سياسة

دور الجيش في السياسة … ملاحظات على حديث الفريق منور

عادل إبراهيم مصطفي*

أولاً: توقفت عند مقطع فيديو متداول في وسائل التواصل الاجتماعي يحوي مداخلة لسيادة الفريق الركن منور عثمان نقد نائب رئيس هيئة الأركان للإدارة في ندوة بعنوان دور القوات المسلحة في العملية السياسية، التي عقدت مؤخراً بأكاديمية نميري العسكرية العليا بحضور ومشاركة عدد من أهل الاختصاص والأكاديميين والإعلاميين.

ثانياً: نبع اهتمامي بالمقطع من منطلقين، أولهما أهمية موضوع الندوة، دور القوات المسلحة في العملية السياسية، الذي يعد موضوع الساعة في الساحة السياسية السودانية، وهو وبرغم أهميته ظل الاهتمام به على المستويين الأكاديمي والإعلامي، محدوداً وقاصراً. وأما المنطلق الثاني فهو أن مقدم المداخلة هو أحد قيادات القوات المسلحة وبالتالي فهو يعبر عنها.

ثالثاً: شملت أهم النقاط التي استوقفتني في مداخلة سيادة الفريق الركن عثمان نقد ما يلي:

1. أهمية التشاور والتحاور بين مختلف المكونات السياسية في خلال الفترة الانتقالية، وبينها وبين المكون العسكري من اجل التوافق حول كيف يحكم السودان والمضي نحو تأسيس حكم ديمقراطي مستدام يخرج البلاد من الحلقة المفرغة التي ظلت تدور فيها، وذلك على أساس الثوابت الأساسية التي لا خلاف حولها كاستقلال الوطن ووحدة أراضيه واستقراره.

2. اتفاق القوي السياسية على كيف يحكم السودان يشكل مدخلاً لتفادي المشاكل التي تسببت في حدوث انقلابات عسكرية وقفت خلفها أحزاب سياسية.

3. القوات المسلحة مؤسسة كبقية المؤسسات، تعمل تحت وزارة مثلها مثل الوزارات الأخرى، غير أن طبيعة عمل القوات المسلحة وإمكاناتها أتاحا لها الفرصة للسطوة التي تُستغل من بعض الجهات لعمل انقلابات عسكرية، ثم يتبع ذلك تسيُّد الحزب الذي وقف وراء الانقلاب العسكري للساحة السياسية.

4. أفراد القوات المسلحة جزء لا يتجزأ من الشعب السوداني يمارسون عملهم على أساس أحكام القانون والدستور.

5. قانون القوات المسلحة ينص في فقرة الواجبات على أن أحد واجباتها حماية الحكم الديمقراطي، وعليه فإن القوات المسلحة ليست ضد الديمقراطية وتقف مع مبدأ حكم الشعب لنفسه ومع خياراته في الحرية والسلام والعدالة التزاما بالقانون والدستور، وهي مفتوحة العينين لأي محاولة انقلابية، كما أن القوات المسلحة لا تطمع في الحكم في خلال الفترة الانتقالية أو غيرها، وهو الأمر الذي أكده سيادة القائد العام للقوات المسلحة في العديد من المواقف.

6. مطلوب من الشعب السوداني، بمختلف مكوناته، الاقتناع بأن الديمقراطية هي الصيغة الأمثل لحكم السودان، لأن التوافق حول كيف يحكم السودان والتداول السلمي للسلطة يشكلان الضمان لاستدامة الديمقراطية، كما أن اقتناع الشعب السوداني بالحكم الديمقراطي سيحرضه للخروج ضد أي محاولة انقلابية وإسقاطها، وهذا ما تريده القوات المسلحة.

7. مشكلتنا أننا لا نعطي الحكم الديمقراطي الفرصة الكافية، وعليه فبعد أن عايش الشعب 16 عاماً هي فترة حكم الرئيس الراحل نميري، ثم 30 عاماً من حكم الحزب الواحد (الحكم العسكري كما يسمى) ، فعلى الشعب بعد أن تحرر بثورته التي نعتز بها ويعتز بها العالم كله، عليه أن يجلس ويتوافق على الديمقراطية كأساس للحكم والذهاب للانتخابات.

8. الآن الفرصة مواتية للتوافق حول كيف يحكم السودان ثم تتولي صناديق الاقتراع تحديد من يختاره الشعب ليحكمه.

9. هناك فرصتان الآن أمام الأحزاب السياسية: التوافق أو الانتخابات، وهما الممكن الآن، وعلى الأحزاب السياسية باعتبار أنها أساس الاختلاف اختيار أحدهما في إطار أن السياسة هي فن الممكن، وذلك حتى يخرج السودان من وضعه الحالي.

