سياسة

منصور خالد له مقولة تعتبر من أوتاد ثورة ديسمبر في لحظة تكاثر زعازعها …

طاهر عمر

منصور خالد متميز بين النخب السودانية عبر أجيالها المختلفة و مختلف عن دارسي القانون من السودانيين فهو عندما يتحدث تحس في أقواله ما يساعدنا على شق طريق لمفكر واحد إلا أنه فيلسوف و مؤرخ ملم بعلم الاجتماع و عندما حجبت عنه غيوم النظريات الاقتصادية الرؤية عن أقصر الطرق لتحقيق التنمية الاقتصادية سرعان ما أدرك أن الطريق الصحيح لتحقيق التنمية الاقتصادية عكس ما كان يعتقد في مسألة الحزب الواحد و عكس ما كان يعتقد في أن الاشتراكية و آدابها هي الدالة على تحقيق الرفاه الاقتصادي و هذا ما يجعل منصور متقدم على جيله بفضل نقده لممارستهم لخطاء جماعي و هو إعتقادهم في أن الحزب الواحد و طريق الاشتراكية هو أقصر الطرق و أوسعها في سيره نحو تحقيق الرفاه الاقتصادي و هيهات.

و لهذا نجد أن منصور خالد في واحدة من تجلياته قد إنتقد نفسه في تقيم جيد لأفكاره بأن لحظة إعتقاده في أن الحزب الواحد و الاشتراكية هي أقصر الطرق لتحقيق التنمية كانت من أكبر الأخطاء التي قد وقعت فيها النخب في العالم الثالث و كانت تجسيد لخطاء قد مارسته نخب العالم الثالث و حقيقة لولا إتساع مدارك منصور لما أدرك بأن نخب العالم الثالث في حقبة ما كانت و بشكل جماعي قد مارست طقوس جماعية لتعبيد طريق الخطاء الجماعي من قبل النخب كان في إعتقادها بأن الحزب الواحد و الاشتراكية هي أقرب الطرق لتحقيق التنمية الاقتصادية و بالتالي تحقيق التقدم الاقتصادي و الازدهار المادي.

و رغم تأخر إدراك منصور لخطأه فيما يتعلق بالسياسي و الاقتصادي إلا أنه يعتبر متقدم بفراسخ على نخب سودانية ما زالت تظن و هي خاطئة في أن الليبرالية لا تتناسب مع تاريخ مجتمعاتنا التقليدية بحكم أنها نتاج تاريخ الشعوب الأوروبية و نجدهم قد فات عليهم بأن دراسة الظواهر الاجتماعية و مسألة الحرية و العدالة للفرد لا يمكن حصرها على المجتمعات الغربية فكل مجتمع انساني لا يخرج من مسألة معادلة الحرية و العدالة و لذلك يرى كثير من علماء الاجتماع و المؤرخيين و الفلاسفة بان تأريخ المجتمعات الغربية هو مختصر لتاريخ الانسانية كافة و ما هي إلا مسألة زمن و سوف تلحق مجتمعاتنا التقليدية ذات يوم بمواكب البشرية و تحقق ما أنجزته الشعوب الأوروبية فمسألة أن تاريخ الليبرالية لا يتناسب مع مجتمعاتنا واحدة من أوهام نخب سودانية ما زالت متأخرة عن فهم أن ظاهرة المجتمع البشري لا تختلف من مجتمع غربي و لا غيره فيما يتعلق بمفهوم السلطة كمفهوم حديث و كذلك مفهوم الدولة و هذا ما ننبه له النخب في أن تأخذه مأخذ الجد.

و بالمناسبة إعتقاد كثير من النخب السودانية في ان الليبرالية لا تتناسب مع تاريخ مجتمعنا السوداني كمجتمع تقليدي هي من أسباب تهاون أحزاب حكومة حمدوك في مسألة ترك الكيزان في مفاصل الدولة و تهاونهم في سيطرة وزارة المالية على المال العام و وضع سياسات مالية و سياسات نقدية تتم السيطرة عليها عبر البنك المركزي بنك البنوك و للأسباب المذكورة في أعلى المقال في أن النخب السودانية لم تزل تعتقد في أن الليبرالية غير مناسبة لمجتمعنا التقليدي لأنها نتاج تاريخ شعوب أوروبية.

و نسوا أننا رضينا ام أبينا سوف نلتقي مع المجتمع في علاقتنا الخارجية و في منظمات التمويل الدولية و في التجارة الخارجية و لكن كيف تقنع أمثال النور حمد و الشفيع خضر في اعتقادهما بأن الليبرالية لا تصلح لحالة المجتمع السوداني و هنا يمكننا أن نقول بأن منصور خالد رغم أنه قد جاء متأخر في نقده لنفسه إلا أنه متقدم حتى اللحظة على أمثال النور حمد و الشفيع خضر في اعتقادهما بأن تاريخ الليبرالية خاص بالشعوب الاوروبية و هذه واحدة من محن النخب السودانية.

إنتقاد منصور خالد لأفكاره و لو بشكل متأخر جدا مقارنة بعالم الاجتماع العراقي علي الوردي الذي قد كان مدرك لأهمية الفكر الليبرالي و منذ لحظات مبكرة و حينها كانت الدول في العالم العربي و الاسلامي في بداية سنين إستقلالها تضع منصور خالد في مقدمة النخب السودانية التي لم تتخذ قرارها بعد بأن الفكر الليبرالي بشقيه السياسي و الاقتصادي هو الطريق الصحيح و الأنسب لمجتمع بتركيبات إجتماعية هشة كحال المجتمع السوداني.

صحيح ان منصور خالد قد إنتقد ممارسة النخب في إعتقادها عن الحزب الواحد و الاشتراكية إلا أنه لم يتحدث كثيرا عن أدبيات الفكر الليبرالي بشكل واضح كما تحدث عنه علي الوردي و ربما يكون نشاط منصور خالد السياسي هو الذي صرفه عن تقديم دراسات عميقة عن تشريح حال المجتمع كما نجدها في أفكار كل من هشام شرابي و علي الوردي. مثلا نجد أن علي الوردي و هشام شرابي منذ مطلع الستينيات من القرن المنصرم يكاد يكون منهجهم قد إكتمل فيما يتعلق بدراسة الظواهر الاجتماعية و لم تعد مراهقات النخب كما حال نخب السودان تحجب عنهم رؤيتهم و معرفتهم للديناميكية المجتمع البشري و كيف يعمل فيما يتعلق بتحول المفاهيم و خاصة فيما يتعلق بفكرة الدولة كمفهوم حديث و مفهوم السلطة كظاهرة إجتماعية.

لا يتعب القارئ في وجود أفكار ماكس فيبر في دراسات علي الوردي فيما يتعلق بمفهوم السلطة و مفهوم الدولة كمفهوم حديث و ربما يكون أن هناك قاسم مشترك لأن ماكس فيبر في حديثة عن العقلانية في كتاباته قد استنبطه من أدبيات تاريخ الفكر الاقتصادي و بالتالي قد إفترض فكرة أخلاقية و عقلانية الفرد و بالتالي المجتمعات الحديثة مجتمعات تقابل إكراهات متسلسلة تمسك بتلابيب بعضها البعض في مسيرة تراجيدية و مأساوية بلا قصد و لا معنى و بالتالي فان حل معضلات المجتمع تكمن دراسة الظواهر الاجتماعية و ليس عبر فكرة الصراع الطبقي كما يعتقد ماركس في إعتقاده في نهاية التاريخ و نهاية الصراع الطبقي بفكر لاهوتي غائي ديني.

و فهم علي الوردي لمقاصد ماكس فيبر فيما يتعلق بمفهوم السلطة و مفهوم الدولة كمفهوم حديث يضع علي الوردي في مصاف فلاسفة و اقتصاديين و علماء اجتماع اوربيين كبار ساهموا في ترسيخ أفكار فلسفة التاريخ الحديثة عندما لاحظوا منذ زمن مبكر بأن فلسفة التاريخ التقليدية قد بدأت تسير نحو الأفول مثلا نجد علي الوردي قد وصل لمستوى فهم يجعل افكار ماكس فيبر متقدمة على أفكار دوركهايم كما رأينا كيف فهم ريموند أرون أفكار ماكس فيبر و جعلها أقرب و أفضل لعقله مقارنة بأفكار دوركهايم رغم أن الاخير فرنسي مثله و نجد نفس الشئ أي وعيه بما يتعلق بمسألة الحرية و العدالة و لذلك نجد أن علي الوردي منذ ذاك الزمن البعيد و كذلك بعده هشام شرابي منذ بداية الستينيات قد قدم ما يتعلق بحرية الفرد و فيما يتعلق بالمجتمعات العربية تحدث عن حرية المرأة.

و أظن أن تخصص علي الوردي في الاقتصاد أولا و ثم في علم الاجتماع قد ساعد علي الوردي في فهمه لمعادلة الحرية و العدالة و إقتناعه بالفكر الليبرالي بأنه المناسب لتركيبة المجتمعات العربية الهشة و لذلك عندما قال علي الوردي بان الليبرالية هي الطريق السليم لحال المجتمعات العربية هاجمه الشيوعيين و القوميين و الاسلاميين.

و كذلك نجد هشام شرابي في نقده الحضاري قد انتقد النخب العربية في لجؤها الى أحزاب اللجؤ الى الغيب و أفكار الايدولوجيات المتحجرة كحال كساد النخب السودانية و رغم أن منصور لم يذهب الى أحزاب الطائفية و لا أحزاب الأيدولوجيات المتحجرة إلا أنه لم يتفادى طقوس الممارسة الجماعية التي انتقدها أي مسألة الانتصار لفكرة الحزب الواحد و فكرة أن أقرب الطرق للتنمية في دول العالم الثالث هو طريق الاشتراكية و لذلك نتسآل لماذا غاب عن وعي منصور خالد ما إستوعبه كل من علي الوردي و هشام شرابي منذ زمن مبكر فيما يتعلق بمسألة الحرية و العدالة و خاصة عند علي الوردي و طرحه لفكر ليبرالي بعيدا عن أوهام النخب فيما يتعلق بمسألة الحرية التي يمكن تحقيقها عبر الفكر الليبرالي؟

و ربما تكون الاجابة بأن منصور نسيج وحده فهو يعتبر من أكثر السودانيين قد ساهم في خلق منهجه من عدم لأن نخب مؤتمر الخريجيين لم تترك أي فكر يمكن ان يساعد الاجيال اللاحقة كامثال منصور مقارنة مع هشام شرابي و علي الوردي كانت هناك نخب متقدمة و قد ساعدهم موروثهم أن تتضح لهم الرؤية فيما يتعلق بمسألة تحول المجتمعات و تطورها. أضف الى ذلك ان علي الوردي كانت دراساته في الجامعة اقتصادية قبل ان يتجه الى دراسة علم الاجتماع و معروف ان الاقتصاديين هم الأكثر فهم لفكرة العقلانية كما يؤكد ماكس فيبر بان فكرة العقلانية و الأخلاق في أفكاره قد استنبطها من تاريخ الفكر الاقتصادي و آداب النظريات الاقتصادية.

و هذا ما فات على منصور خالد و جعله يعتقد في فكرة الحزب الواحد و مسألة أن الاشتراكية هي أقرب الطرق لتحقيق تنمية المجتمعات التقليدية و هذا خطاء قد أخّر منصور خالد في أن يعرف مسألة إفتراض العقلانية و الأخلاق للفرد و بالتالي ينتج منها فكرة المستهلك الرشيد و الناخب الرشيد نتاج الفكر الليبرالي الذي لم يظهر في مقاربات منصور بشكل واضح كما رأينا في كتابات علي الوردي و هشام شرابي و هذا ما جعل منصور يعتقد و هو خاطئ في مسألة الحزب الواحد و طريق الاشتراكية هي أقرب الطرق لتنمية المجتمعات و قد ندم منصور على ذلك أشد الندم.

أما تفوق هشام شرابي على منصور في نقده لأحزاب اللجؤ الى الغيب و أحزاب الايدولوجيات المتحجرة منذ زمن مبكر ربما لأن إهتمام هشام شرابي بتاريخ الشعوب الاوروبية و أفكارهم الفلسفية فقد كانت محصورة في فترة 1870 و هي لحظة ظهور علامات نهاية الليبرالية التقليدية و بداية شروق أفكار الليبرالية الحديثة و قد إحتاجت لما يقارب الى أربعة عقود حتى تظهر بشكل جلي و هذا ما ساعد هشام شرابي في فهم ديناميكيا تحول الشعوب و تحول المفاهيمو هذا ما جعل هشام شرابي في بداية التسعينيات ينصح النخب في العالم العربي و الاسلامي بأن تهتم بأفكار الشعوب الاوروبية في الثلاثة عقود الاخيرة و هذه النصيحة لم تصادق قلب النور حمد و الشفيع خضر حيث ظلا في اعتقدهما بأن تاريخ الشعوب الاوربية قد أنتج فكر ليبرالي لا يتناسب مع مجتمعاتنا التقليدية و لهذا نجدهما يؤمنان بفكرة المؤالفة بين العلمانية و الدين عند النور حمد و نجد الشفيع ما زال يطرح فكرة مساومة تاريخية في فكر فج يضحك عليه أمثال هشام شرابي و علي الوردي و لذا يظل منصور خالد متقدم على النور حمد و الشفيع خضر بفضل نقده لمارساته فيما يتعلق باعتقاده عن الحزب الواحد و الاشتراكية بأنها أقصر الطرق للتنمية و هيهات.

طرحنا لنقد منصور لجيله يفتح الطريق للجيل الجديد في تتجاوز أوهام النخب السودانية و عدم إدراكها بان الليبرالية تناسب حال مجتمعاتنا التقليدية بل لا يمكننا الخروج من هشاشة التركيبات الاجتماعية بغير تطوير فكر ليبرالي ينتصر للفرد و العقل و الحرية و حينها يختفي أمثال ترك كمتاجر بقبائل البجة في الشرق و أمثال حركات دارفور التي ما زالت تعتقد في العرق و الدين و حتى أتباع احزاب الطائفية و السلفيين و الكيزان و هذا ما يتنافى مع فكرة النشؤ و الارتقاء حيث تجاوزت البشرية كل من العرق و الدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق