
الإيجابي في وقت الأزمات (1)
مقدمة إلى الصحة العقلية وعلم النفس
د. مكي بشير البدري
في عصر أصبحت الصحة العامة فيه تحتل الصدارة في الخطابي السياسي والإعلامي والاجتماعي، بل وفي الخطاب اليومي لعامة الناس في جميع أنحاء المعمورة، لا ينبغي أن ننسى أهمية الصحة العقلية والنفسية، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من صحة الإنسان ورفاهه في جميع الظروف والأحوال، وبصفة خاصة في ظروف الأزمات والتحولات الكبرى، التي ربما يفقد فيها الكثيرون أنماط حياتهم المعتادة، ووظائفهم ومصادر رزقهم، وطرائق أداء أعمالهم وتلقي تعليمهم، وممارسة حياتهم اليومية عموما.
وفي حين أنه من المعتاد أن يكون للشخص أو الأسرة طبيبا عموميا تلجأ إليه بانتظام، وأطباء مختصون يُزارون عند الحاجة إلى اختصاصهم، ومن المألوف أن تجد أفرادا وجماعات قد تلقوا تدريبا في مجال الإسعافات الأولية، فمن النادر أن يحدثك أحدهم عن طبيبه النفسي، أو أن تسمع بالمختصين في مجال الإسعافات الصحية المتعلقة بالصحة النفسية. وغنى عن القول أن هذا الأمر قد ارتبط بوصمة على مدار التاريخ التصقت بالأمراض النفسية والعقلية، ونظرة المجتمعات السلبية لما يتعلق بها والتمييز الشديد تجاه من يُصابون بها، وعزلهم، وحرمانهم من الكثير من حقوقهم.
وقد نشأت حديثا اتجاهات في البحث والممارسة لمواجهة تلك النظرة السلبية ولوضع الصحة النفسية في مكانها الصحيح ضمن جوانب الصحة البشرية عموما. فالإسعافات الأولية في مجال الصحة العقلية هي مجال عُرف في أستراليا ثم انتشر إلى بقية أنحاء العالم يسعى إلى تثقيف الناس، من غير المختصين في علم النفس والعلوم ذات الصلة، بأهمية فهم طبيعة المرض العقلي والمصابين به، وتجريد المرض من الوصمة المحيطة به، وطرائق تقديم الدعم والمساعدة حتى يتجاوز المريض أزمته أو يتلقى العلاج المناسب من مصدر موثوق به. ولعل أهم ما ترتكز عليه تلك الإسعافات هو خطة العمل للإسعافات الأولية المتعلقة بالصحة العقلية التي سنتناولها بمزيد من التفصيل لاحقا.
وفي حين أن علم النفس والطب النفسي التقليديين قد نشأ وتطورا وهما يركزان على فهم الأمراض النفسية وتشخيصها وبيان طرق علاجها، فقد برز إلى الوجود حديثا علم النفس الإيجابي الذي يسعى إلى استكشاف مصادر القوة النفسية والعقلية لدى البشر والاستفادة منها في تطوير قدراتهم والوقاية من الأمراض النفسية.
وسنتناول في سلسلة من المقالات هذه المجالات المستحدثة في طب النفس والعقل للتعريف بها وبيان أهميتها وتطبيقاتها في حياتنا اليومية وتخطيط مستقبلنا وخاصة في ظل ظروف استثنائية قد تؤثر علينا وعلى أسرنا وأطفالنا تأثيرا عميقا يتجاوز فترة الأزمة نفسها ويلقي بظلاله على الحياة بأسرها.