10. الفترة الانتقالية فترة محددة بسنوات معدودة، وعليه فلا مبرر للتشاكس خلالها والسعي للحكم فيها. وأيضاً ليس من مسؤولية الحكومة الانتقالية تغيير الثوابت الوطنية، بل أن مهمتها هي استلام الأمانة وتسليمها لمن يختاره الشعب.

11. ضرورة عقد المزيد من الجلسات لمناقشة دور القوات المسلحة في العملية السياسية وتغطيتها إعلامياً، كما لابد من أن يضطلع الإعلام بدوره في التوعية بأهمية الديمقراطية.

رابعاً: تعقيباً على هذه النقاط الهامة التي أثارها سيادة الفريق الركن منور عثمان نقد نائب رئيس هيئة الأركان للإدارة امام ندوة دور القوات المسلحة في العملية السياسية، أرجو أن أدلي بالآتي:

1. شعب السودان يعشق الحرية ويتعلق بالديمقراطية ويتطلع لأن يراها سائدة ومستدامة في بلده. ودون الخوض عميقاً في أحداث التاريخ تكفي الإشارة هنا إلى أن شعب السودان هو الشعب الوحيد في محيطه الإقليمي الذي أشعل ثلاث ثورات ضد ثلاث أنظمة ديكتاتورية مستبدة من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية، ولا يزال شبابه الثائر يبدي حماساً وصموداً منقطع النظير في مواجهة الرصاص والقمع ويقدم أرواحه دفاعاً عن الديمقراطية.

2. إذن المشكلة ليست في شعب السودان، فهو كما قرر الشهيد الأستاذ محمود محمد طه شعب عملاق تقوده الأقزام، لذلك فهو ليس الشعب الذي يطلب منه أن يقتنع بأن الديمقراطية هي الصيغة المثلي لحكم السودان، وإنما الصحيح أن نطلب ذلك من الأحزاب السياسية والقوات المسلحة، خاصة وأن سيادة الفريق الركن منور عثمان نقد قد أقر بأن الأحزاب السياسية هي من يقف خلف الانقلابات العسكرية، مستغلة في ذلك طبيعة عمل القوات المسلحة وإمكاناتها التي تهيئ لها الفرصة للسطوة. عليه فالقوات المسلحة ومن ورائها الأحزاب السياسية المعنية هم المسؤولون عن قطع الطريق أمام استدامة الديمقراطية، كذلك أغلب الظن ان فعلهم هذا يتم بدعم من بعض الأطراف الإقليمية التي تتعارض مصالحها مع وجود حكم مدني ديمقراطي في السودان. وبطبيعة الحال ما كان ممكناً للأحزاب موضع الذكر الانقلاب وقطع الطريق أمام استدامة الديمقراطية إن كانت القوات المسلحة قد تمسكت بواجبها نحو حماية الديمقراطية تناغماً مع قانونها والدستور، وبالتالي لم تستجب لدعوة تلك الأحزاب بتنفيذ الانقلاب المطلوب.

3. وفي ضوء حقائق أن لا ديمقراطية بلا أحزاب، وإن التشاكس بين الأحزاب أمر طبيعي يحدث في غالبية الدول الديمقراطية، غير أن هذا التشاكس لا يصل إلي حد تنفيذ الانقلابات العسكرية حسماً له وتصفية للخلافات فيما بين الأحزاب السياسية، ربما إلا في بلدنا المنكوب، وذلك في تقديري لأن الكثير من أحزابنا، إن لم تكن جميعها، تعاني من الضعف المؤسسي والأخلاقي، الأمر الذي جعل منها أحزاباً غير ديمقراطية، أي أنها لا تقوم بممارسة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة في داخل صفوفها، ولأن فاقد الشيء لا يعطيه، فهي تنفرد بخاصية اللجوء إلي المؤسسة العسكرية لتمكنها من الوصول إلي السلطة والانفراد بها عبر الانقلابات العسكرية. وفي هذا الشأن يبدو واضحاً أن أحزابنا ومؤسستنا العسكرية هم الجهات المسؤولة عن عدم إعطاء الفرصة الكافية للممارسة الديمقراطية، لإكمال دورة واحدة على الأقل، الأمر الذي قد يمكن الأحزاب من تصحيح أخطائها وتقوية بنائها المؤسسي لأجل إتاحة الفرصة للممارسة الديمقراطية لأن تزداد قوةً ورسوخاً بدلاً من أن نبدأ من الصفر عقب كل ثورة شعبية تطيح بنظام دكتاتوري.

4. أعلاه يأخذنا مباشرة لما حدث في يوم 25 أكتوبر 2021، الذي تطلق عليه مؤسسة القوات المسلحة وحزب المؤتمر الوطني المحلول اسم تصحيح مسار الثورة. إلا أننا إن نظرنا لما حدث بمنظور ما قررته أدبيات العلوم السياسية، وبمنظور تجاربنا وبعض دول محيطنا الإقليمي، في شأن تعريف الانقلاب العسكري، فسنجد أن كثيراً من عناصر التعريف تنطبق على ما حدث في يوم 25 أكتوبر تماماً، الشيء الذي يضعه في خانة الانقلابات العسكرية، وهذه العناصر المعنية هي الإعلان عن بيان هام يتضمن، بعد الانتظار والترقب، حل الحكومة القائمة واعتقال قيادتها ورموزها، وإعلان حالة الطوارئ، وتعليق العمل بالدستور كلياً أو جزئياً.

5. وعلى ضوء حقيقة أن الانقلابات العسكرية في بلدنا تقف وراءها أحزاباً سياسية كما قررنا بعاليه، وهي الحقيقة التي أكدها سيادة الفريق الركن منور عثمان نقد في مداخلته التي نحن بصددها أمام ندوة دور القوات المسلحة في العملية السياسية، أقول أن أصابع الاتهام بالوقوف خلف الانقلاب الذي نفذه سيادة القائد العام للقوات المسلحة تتجه مباشرة إلي حزب المؤتمر الوطني المحلول، وذلك بدليل أن جل القرارات التي اتخذها الانقلاب والخطوات التي طبقها استهدفت بصورة مباشرة وقف عملية تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989، وذلك من خلال حل اللجنة المنوط بها تنفيذ عملية التفكيك واعتقال قادتها وإلغاء قراراتها الخاصة بحل مؤسسات وواجهات النظام، إلي جانب قيام سلطة الانقلاب بإعادة الأموال والأصول التي صادرتها اللجنة من بعض قادة ورموز نظام الثلاثين من يونيو، وإعادة منسوبيه الي مواقعهم الذين فصلتهم منها لجنة تفكيك التمكين، التي شهد سيادة الفريق ياسر العطا بنزاهة قياداتها الذين اعتقلهم الانقلاب، وكفاءتهم من الناحيتين الفنية والأخلاقية.

6. وفي تقديري أن هناك الكثير من الحقائق الإضافية التي تعزز هذا الرأي الذي ذهبت إليه أعلاه، مثل توقيت حدوث الانقلاب قبل أيام من استحقاق تسليم رئاسة مجلس السيادة الانتقالي الي المكون المدني بحكم الوثيقة الدستورية، ثم وصول عمل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو الي (اللحم الحي) كما تقول لغة شارعنا المرهف، في عملية التفكيك. هذا إلي جانب أن مبادرة الحوار والتوافق السياسي التي تبنتها السلطة الانقلابية، بفعل الضغوط الداخلية والخارجية كما يبدو واضحاً، والتي أكد على ضرورتها سيادة الفريق الركن منور عثمان نقد في مداخلته، في تقديرنا أنه كان الأجدر بسيادة القائد العام للقوات المسلحة، إن لم تكن النية مبيتة للانقلاب، تبني مبادرة الحوار والعمل على تحقيقها من موقعه كرئيس لمجلس السيادة الانتقالي، المنصب الذي وضعته فيه الثورة، وذلك لتصحيح ما بدأ من اعوجاج في مسار الثورة، وصولاً لبلوغ أهدافها في تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وتطبيق العدالة الانتقالية والمضي قدماً في بناء وطن الحرية والسلام والعدالة، الشيء الذي كان يمكن ان يسجله التاريخ لرئيس مجلس السيادة الانتقالي كعمل عظيم يصب في اتجاه تحقيق آمال وتطلعات شعبه التي جسدها في شعارات ثورته العظيمة التي وقف العالم مفتخراً بها ومتغزلاً في سلميتها وتضحيات شبابها وأهازيج ثوارها وكنداكاتها.

7. ثم أمر آخر يتعلق بالإفرازات السالبة للانقلاب، التي على رأسها تسببه في إجهاض المكاسب التي حققتها الحكومة الانتقالية بقيادة د. عبد الله حمدوك في خلال عامين، والمتمثلة في شطب اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، وإخراج الوطن من وضع الدولة الفاشلة غير القادرة على سداد ديونها وإعادته إلي النظامين المالي والمصرفي الدوليين والموافقة على تقليص ديونه لأكثر من النصف، فضلاً عن فتح الباب أمام القروض والمعونات والاستثمارات الدولية، إلي جانب الإصلاحات التي تمت في الاقتصاد الكلي وتحسن أداء الميزان التجاري واستقرار سعر الصرف . كل هذه الإنجازات تلاشت، وبلغ الانهيار في الميدان الأمني والصحي والاقتصادي ومعاش الناس مبلغاً عظيماً، وباتت نذر المجاعة تهدد أعدادا كبيرة من المواطنين، ليس هذا فقط، بل أكثر من ذلك حدث ما كان متوقعاً من تعليق برنامج إعفاء الديون وكل الاتفاقيات التي خرج بها اجتماع نادي باريس وأصدقاء السودان في خلال زيارة د. حمدوك لفرنسا وكل ما ترتب على الاجتماع الإسفيري لأصدقاء السودان، فهل يا تري من البداهة و المنطق أن تكون هذه النتائج الكارثة ثمرةً لعملية تصحيح مسار!

8.وأما مسألة الذهاب إلي صناديق الانتخابات التي وضعها سيادة الفريق الركن منور عثمان نقد إلي جانب توافق المكونات السياسية كشرطين مطالباً القوي السياسية بأن تختار أحدهما للخروج من الأزمة التي صنعها الانقلاب ،وهي ذات دعوة قائد الانقلاب، فهي تبدو غير عملية، لأن الانتخابات تتطلب أولاً وقبل كل شئ توافقاً حولها من قبل كافة القوي السياسية، كما تحتاج الي ظروف أمنية مواتية، فضلاً عن توفر الإمكانات لتأمين عودة اللاجئين والنازحين إلي ديارهم وإجراء تعداد سكاني وتوزيع الدوائر و……….الخ، وتهيئة الظروف والأجواء التي تضمن إجراء انتخابات تتوفر لها أسباب الكفاءة والنزاهة والحرية، الأمر الذي يصعب حدوثه في ظل سلطة انقلابية لا تجد القبول من الشارع السوداني وغالبية قواه وكياناته السياسية والمجتمعية وعلى رأسها قوي ثورته الحية.

9. وفيما يخص ما ذكره سيادة الفريق الركن منور عثمان نقد نائب رئيس هيئة الأركان للإدارة حول مسؤوليات وواجبات السلطة الانتقالية، وإنها يجب أن لا تمتد لتغيير الثوابت الوطنية، بل تقتصر فقط على تسلم الأمانة وتسليمها لمن يختاره الشعب، أتساءل ألا تعد قضية مقاطعة إسرائيل وعدم تطبيع العلاقة معها من الثوابت الوطنية !!؟؟ وعليه، لماذا باشرت السلطة الانتقالية تطبيع تلك العلاقة، وألتقي رئيس مجلس سيادتها الانتقالي برئيس وزراء إسرائيل، وأرسل الوفود العسكرية والأمنية الي تل أبيب واستقبل وفود الموساد الإسرائيلي في الخرطوم عاصمة اللاءات الثلاث!؟

10. وختاماً، يبدو واضحاً لمن كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد أن بلدنا تعيش أزمة حقيقية تسبب فيها انقلاب 25 أكتوبر، وإن المدخل للخروج من هذه الأزمة هو إنهاء الانقلاب، وبالتي هي أحسن من خلال التحلي بالحكمة والتقدير الصحيح للإمور، خاصة من طرف قادة الانقلاب وداعميه في المقام الأول. ولعل الحوار الذي تتبناه الآلية الثلاثية يتيح الفرصة للخروج من الأزمة، ولذلك فالمطلوب من كل القوي والكيانات السياسية عدا حزب المؤتمر الوطني والأحزاب التي شاركته الحكم حتى يوم 11 أبريل 2019، وذلك احتراما لمبادئ وأهداف ثورة ديسمبر – أبريل المجيدة وشهدائها الكرام، المطلوب من هذه القوي السياسية الانخراط في الحوار، بمشاركة ممثلين للقوات المسلحة، لمناقشة والتوافق حول السبل الكفيلة بإنهاء الإنقلاب وخروج القوات المسلحة من العملية السياسية وإكمال عملية الانتقال نحو الحكم الديمقراطي بقيادة حكومة مدنية.

مع احترامي لسيادة الفريق الركن منور عثمان نقد نائب رئيس هيئة الأركان للإدارة، وشكري وتقديري للجهات التي ساهمت في تنظيم الندوة حول دور القوات المسلحة في العملية السياسية، وأضم صوتي لصوت سيادة الفريق الركن في المطالبة بعقد المزيد من الندوات وورش العمل العلمية حول هذا الموضوع الهام والتوسع في تغطيتها إعلامياً.

والله من وراء القصد 

* سفير السودان في تركيا الذي أقاله قائد الانقلاب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق