كل في صفحة مستقلة، ولا يمكن بحال أن نتغاضى عنهما لارتباطهما بالمتن السردي قسرا:

• الأول: « إلى سيدات العتمة والنور، إلى من سحلت أجسادهن على إسفلت بارد دون أن يرف للوطن جفن…»

• الثاني: حكايات سيدات الكثيب، قد تكون حكايتك أنتِ، أو حكايتي أنا، أو حكايات سيدات أخريات، عشن المعاناة وراء الأسوار وخارجها».

رواية سيدات الكثيب،  مقسمة إلى اثني عشر  فصلا أو مقطعا سرديا أو صوتا سرديا، اتخذ كل واحد منها اسم أو صفة الشخصيات الساردة للرواية، وجاء الفصل الأول، أو الصوت الأول غفلا من العنوان أو التسمية بينما تتوالى في هذه الفصول المقاطع الصوتية أربع شخصيات رئيسة هي : جمال ومريم وفاطمة السالكة وزليخة.

« سيدات الكثيب» هي رواية الحرب واللا حرب  أيضا، بحيث تتخذ حرب الرمال خلفية لها، واعتقالات سنوات الرصاص خلال السبعينات محركا لأحداثها، دون أن يكون هناك حديث عن الحرب، ذلك أن مادة الرواية تتشكل من متتاليات حكاية تتقاسمها شخصيات الرواية في تداخل يصبح فيه السارد متواريا أحيانا بين ضميري الأنا المتكلم وضمير  المخاطب، وبين السارد والمتمثل في شخصية جمال وشخصيات ساردة نسائية متعددة، بحيث يصبح  الحكي أحاديا في كل فصل مشتركا بين كل الفصول، وكأن الأمر يتعلق بمونولوج داخلي ومرآة تعكس الحالة النفسية لكل شخصية على حدة، وفي تفاعل مع باقي الشخصيات.

2ـ نساء الكثيب، عودة إلى الشهرزادية:

يمكننا أن نقسم رواية « سيدات الكثيب» إلى نصين متوازين من غير أن يكون هناك توزان في هذين النصين مناصفة ، الأول ينفتح على السارد جمال في محطة قطار باتجاه مطار الدار البيضاء الدولي في هذا المكان الموغل في وجع الرحيل، ستسلمه الساردة الثانية كتابا به قصاصة:  ورق.

« عدت إلى الكتاب أقلب صفحاته متذكرا وصيتك لي قبل صعودي بقليل للقطار…لا تفتحه حتى تحلق طائرتك في سماء وطن آواك سنة بالتمام والكمال.

ـ وهل في الأمر سر  يا سيدة الصحراء؟

ـ خذ الكتاب بيمينك يا جمال واقرأ ما تيسر وطاب لك من كلمات قد تجد بين دفتيه ما يؤنس رحلتك من بلد إلى آخر، فاجأني وجود قصاصة ورق طويت بعناية ودست في الصفحة الأولى، كتب عليها : عزيزي جمال».

وبهذا التصدير  نلج إلى النص الموالي والذي تستحوذ على أغلب فصوله الساردة الثانية مريم.  والقٌصاصة هو إهداء تهديه الساردة للسارد الأول جمال، ويمكن اعتباره نصا خارج النص، الذي يشكل متن رواية « نساء الكثيب» . يقول جمال: قبل أن أشرع في قراءة الصفحات أمسكت بقصاصة الورقة أعيد التمعن في كلماتها قبل أن أضعها  في الجانب الأيسر من سترتي».

لعل هذا الإهداء الذي تفتتح به الكاتبة روايتها هو بمثابة استدراج قصد الوقوع في شرك القراءة، كما كانت شهرزاد تستدرج شهريار للاستماع إلى حكاياتها الليلية، استدراج موغل في الإغراء والإغراق في أساليبه « …كلماتها زادتني فضولا لمعرفة محتوى الكتاب « يقول جمال،، ثم يضيف:   «يملأني الشوق لقراءة إهداء يخصني دون غيري من القراء كما يخيل إلي، فيخفق القلب لكل حرف خطته أناملها…حروفه تغري بالتوغل في حكايات سيدات من كثيب يسكنك ويرتحل معك في حلك وترحالك..»؛ هكذا يعبر جمال عن إغراقه في الشرك الشهرزادي وقد تطورت أساليبها من الحكي الشفهي إلى الحكي المكتوب « يوم كنا في ركن مقهاك المفضل على ضفة الوادي توقيعين كتابك بشغف امرأة أحبت الحياة نكاية في المعاناة» . وكما انساق شهريار وراء حكي شهرزاد لمعرفة خبايا الكون العجيبة وغرائبه، ينساق جمال في وعي ورغبة في سبر هذا الحكي النسائي يقول:» أقلب صفحات الكتب بشغف قارئ وعاشق للسرد يتساءل عن هوية سيدات الكثيب الأسمر المدفون في رمال حارقة في صحراء غامضة المصير؟ …وتبقى أسئلتي معلقة حتى إتمام قراءة الحكاية كاملة».

3 ـ فضاء  الكثيب مشكلا للهوية:

أول ما يثير حواس قارئ» سيدات الكثيب» هو تلك الرائحة المنبعثة من مكان موغل في كثبان تهب عليها العواصف الحمراء أو السوداء، فيحول غموضها الفاتن المبتسم في الصباح للكون على مشارف البحر المحيط إلى رمال جرداء قاحلة، يزحف على كثبانها الجراد الأسود ليحول فتنتها نقمة ونعيمها جحيما.

يمتد المكان فضاء بامتداد لا حدود له شرقا وشمالا وجنوبا ، وتحده أمواج المحيط المالحة غلابا؛ مكان يرتحل أصحابه من كثيب إلى كثيب بحثا عن الماء والكلأ في صحراء يصبح الموت فيها مباحا عندما تشح الأمطار وتضن السماء بدموعها ..» لا مرفأ أمان لكم يا أهل الصحاري بعد هبوب العاصفة الحمراء، يقول الشيخ لقومه وهو ينكث الأرض بعصا ..».

إن المكان هنا مهما برعت الكاتبة في رسم سوداويته يحمل قيما جمالية باعتبار أن الصحراء بكثيبها المالح هو الوطن ، وهو الانتماء لما مرَّ حتى وإن كانت الحكاية عمرها أربعين  سنة، كما تقول الساردة مريم ؛ ذلك أن « الحكاية ذاتها من حكايات سيدات الكثيب تسكن ذاكرة امرأة من رحم وادي بن خليل ولدت» .

ليست الرمال ولا العاصفة هي ما  يشغل بال أهل الكثيب وسيداته، عاصفة أو « سميها ما شئت، حمراء أو صفراء أو سوداء أو غيرها من الأسماء، فكل الصفات تليق بوجع الصحراء حين تروي لنا فاطمة الحكاية التي لا نمل من سماعها رغم ندوب الروح»، ذلك أن العواصف قدر الصحراء منذ الأزل، وليست هي ما يثير الوجع، فهذه فاطمة تجلس « قبل هبوب العاصفة؛ كانت تحيك على النول خيوط خيمتها السوداء من وبر الإبل تغزلها بأناملها مخضبة بالحناء…تجيد نسج النول مثلما تجيد صنع الحصير….خيمتها المنصوبة على مشارف كثيب …احتضنتنا ردحا من الزمن …»

4ـ الحكي شكلا لهوية سيدات الكثيب:

فاطمة التي تحسن الحكي بلغة وجع خط خطوطا غائرة على وجهها عبر أزمنة الفقد تتوه الكلمات منها أمام إصرار بقية الأصوات أن تحكي، تجيب « هل أحكي عن العاصفة أم عمن تاه بين كثبان الرمال الحارقة، ولم يجد مأوى لأحزانه، أم أحكي عن وجع خلفه اختفاء أبناء الكثيب وراء الأسوار؟».

ثم تستطرد « حكايتي تنضج بفقدان من ابتلعته المخابئ السرية ودهاليز الأقبية المعتمة؟

فاطمة هي الساردة الفعلية/ الشاهدة في رواية «سيدات الكثيب»، ساردة لزمن غابر، وشاهدة على سنوات الاعتقال والاختطاف الذي عانى منه الكثيرون من أهل هذه المنطقة غداة حرب الرمال.

فاطمة هي امرأة من زمن آخر كما تصورها الساردة الأولى مريم/ امرأة عصية على الحزن، تهرب منه إلى صمت تتقنه بفعل توالي السنوات، امرأة « وجهها خريطة ألم يصعب على طفلة بعمري قراءة ما خطته تجاعيد الزمن على محياه قبل الأوان» ؛ امرأة تخلت عن أنوثتها طوعا فهي « تشي بجفاف بشرة عافت ملمس الدهن بعد غياب رفيق عمر أكلته جدران المخابئ الرهيبة، وأكل الانتظار  بابها». تفقد فاطمة نظارتها مثل باقي سيدات الكثيب، ويفقد الكثيب جماله» وقد أضحى كئيبا …في انتظار أن يجمع الله مصير من في الشتات»، ذلك أن الحزن مر بكل بيوت خيام الكثيب بطنطان المدينة الصحراوية على مشارف البحر المحيط، حتى « لم يسمح بيت من نزيف مرَّ من هناك».

قد تتعدد حكايات سيدات الكثيب، وتختلف الأسماء والأعمار، لكنها تلتقي جميعا عند الانتماء إلى هذا المكان الذي تصفه الساردة الأولى بـ « الموغل في أوجاع الفقد» ، هكذا عندما يبرز اسم آخر من بين ثنايا الحكي ، يصاحبه السؤال : « العزة…من تكون؟ تسألني زوليخة، العزة امرأة في عقدها الرابع، عانت من محنة العاصفة، فاختارت الهجرة من وطن جرعها المرارة، نظراتها الوجعى تحكي نيابة عنها، فضلت أن تنسى أو تتناسى علّها تشفى…اختارت الهجرة بعيدا عن وجع جنوبي يذكرها بمحنتها؟

5 ـ ثنائية الحب والتيه:

تعيش سيدة الكثيب بين تيهين؛ تيه طال الحبيب أو الزوج، فغيبه المجهول،  اعتقال طالها هي أيضا وراء الجدران، فهؤلاء اللواتي خرجن من أجل التظاهر « مظاهرات سلمية» من أجل إطلاق سراح من اعتقل.. حتى وجدن أنفسهن وراء أقبية العتمة، وهكذا يختبرن هن أيضا مرارة السجن والحجر على الحرية، والتنكيل، يلمسن بأنفسهن بعض ما يعاني منه المعتقلون في أقبية بعيدة مجهولة، في صحراء ملغومة التضاريس. ويصبح الحكي الذي مارسنه من قبل دون قيود حول صينية شاي معتق، يصبح وقد « اقتيدت فاطمة ذات ضحى»، وهكذا ستصبح تجربة الاعتقال قاسما مشتركا بين الكثيرات من سيدات الكثيب اللواتي سيتعلمن وراء الأسوار الحكي بحذر؛ ذلك أن تجربة الاعتقال بمراراتها المتعددة ستجعل منهن نساء فاقدات للثقة، يتعلمن الحديث همسا خوفا من حراس يتلصصون على الأحلام المنكسرة.

وكما يضيع الحب والمحب وقد غيبه السجن أو غربة المجهول، كذلك يُغَيِّبُ النكرانُ أحبة آخرين، تقول فاطمة السالكة: « يوم تحررنا من المعتقل بعد سنوات طويلة مرت من العمر، وبعد أن كاد اليأس يتسلل إلى نبضات القلب في غياب حب يحتوينا، كانت « فيفي» الشابة المحظوظة بيننا، رفيقها في المعتقل لم يتخل عن حبه ولم يغضّ الطرف مثل غيره من الرفاق». وكأن الروائية/ الرواية لابد لها أن تنحو  هذا المنحى؛ عدم وفاء الرجل / الشرقي لحبيبته التي غيبها المعتقل، ثم تضيف ساخرة: « غريب أمر رجال الشرق، عديمو الوفاء إلا من ندر…» ، وبالرغم من أن طنطان والصحراء عموما تجود جغرافيا في أقصى الغرب الإسلامي، إلا أن «الشرق» هنا هو انتماء إلى عقلية شرقية متجدرة في التقاليد العتيقة والتي ترى في الاعتقال والسجن للنساء سبة ووصمة عار، لا يستطيع الرجل/ الشرقي تجاوزها. مريم نفسها وهي تكمل حكايتها لجمال لا تنسى، كانت تعبر من خلال حكايات سيدات الكثيب عن حالة التيه التي تعيشها، يقول جمال: « أوجعني قولك يوما ـ وأنا أدعوك للفرح ـ لم يبق للفرح متسع بعد ست عشرة سنة في دهاليز الغياب، برودة الإسفلت وعتمة ما وراء الأسوار يوجعني حزن يظلل محياك» . ورغم الأمل الذي حمَّله جمال لمريم في مستقره بإحدى البلاد الأوروبية، إلا أن مريم تحسم رأيها في البقاء قائلة:» أنت هناك بعد أن فرقتنا المسافات، مضيت من دون زاد وما عدت ترنو إلى ذكريات كانت بيننا، قبل أن ترحل إلى الضفة الأخرى تنسى أو تتناسى وطنك الملغوم الأماكن، وتدفن رأسك في صدر امرأة شقراء تراها وطنا بديلا… « ثم تضيف ما جعلها تحسم قرارها:» لم أشأ أن أن أخدعك …ففضلت الابتعاد في صمت عن حب قد يورطني ويوجع قلبا لم يعد يحتمل الخيبات».

أما جمال فإنه يعود إلى نقطة الصفر بعد الانتهاء من قراءة أوراق مريم، يعود إلى لحظة الوداع بمطار الدار البيضاء الدولي، يستعيد أحاسيس تلك اللحظة قائلا « لوحتُ لكِ مودعا، وكنت أدرك أنكِ ستظلين وفية لوطن مدفون في رمال الصحراء الحارقة تنتظرين بزوغ فجره على أرض الكثيب وأرض الحلم المؤجل المكنون بسرِّ الأساطير الغامضة، وحكايات سيدات الكثيب الكئيب؟

على طول صفحات النص الروائي تتوغل بنا الكاتبة في عوالم معجونة بمتخيل واقعي مشحون وضاغط سهمت في بناء تفاصيل النص وتشكيل نفسيات شخوصه، ذلك أن « سيدات الكثيب» هي مرآة عاكسة لواقع عاشت الكاتبة الكثير من أوجاعه وتناقضاته، وطن منحها الكثير وسلبها أيضا الكثير، فهي ابنة شهيد غيبه الموت بعد سنوات في الاعتقال، لذا كان هذا الإصرار من الكاتبة من إعادة التجربة بعد  رواية» وجع جنوبي» ، في وجع جماعي في « سيدات الكثيب»، وبذلك تكون روايتها وفية للتيمة التي تسبغ جل أعمالها: ثنائية الأنثى والوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق