خبراء المناخ

الاستقطاب و«اللامحورية»

يقظان التقي

عقدت القمة التاريخية لحلف شمال الأطلسي في مدريد، في خضم أكبر أزمة أمنية في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولصياغة استراتيجية جديدة لردع روسيا. حالة استقطاب بمشاركة 40 رئيس دولة وحكومة، في مقدمتهم الرئيس الأميركي جو بايدن، وبمشاركة نحو خمسة آلاف شخص، بينهم صحافيون، وباحثون. هي لحظة محورية في ظل الحرب الروسية الأوكرانية. يرسل الحلف إشارات قوية إلى الصين وروسيا، ويحاول تجاوز الخلافات الداخلية السابقة، وحسم مسألة ضم فنلندا والسويد إلى حلف الناتو، في توسّعية «الاستقطاب على المستويين الدولي والإقليمي». في المقابل، يبرز مصطلح «اللامحورية» من بين المفاهيم المستحدثة، كأحد الحلول المتداولة للخروج من تداعيات الأزمة الأوكرانية، وفي إطار البحث عن مواقف سياسية رافضة سياسات الأمر الواقع، والتحضير للأسوأ، في عالم عاصف بالمشكلات المتقابلة، واستحالة جعلها شأنا إقليميا.

لا تختلف «اللامحورية» كثيرا عن «الحيادية» إلا بتعبيراتها السياسية التي لا تخضع لقواعد قانونية تبلورت مع سياسة عدم الانحياز منذ نشأتها في مؤتمر بلغراد التأسيسي عام 1961، وفي مؤتمري الجزائر 1975، وهافانا العام 1999، فاللامحورية هي الوجه الآخر من سياسة عدم الانحياز. أهم تطور طرأ على سياسة دول العالم الثالث، من أجل التحرّر من الاستعمار، ورفض سياسة الكتل، والالتزام بإقامة علاقات دولية سلمية.

«نحن ولدنا من الاحتجاج والتمرد على الظروف السائدة في مجال العلاقات الدولية، والناجمة عن انقسام العالم إلى كتلتين ضخمتين». تعريف استند حينها إلى تطور السياسات في حركةٍ تؤكّد على مبادئ السلم والأمن الدولي، وإلى قوة العالم الثالث السياسية التي تعمل على إصلاح النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي الدولي، وفقا لمعايير المؤتمر التحضيري، الذي عقد في القاهرة في سنة 1961، نتيجة محادثات الزعماء الثلاثة: نهرو وجمال عبد الناصر وتيتو.

لم تتغيّر فلسفة هذه السياسة، تقوم على أن «القرارات الدولية المصيرية لم يعد يمكن صدورها على مستوى الدول العظمى قط، وكتابة تاريخ المجتمع الدولي أصبحت تحتم مشاركة جميع أعضائه». وقد بقيت مضامين تلك السياسات، في مجملها، تمنياتٍ سياسيةً بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنها تأخذ الآن مع استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا أبعادا جديدة والتزامات حقيقية. ليس فقط من أجل المحافظة على السلم والأمن الدوليين ودمقرطة العلاقات الدولية، بل خشية من قيام حرب عالمية ثالثة أكثر قسوة، فالعالم في غنىً عن العودة إلى أجواء الحرب الباردة، وتجميد الساحة الدولية. ثم رفض عذابات الشعوب، كما يقول ألفرد سوفيّ (1898-1990) «يريد هذا العالم الجديد أن يكون شيئا ما غير الحرب».

يوحي استمرار الحرب الأوكرانية بلوحة جديدة، في قائمة مواقف دولية لم تغادر حدود التكتيك السياسي. هذا نتاج حدة الصراع الروسي – الغربي، وانعدام الثقة بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، من جهة، والميل عند دول أخرى إلى استغلال الحرب، لتحقيق مزيد من المجتمع الاستهلاكي، وبآليات تأثير تمنع وعي مشكلات المجتمعات، ولا تقيم التوازن في العلاقات الدولية. بالعكس، تعزز الحرب التقاسم والهيمنة على الاستثمارات والموارد المالية الكبرى، هذا غير السرديات التاريخية، مثل العداء لروسيا والصين، يقابلها سعي موسكو نحو عالم متعدّد القطبية. تشهد الحرب اختلافات وحرب كمائن متبادلة. تشهد على ذلك أنماط التعاطي المتباينة مع استمرار الحرب بين من يسعى إلى الاستقطاب الواسع في مدريد لصياغة استراتيجية جديدة لردع روسيا. ما يعكس توجها أطلسيا نحو اصطفافات جديدة وتوسعيّة في استراتيجية العام 2000، «التدخل خارج النطاق»، وبين من يريد أن يقف في المنتصف عند حدود الشراكة مع المحورين، يتحقق ذلك أكثر في منطقة الشرق الأوسط والهند، وفي أفريقيا. والدول الناشئة في جنوب شرق آسيا، دول الخليج العربي ومصر والهند كانت حذرة جدا من التحضير للأسوأ، واخذت موقفا حياديا. لم يعد لها ثقة كبيرة بالحليف الاستراتيجي الأميركي، وبدأت بتدوير تحرّكاتها. تواصل اتصالاتها مع الصين وروسيا والجانب الأوروبي، وفي تنويع تحالفاتها، فيما الموقف التركي البراغماتيكي يعاني من مسألة المقايضات المعقدة. ولذلك يأتي التوصيف عن قمّة تاريخية لحلف الناتو في مدريد 2022 أنها تعكس تحولا جذريا، ليحتوي أفكارا يشوبها التناقض، فأوروبا تعوّل على استراتيجيات مستقلة، والإحساس بعدم الثقة بالقوة الأساسية الأميركية حقيقي عند انسحابها من أفغانستان ..

أدخلت مسألة أوكرانيا أوروبا في صراع استراتيجي. لم تكن بحاجة إلى هذا الصراع وارتداداته، مثل تحويل روسيا إلى عدو استراتيجي، كما الصين. سيسعى هذا الموقف الاستراتيجي للجانب الأوروبي إلى احتوائه، ثم أن المانيا وفرنسا تحتاجان خمس سنوات للبدء في هذه الاستراتيجية. الأزمة تفرض نفسها على الجميع. هي أزمة عولمة محققة، قلبت في السبعينيات عالما كان خاضعا للثنائية القطبية. والاقتناع يقول إن وصفات الضبط التقليدية الأميركية لم تعد تحتفظ بكثير من فعاليتها، والدليل حجم المعضلات التي يصطدم بها الفاعلون في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وعبثا الظن بقدرة الإفلات من الآثار المترتبة على «مأزق الجار» التي تهز الاستقرار في نظام عالمي تعمّه الفوضى، ذلك أن هناك تناقضا كبيرا بين الحتمية الجغرافية من جهة والإرادة المطلقة وميزان القوى والسلطان المادي من جهة أخرى.

تفرض الحتمية الجغرافية أحكام الجغرافيا على البشر، مثل القوانين الطبيعية التي لا مناص منها، فالجغرافيا تقرّر النشاط الاقتصادي لشعب من الشعوب. ويسري هذا الأمر، بالنسبة إلى أوكرانيا، ويريد الغرب من الأوكرانيين منع الجيش الروسي من الوصول إلى الحدود الغربية، أي منع التماسّ المباشر مع الروس. وهذا أحد أهداف اجتماعات مدريد وتسعة مليارات دولار من الأسلحة لم تصل إلى أوكرانيا بعد! فكرة لا شرق ولا غرب من أفكار المفكر اللبناني ميشال شيحا (1891-1954) عن لبنان المحاصر بديموغرافيا إقليمية تؤثر على مسيرة الكيان المهدّد بالاندثار. في أيام الثورة الإسلامية في ايران، اتخذت السياسة الخارجية شعار «لا شرقية ولا غربية»، في التعبير عن نمط جديد من التعامل الإيراني مع الهيئة الدولية. مع ذلك، يجري الحديث في ايران عن «البعد الاستعماري» في السياسة الخارجية لروسيا القيصر، ويرون أن هذه المطامع كانت مسؤولة عن حروب عديدة مع إيران، سيما في فترة ضعف الدولة المركزية عقب سقوط الصوفيين . .. واستمرار المبادرة القطرية بموازاة الحركة الأوروبية، قد تشكل الفصل الأخير قبل العودة إلى فينيا وتوقيع الاتفاق النووي الذي تبدو ايران مستعجلة له، وعدم إغراقه أكثر في الحرب الأوكرانية. هل يمكن أن يكون مستقبل أوكرانيا «لا محوريا»؟ هذا يتعلق ببنى مختلفة ودراسات بنيوية وتاريخية مختلفة.. يمكن القول إن الجغرافيا هي التي تخلق التاريخ، وتتحكّم بمصائر الأمم واستراتيجياتها، فيما ينظر إليها الروسي فكرة فيها سمات «الفاشية»، فيما مركز القطبية العالمية يغرق في محيط من الضبابية.

(عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق