
د. علي عفيفي
باحث مصري يتحصل على جائزة بلالوك بأمريكا
حاوره: د. محمد بدوي مصطفى
معا في قهوة نجيب محفوظ:
تجمعنا الغربة وسبل الحياة والدراسة في الجامعات بأشخاص من بلدان عدّة من مختلف أنحاء العالم، منهم من يمر في حيواتنا مرور الكرام ومنهم من يترك أثرا بالغا لا تنساه القلوب ولا تمحوه السنون: شيء مثل البصمة الورديّة التي يبقى عبقها وينطبع أريجها ما دامت العلاقة مستمرة وإن تفرقت بنا السبل وبَعُدت بيننا المسافات. د. علي عفيفي هو أحد هؤلاء. سلك طريقه كأحد الباحثين المصريين في جامعتنا بمدينة كونستانس الألمانيّة الساحرة وقد ربطت بيني وبينه علاقة أخويّة قويّة، شيء من مودة، احترام وألفة حميمة يصعب عليّ أن أصفها. ألّفَت بين أفئدتنا محبتنا الدامغة لآلة العود وتَعلُقِنا الشغوف بالطرب العربي الأصيل. سألني ذات يوم بعد أن عملت منه أنه هَمَّ بدراسة العود وأنه يرنو أن يتحصل على آلة حسنة. أخبرته يومها بأني أنزل بين الفينة والأخرى إلى قاهرة المعز وأن لي بعض المعارف من الصنّاع الذين أتعامل معهم. كنت قد اشتريت إذذاك آلة من الصانع سيد فتحي أمين، واقترحت لدكتور عفيفي أن يذهب إليه ويستفسر عن وجود آلة جيدة، فسلك طريقه إليه لا يلوي على شيء وتحصل بالفعل على آلة من ورشته وبدأ يومذاك مشوارا جديدا مع شيخ الآلات.
كنت عندما أزور القاهرة في فترة تواجده هناك، كان هو السمير والرفيق الذي يصاحبني في صولاتي وجولاتي بين الغورية والأزهر وفي طرقات حارة السيدة زينب وتحت أنواء قناديلها الهاشميّة نقتفي أثر الكاتب يحي حقّي (قنديل أم هاشم) وحتى في مكتبات وسط البلد لنقف على بعض الأماكن التاريخية كعمارة يعقوبيان ونادي السيارات وحارات الغوريّة التي عرفناها عبر روايات علاء الأسواني وأستاذنا نجيب محفوظ. كانت تجمعنا هناك صداقة بإخوة آخرين من الأحباب الأجلاء مثال أشرف عوض وأستاذ نور، الذي كان هو أيضا نعم الرفيق والمرشد في برازخ القاهرة ومتاهاتها العميقة. علمتهما الإثنين أن يتذوقا الأكل السوداني الأصيل بإحدى المطاعم القاهريّة: التُكل. كم “جطنا” عصائده وقضمنا كسرته وشواء جمره المعتق.
أذكر ذات يوم ذهبت مع د. عفيفي إلى مكتبة الشروق وبعدها إلى الحسين ومنها إلى القهوة الفيشاوي المشهورة التي كانت مكان الكاتب نجيب محفوظ المحبب الذي صنع تلك المآثر التاريخيّة من أولاد حارتنا والسكريّة وقصر الشوق وهلم جرّ. بينما نحن في انبهار بسحر الأجواء الشرقيّة التي نتعطش ونتوق إليها، ما بين زخم الأضواء بألوان القزح وضجيج الباعة المتجولين وصياح بائعي الفاكهة، اتخذنا أماكننا بالقهوة منتظرين المشروبات. حينئذ أشرقت فرقة موسيقية متكونة من ثلاثة عازفين: طبّال، عواد وكمنجاتي. لم أتردد البتّة من أن أطلب منهم أن يجالسوا صفونا وأُنسنا بين مذاق السحلب وعصير العرق سوس. يومئذ لم أكن أعرف أن الذي يطلب من أي فرقة الجلوس إليه بداخل القهوة، أنه هو الأمير الذي ينبغي عليه أن يتكفل “بالعداد” (مصيبة)! وبينما الفرقة ونحن الإثنين في قمة الطرب وقد حلّق بنا سحر المقامات وبراقها في أرجاء الزمن الجميل مع أغنيات أم كلثوم (غني لي شويّة شويّة – غني لي وخد عينيّ)، يأتي زوار القهوة من الزبائن المختلفين ويطلبوا مني – أنا ولا أحد غيري – أخذ الصور الفوتوغرافيّة! استغربت للأمر وسألت علي عفيفي ولم يكن يعلم هو الآخر بالأمر وظلنا هكذا في جاهليتنا نقبع في طرب العود “وتمليصات” الكمنجة الساحرة. بعد نهاية الفاصل أخرجت محفظتي وقدمت لرئيس الفرقة “العواد” مبلغا صغيرا شاكر إيّاه صعنه. فما كان منه إلا أن بحلق في شكلي وكأنني قد نزلت من كوكب المريخ في التوّ، ثم قال: إيه دا يا بيهه؟ إنت عارف نحن مين؟ وكنت أحسب أنني أمام ثلاثة أعضاء مرموقين من الفرقة الماسيّة مما أوحته إليّ قسمات وجهه المتجهم!
كنت في قرارة نفسي أظن أن كل الموجودين في القهوة سوف يشاركوننا في دفع البقشيش للفرقة ولكن لجهلنا الإثنين بالمعاملات والأعراف السائدة في نوادي القهاوي الرياضية، لم يكن الأمر كما حسبنا. على كل انتهى الإشكال بالتراضي ودفعت مبلغا أرضى أعضاء الفرقة الماسيّة، وظلت تلك طرفة في حياتي مع د. على عفيفي بالقاهرة. أذكرها دائما وأتهالك من الضحك!
< من د. علي عفيفي (النشأة – السكن – المدينة الأصل)
ولدت بالكويت أثناء عمل والدي هناك ثم عدت معهما إلى مصر ونشأت بالقاهرة ببيت العائلة بالسيدة زينب.
< أين درست مراحل المدرسة – والمراحل الجامعية؟
> كانت كل مراحلي الدراسية في القاهرة وتخرجت من كلية الزراعة بجامعة القاهرة حيث حصلت على البكالوريوس ثم الماجيستير.
< أين عملت في مصر – وما كان شعورك بعد الحصول على الدكتوراه في ألمانيا؟
> خلال دراستي للماجيستير عملت بالمركز التطبيقي لنيماتودا الحشرات التابع لكلية الزراعة. وسافرت خلال تلك الفترة إلى الولايات المتحدة من خلال برنامج فولبرايت لمدة عام ونصف ثم عدت إلى مصر لأناقش رسالة الماجيستير، وبعدها مباشرة حصلت على منحة للدكتوراه من معهد ماكس بلانك وجامعة كونستانس بألمانيا.
كان شعوري يفوق الوصف عندما حصلت على الدكتوراه في ألمانيا، فطالب الدكتوراه المغترب يشعر في كثير من الأحيان بصعوبة الحياة والدراسة في بلد غريب، وهو الشعور الذي انتابني كثيراً رغم حبي الشديد لمدينة كونستانس التي عشت فيها خلال دراستي للدكتوراه. إضافة إلى ذلك فالحصول على الدكتوراه كان حلمي منذ زمن طويل وحلم والدي الذي توفاه الله بعد أقل من شهرين على حصولي على الدكتوراه وعودتي إلى مصر.
< ما الفرق بين الدراسة والعمل بين ألمانيا وأمريكا؟
> أعتقد أن الفارق في الدراسة والعمل بين ألمانيا وأمريكا هو نفسه الفارق بين ألمانيا التي تدعم جميع أفرادها بصورة تكاد تكون متساوية والنظام الرأسمالي الحر في أمريكا، وفي رأيي فكلا النظامين له مميزاته وعيوبه، فالجامعات في ألمانيا تتشابه كثيراً فيما بينها والدراسة فيها مجانية تقريباً ويحصل الباحثون فيها على دعم معقول من الجامعة أو الحكومة بالإضافة إلى التمويل الخارجي لأبحاثهم، بينما في أمريكا هناك جامعات صغيرة جداً لا يسمع بها أحد وجامعات كبرى هي الأكبر على مستوى العالم حيث يحصل باحثوها على تمويل ضخم جداً ولكن يأتي معظمه من مؤسسات خارجية تستثمر في الأبحاث التي يجريها هؤلاء الباحثون.
< هل يعمل الأمريكان مثل الألمان – في طريقة البحث والتحصيل؟
> على عكس الفكرة السائدة، أعتقد أن الأمريكان يعملون عدد ساعات أطول وبجهد أكبر من الألمان، سبب ذلك هو ما ذكرته من قبل عن الفارق بين النظامين، فالنظام الأمريكي لا يقدم شيئاً بلا مقابل، الطالب الأمريكي يدفع مبالغ باهظة وأحياناً كثيرة يضطر لأن يستدين لكي يلتحق بالجامعة وبالتالي يعمل سنوات طويلة بعد التخرج لكي يستطيع أن يسدد ثمن الدرجة العلمية التي حصل عليها، الحالة الوحيدة التي تسمح للطالب بالدراسة المجانية هي الحصول على منحة دراسية وتكون تلك المنح- على قلتها- مشروطة بالتفوق الشديد خلال سنوات الدراسة.
< الفروقات في الحياة والطبيعة بين مدينة كونستانس والمدينة التي تسكن بها الآن؟
> أعتقد أن الفروقات بين المدينتين كبيرة جداً وتعكس فروقاً واضحة بين المجتمع الأمريكي والألماني، فكونستانس مدينة ذات طبيعة ساحرة تطل على بحيرة جميلة ويقطعها نهر الراين وبها الكثير من المساحات الخضراء، مستوى المعيشة في كونستانس عالي حتى أنه من النادر أن ترى أي فقير، أما بالتيمور التي أعيش بها الآن فرغم أنها تطل على مرفأ وبها العديد من الأماكن الجميلة إلا أنها تتميز بالتباين الشديد بين سكانها وانتشار الأحياء الفقيرة جداً على مقربة من الأحياء الغنية وهو السبب الرئيسي في ارتفاع معدلات الجريمة في تلك المدينة. على الجانب الآخر فبالتيمور ككثير من المدن الأمريكية تتميز بالتنوع الشديد بين سكانها الذين يأتون من كل الخلفيات الثقافية والعرقية وينعكس ذلك على المطاعم والمتاحف والمسارح التي تقدم منتجاً أكثر تنوعاً من مثيلاتها في كونستانس.
< هل عملت صداقات في داخل الوسط الأمريكي؟ من مهم الأصدقاء والزملاء الذي توطدت صلة الصداقة بينهم في مكان عملك الحالي؟
> بالطبع، ولكن صداقاتي من المجتمع الأمريكي تنحصر في الأصدقاء الذين تعرفت عليهم من خلال عملي في الجامعة وهم أيضاً يأتون من خلفيات ثقافية مختلفة، هذا بالإضافة إلى أصدقائي المصريين والعرب وهم من أقضي معهم معظم وقتي.
< نبذة عن الجائزة التي حصلت عليها مؤخراً
تمنح جامعة جونز هوبكنز كل عام عدداً من الجوائز للباحثين الشباب المتميزين بكلية الطب، منحتني الجامعة هذا العام جائزة تحمل اسم الجراح الأمريكي الشهير الفريد بلالوك وذلك تقديراً للأبحاث الأخيرة التي نشرتها عن تأثير المواد الطاردة للبعوض على الأعصاب الشمية في البعوض الناقل للملاريا
< ملخص البحث والنتائج التي توصلت إليها
> يعد البعوض هو أخطر كائن على وجه الأرض حيث ينقل العديد من الأمراض إلى الإنسان ويتسبب في قتل ملايين البشر كل عام. أحد أخطر هذه الأمراض هو الملاريا والذي يقتل ما يزيد عن أربعمائة ألف شخص سنوياً. حتى الآن، تعتبر المواد الطاردة واحدة من أفضل وسائل الحماية ضد البعوض والأمراض التي ينقلها ولكن لتلك الطاردات بعض التأثيرات الضارة على صحة الإنسان. فعلى سبيل المثال، أحد هذه الطاردات هي المادة التخليقية (المصنعة) والتي تسمي DEET، هذه المادة لها القدرة على إذابة بعض أنواع البلاستيك والمطاط، ومع ذلك فتلك المادة هي الأكثر استخداماً لما لها من تأثير طارد للبعوض. لذلك حاول العلماء لسنين عديدة الوصول إلى بديل آمن له نفس تأثير ال DEET على البعوض ولكن دون جدوى. يرجع ذلك إلى عدم توصل العلماء إلى الطريقة التي تؤثر بها تلك المادة على حاسة الشم عند البعوض، أو بمعنى أدق كيف تستجيب الأعصاب الموجودة بقرون الاستشعار في البعوض (الأعصاب الشمية) لرائحة تلك المادة. ولذلك قمنا في المعمل الذي أعمل به باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية لإنتاج بعوض تشع أعصابه الشمية ضوءاً فلورسنتياً كلما استشعرت تلك الأعصاب أي رائحة، وبذلك نستطيع ولأول مرة أن نعرف إذا كان البعوض قادر على شم رائحة ما، وأيضاً تحديد الأعصاب التي قامت باستشعار تلك الرائحة. استخدمنا تلك الطريقة الجديدة لاختبار عدد من المواد الكيميائية التي يفرزها جلد الإنسان والتي من المفترض أنها جاذبة للبعوض فوجدنا أنها قادرة على تنشيط عدد كبير من الأعصاب الشمية في البعوض. ثم قمنا بتكرار تلك التجارب باستخدام المواد الطبيعية الطاردة للبعوض فوجدنا أنها تعمل على تنشيط مجموعة أخرى من الأعصاب الشمية. الغريب هو أن المواد الطاردة ذات الأصل التخليقي مثل الDEET لم تؤثر إطلاقاً على الأعصاب الشمية وهو ما يشير إلى عدم استطاعة البعوض شم تلك المواد. هنا وجدنا أن مزج تلك المواد الطاردة بالمواد الكيميائية التي يفرزها جلد الإنسان يؤدي إلى عدم استطاعة الأعصاب الشمية تمييز رائحة الإنسان في ذلك المزيج. معنى ذلك أن الDEET لا يعمل بصورة مباشرة على إبعاد البعوض ولكنه يعمل بصورة غير مباشرة على إخفاء رائحة الإنسان وبالتالي عدم قدرة البعوض على الوصول إليه. تلك النتائج الجديدة هي بداية الطريق لإيجاد بدائل آمنة للمواد الكيميائية الضارة التي تستخدم كطاردات للبعوض.




