سياسة

خارج المتاهة

«علي كرتي».. الشكر أم اللعنة؟

محمد عتيق

الصدق في كل شيء ومع الجميع، ابتداء من النفس، هو الصفة وهو الحالة في كل الشؤون. فبالإضافة إلى أنه ميزان الحياة في كافة صورها والحالة التلقائية لها، فهو القيمة التربوية العليا التي يُقدِّمها المرءُ للأجيال القادمة من شباب وأطفال اليوم، خاصةً إذا كان هذا المرء مسؤولاً.. فإذا كان هو كذلك (حقاً أو مجازاً) فإنّ علاقته بالصدق بُعداً أو قرباً والتصاقاً هي قدرته على أن يكون مُلهِماً لهم ونموذجاً للاقتداء والاتِّباع.

فهل نشكر علي كرتي أم نلعنه – سلوكاً ومواقف – ونلعن النظام الذي صنعه فصار صورةً حقيقيةً وتجسيداً حيَّاً لنزعة التسلُّط والاستبداد والفساد فيه؛ نشكر أم نلعن؟ وهل هذا سؤال ؟، أن نلعنه أم لا: مقياسٌ لقربنا أو بُعدنا عن الثورة وأهدافها ناهيك عن أن نشكره وكأنه هو الذي أحقّ الحق.. أن نلعنه هو سلوك الثورة والثوار وهو الحقيقة …

  « شكراً له أنّه قد نبَّه قوى الثورة أنَّ مهمتها لم تكتمل بعد «

ثم؛ هل تجهل قوى الثورة أن مهمتها لم تكتمل بعد؟ وهل المهام لم تكتمل أم لم تبدأ أصلاً؟ هل من تلك المهام:

– أن نترك أجهزة إعلام النظام الساقط تستمر في العمل وتظل أبرز رموزها في نفس مواقعها ؟

– أن نترك أجهزة ورموز النظام الساقط في ساحة العدالة (القضاء، النيابة العامة، الشرطة، …الخ) تعمل، تقاوم الثورة والثوار في الخفاء وفي العلن ؟…الخ.

– أم الإهمال التام لسلاح الثورة الجبار: (الشرعية الثورية) التي انتزعها شعبنا عنوةً واقتداراً ؟

… «وأن السهام التي تُوَجَّه لبعض قواها بغرض تفتيتها وزرع الوقيعة بينها إنَّما بفعل فاعل معروف المصدر والمصلحة، وأنَّ من يطلقونها قد قَدَّموا وما زالوا يقدمون خدمات جليلة للثورة المضادة وإن كان ذلك دون قصدٍ أو وعي… «

  الفاعل المعروف المصدر والمصلحة هو النظام الساقط وحلفاءه، وهم الَّذين قدموا -ولا زالوا- الخدمات الجليلة للثورة المضادة، والثورة المضادة هنا إنما هم أنفسهم «النظام الساقط وحلفاؤه»

جميع قوى الثورة في خندقٍ واحد كما كل أعدائها في خندق، فالسهام التي من خندق الثورة هي سهام تستهدف إصلاح الصفوف وتنظيفها، وإنَّما هي الخدمات الجليلة تُقَدَّم للثورة بوعيٍ تام.

«… شكراً له أن رمى الفترة الانتقالية المنقلب عليها بأقذع الأوصاف، فهذا يثبت أنها كانت على الجانب الصحيح من التاريخ…»

  وهل، حقيقةً، أثبتَ علي كرتي أنّ الفترة الانتقالية المُنْقَلَب عليها كانت على الجانب الصحيح من التاريخ؟ وهل الجانب الصحيح من التاريخ أن نسير على نفس المنهج الاقتصادي للنظام الساقط الذي كان يخضع – باتفاق أو بدونه – لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين التي اتفقت عليها حكومة حمدوك مع «المجتمع الدولي»: رفع الدعم عن السلع، تعويم العملة، فتح أبواب البلاد ومواردها أمام العالم ؟، ثم التطبيع مع أكثر أعداء الإنسانية في التاريخ؛ انتزاعاً للأرض، استعلاءً وإقامةً للدولة الدينية على أسسٍ عرقية وادعاءات تاريخية كاذبة؟ نظام القتل والترويع، «إسرائيل»، صنيعة الامبريالية العالمية ووكيلتها لتمزيق المنطقة على أسس طائفيةِ ودينيةٍ وعرقية …الخ ؟ هذه هي أبرز انجازات حكومتي حمدوك، فهل نستطيع أن نَصِفَها بأنها الجانب الصحيح من التاريخ؟ هل هي كذلك؟

أوليس بروز (علي كرتي) من مخبئه نفسه من نتائج سياسات حكم حمدوك، ناهيك عن حديثه الواهن المرتجف (حديث كرتي)؟ ضعف حكومة حمدوك وتردُّدها وانصرافها عن المهام الأساسية للانتقال هي السياسة التي شجَّعت أفراد النظام الساقط على الظهور وعلى المقاومة العلنية للثورة التي كانت قد ملأتهم رعباً وخوفاً فهاجر من هاجر واختبأ من اختبأ!

  هل نقول لعلي كرتي في لقائه التلفزيوني: «شكراً على توضيحك للحقيقة التي لا يمكن إخفاءها وهي أن النظام البائد شريك رئيسي في انقلاب ٢٥ أكتوبر «. كيف يوضح الحقيقة التي لا يمكن إخفاءها؟ لا يمكن إخفاءها ولكن كشفها علي كرتي فشكراً له! كيف نقول مثل ذلك؟ هل بِنِيَّة أن نعود إلى الحكم، إلى الوزارة.

كل أبناء هذا الشعب هم قوى الثورة ووقودها، وكلهم يعرفون أن المكون العسكري هم نتاج حكم «الانقاذ»، هم المرتبطون بأربطةٍ وثيقةٍ من المصالح الطبقية والأيديولوجية بالنظام الساقط، هم من ثماره، وأن انقلابهم في ٢٥ اكتوبر هو الامتداد الطبيعي لهم (مع دوافع ذاتية خاصة بهم)، جزءاً من المشقَّات والعراقيل في طريق الثورة. أي طفل في السودان يعرف حقيقة انقلاب ٢٥ اكتوبر ولا يحتاج توضيحاً من أحد، توضيحاً من أراذل النظام الساقط خاصةً.

  هذا التعليق المقتضب لا يقصد التقريع بأحد أو نبش أحداث المرحلة السابقة من الفترة الانتقالية، وتوزيع تهم التقصير هنا وهناك، بل دعوة الجميع إلى تجميع الجهود وتركيزها خلف رؤيةٍ موحدةٍ تستمد وهجها من أشعة الثورة، وفي وقت واحد:

– تتقدم نحو اهدافها في الحرية والسلام والعدالة.

– تعجم أعواد قياداتها وتُرسِّخها نماذج ملهمة للشباب.

– تعميق قيم الجدية والإيثار والصدق سلوكاً وثقافةً في مجتمعنا ثورةً ودولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق