سياسة

نهايات الاشياء تبدأ بالقبول بالحضيض

بكري الجاك

هنالك ظاهرة معروفة في علم النفس السياسي وعلم النفس الاجتماعي تعرف بظاهرة جرة الذهب، The Pot of Gold Phenomenon وافضل من كتب عن تطبيقاتها كاتب يدعي شارلس بين Charles Payne  في كتاب له عن فشل السياسات التعليميية المتعلقة باصلاح حال المدارس العامة في امريكا بشكل عام وفي شيكاغو بشكل خاص. عالج شارلس في كتابه  Too Much Reform Too Little Change  اسباب فشل كل محاولات اصلاح المدارس في الاحياء الفقيرة بالذات في المدن فيما يعرف باحزمة الفقر، و الجدير بالذكر للمهتمين أن جورج بوش الابن قد حاول توسيع تدخل الحكومة الفيدرالية في تحسين المدارس عبر ربط الدعم الحكومي الفيدرالي بمستوي المدارس الذي كان يقاس باداء التلاميذ في الفترة من 2004 الي 2014. و بشكل عام التعليم ما قبل الجامعي في امريكا امر محلي للغاية و حتي حكومات الولايات ليس لديها ادوات سياساتية واسعة لاجراء الكثير من التدخلات، فادارة التعليم ترتبط بالمنطقة و يتم تمويله من ضرائب العقارات ( العتب بالبلدي) و عليه المناطق التي ليس للعقار قيمة عالية فيها غالبا ما تكون مدارسها لا تجد التمويل الكافي.

قصة جرة الذهب تقول أن هنالك اناس اتاهم شخص و قال لهم اني هنا لاعطيكم جرة الذهب هذي و بدل أن يفكر هؤلاء الناس في قيمة الذهب و ما يمكن ان يفعلوا به و يشكروا الرجل علي حسن صنيعه قاموا بالتشكيك في اذا ما كان هذا ذهبا فعلا و من ثم شرعوا في مساءلته عن دوافعه و كيف له ان يعطيهم ذهبا هكذا لوجه الريح. الجانب النفسي المتعلق بعلم النفس الاجتماعي و السياسي في القصة يكمن في أن الناس عندما تصل الي مراحل متقدمة من الاحباط و فقدان الأمل في أن تتحسن احوالهم مثل اصلاح المدارس، و من ثم يصبحون متشككون في اي شيء حتي في اصالة جرة الذهب، و في مثل هذه الحالة النفسية والذهنية ليس من الممكن اجراء اصلاحات سياساتية Reforms   كبري او جزئية لأن اول من يعادي هذه الاصلاحات هم الناس الذي يطالبون بها و يلهج لسانهم بسوء الاحوال في غيابها، الا أنهم يتشككون في امكانية تحققها مما يجعلهم أول من يهزم عملية التغيير بالعمل ضدها دون وعي او ما يعرف با  Unconscious Sabotage أو التآمر الغير واعي.

اعتقد أننا في بلادنا و من جراء سوء الاحوال و تدهورها في كل ناحية من اقتصاد و سياسة و اجتماع و أمن قد وصلنا الي محطة متأخرة من الاحباط و فقدان الأمل الأمرالذي يجعلنا في حالة توقع بشكل دائم لما هو اسوأ، توقع هذا الاسوأ لا يثير دهشتنا البتة، بل ما يدهشنا هو الحديث عن اي جرة ذهب تقدم الينا و سرعان ما ننهال فيها طعنا و تشكيكا، و ينطبق هذا في تسمم الجو العام و في حدة النقد، و اليقين في الحكم علي نوايا الآخرين حتي دون أن نعرف أنهم قد يكونوا معنا في نفس الفريق، ذكرني ذلك قبل يومين وانا في انتظار بداية تمرين لكرة القدم مع بعض الاصدقاء في بروكلين و كان هنالك صبية يلعبون مباراة فاذا بابوين اتيا لتشجيع ابنيهما يتشاجران و دخلا في عراك بالأيدي، اوقف الحكم المباراة و اتي موبخا لهما، وما اذهلني أن ابني هذين الرجلين يلعبان في نفس الفريق و سبب الشجار هو أن احدهم لما يباصي الكرة للأخر وهو كان في وضع افضل. مثل هذا الشجار هو ما يملأ الفضاء العام و هو أمر مضر لكني اعتقد أن هذه الحالة لها علاقة بعمق الاحباط والاستعداد للاسوأ.

ما اثار اهتمامي للتفكير في هذه المسألة هو ردة فعلي حين رأيت منشور لبعض الاصدقاء عن أن هنالك جهة تقوم بقطع الاشجار في شارع النيل و مناطق أخري من الخرطوم وهي ليست الجهة الحكومية المخولة لها هذه الصلاحية مما يعني أن هؤلاء عصابة متخصصة في سرقة الاشجار في الاماكن العامة. كانت ردة فعلي أن من يسرق كل شيء لا يستغرب منه سرقة الشجر. واكتشفت لاحقا وانا اقرأ في تعليقات و ردود فعل العديد من الناس انهم تعاملوا مع الأمر بكل عادية و أنه لا غرابة في ذلك، و هذا بالضبط هو ما آلت اليه الاحوال في بلادنا، التطبيع مع الفساد و توقعه، التطبيع مع الموت و العنف و توقعه، التطبيع مع تدهور كل الخدمات و توقعها، و التعامل بكل عادية مع كل السوء و تقبله، و ربما الدهشة حين نري لطف او شيء نظيف او جهاز يعمل بفعالية.

خلاصة القول أن هذه الحالة هي مفهومة و مبررة لكنها مضرة في انها تمكن من التصالح مع القبح الذي يحيط بنا من كل الجوانب و ايضا مخاطرها أنها تجعلنا اكثر استعداد لقبول السوء و البؤس و اشد رفضا لجرة الذهب التي يجب ان نفحصها قبل أن نرفضها، و سيكون لسان حالنا التشكيك في اذا كان فعلا بالجرة ذهب و من ثم مساءلة من يأتينا باي مقترح او فكرة لأننا لاشعوريا وصلنا مرحلة أننا لا نري أننا نستحق الأفضل و الاجود، يجب أن نقف طويلا مع انفسنا وأن لا نقبل بأن هذا البؤس و الفشل المنظم هو مصيرنا الحتمي و اننا نستحقه، نحن بإمكاننا تغيير ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق