ثقافة وفن

قصة من الواقع

زوجان لامرأة «الحلقة الأولى»

د. إسماعيل محمد النجار

جبل الغيم، من جبال اليمن المشهورة لإطلاله على مدينة الأحلام، وتكمن أهميتها بموقعها الاستراتيجي وكثافة سكانها وبناءها المعماري الجميل على سلسلة الهضاب والتباب المكونة لها، وتمتاز بطيب أرضها وأهلها وثقافتهم وتحضرهم وإشرافها على البحر من الجهة الغربية، ويحتضنها جبل الغيم من الجهة الشرقية وجزء من الجهة الشمالية والغربية، ويتوضع على جبل الغيم المدرجات الزراعية كثيفة الأشجار المثمرة والأحراش، لتشكل لوحة فنية في غاية الإبداع ، وتنتج زراعيا الفواكه من رمان وتين والخضروات والقات والحبوب بمختلف أنواعها، ويبرز من جبل الغيم تباب صغيرة لتشكل أماكن سياحية في غاية الجمال، لتشبع العين ببنائها واطلالتها على الشاطئ، ويغمر الغيم الناس والابنية في كثير من الأوقات وخاصة في الساعات الأولى من الصباح ، وعند الصعود إلى قمة الجبل، تنظر إلى مجموعة من الهضاب الزراعية تحصر بينها أودية وتسير بينها المياه لتشكل منظراً طبيعياً خلاباً، وفي جبل الغيم ربوبية البيت أو المنزل مشتركة بين الأب والأم بحكم الوضع الاقتصادي للرجل والمرأة، فهما يتقاسمان القرار بالمشاركة بحكم تكافئهما بالعمل ، و يعمل أهالي جبل الغيم بالنشاط الزراعي ليشكلوا السلة الغذائية لمدينة الأحلام، ويزرعون أرضهم أكثر من موسم ، يشترك النساء والرجال والأولاد بزراعتها كأسر منتجة اقتصادياً ، ويزرع الأب الأرض، يساعده الأبناء بينما تقوم الزوجة وبعض بناتها في تسويق المنتجات الزراعية في مدينة الأحلام، وتنزل النساء من الجبل كل واحدة منهن حاملةً على رأسها أواني مصنوعة من الخيزران مدورة وعليها فتحة من الأعلى دائرية لها غطاء من الخيزران، وتلبس كل واحدة منهن ملابس بيضاء ملفوفة أكمامها للمرفق، وعلى الرأس تلف قطعة من القماش الأبيض المطرز ليصبح مدور على شكل المشدة أو القبع، وتضع عليه او على أذانها مشاقر (أشجار تطلق رائحة عطرية طيبة) ويدهنن وجوههن بالدهنة أو بالمواد الطبيعية، مع وضع كحل خفيف على العينين ليعطيهن بهاءً وجمالاً، ويلبسن سراويل بيضاء تنتهي عند كعب الرجلين بتطريز يدوي جميل، وعند مشاهدة نزولهن من الجبل تشاهد لوحة فنية جميلة متحركة متجهة إلى الأسفل عند النزول صباحا أو الأعلى عند الصعود أو العودة، يصلن في الصباح الباكر ويتوزعن على أسواق مدينة الأحلام ويحتشد المتسوقون وينال كل واحدا منهم مبتغاه من منتجات جبل الغيم وخاصة القات والخضروات والفواكه والحبوب، في سفح جبل الغيم تمكث قرية المرج كثيفة الأشجار الزراعية، لا تظهر إلا الأبنية ذات الدورين نتيجة تغطية الأشجار الزراعية الباسقة من فرسك (خوخ) ورمان وتين إلى آخره ، ويبلغ عدد سكانها ألف وخمسمائة نسمة تقريبا، ومن الأسر المشهورة بملكيتها للأراضي ووفرة المنتجات الزراعية، أسرة جلال قحطان الزهم، المكونة من الأب والأم وخمسة أولاد وثلاث بنات ، يتشارك قحطان الزهم مع زوجته سعادة الدوح في إدارة زراعة الأراضي وتسويقها، ويقوم الأولاد بمساعدة والدهم في زراعة الأرض بينما تقوم الأم وبناتها بتسويق المنتجات في المدينة، تنزل الام للمدينة فجرا وغالباً ما تصحبها ابنتها الكبيرة ذكرى ويبلغ عمرها سبع سنوات وتساعدها في ترتيب المنتجات داخل إناء الخيزران لعرضها على المتسوقين، كما تلاحظ المتسوقين إثناء الزحام حتى لا تفقد أو تسرق بعض المنتجات ، وفي الأوقات العادية تلعب مع فؤاد نجيب الثاقب وعمره تسع سنوات، ويمتلك والده محل في السوق له فتحة صغيرة على شارع السوق ويمتد عمقا للخلف حتى يصل للشارع والحارة الخلفية، ويستخدم الجزء الخلفي لخزن البضائع والأمامي لعرضها ويحتوي المحل على خليط من الأدوات المنزلية وعصائر وشوكولاتة وبهارات ، يساعد فؤاد والده في إدارة المحل لتمتعه بذكاء وخبرة تمكنه من البيع والانتباه أثناء الزحام، أو يقوم مقام والده أثناء تركه للمحل حتى عودته ، تجلس سعادة الدوح مع بنتها ذكرى بجوار محل نجيب الثاقب ، وبين الوقت والأخر يخرج فؤاد من المحل الشوكولاتة والحلويات ليعطي ذكرى ، وتحتفظ ذكرى ببعض الفواكه وتحملها من قرية المرج لتعطيها فؤاد، وعلاقة نجيب بسعادة الدوح جيدة وتقوم على الاحترام المتبادل ومساعدة بعضهما في البيع والشراء، ويتناولون وجبة الغداء أمام المحل عند تأخر والدة ذكرى في بيع المنتجات الزراعية، وعادةً ما يرددان على مسامع فؤاد وذكرى أنهما سيتزوجان بعضهما ، وعندما تغيب ذكرى يحزن فؤاد ويقضي وقته في حالة سكون وتفكير، ولا يروق له العمل ألا بحضور ذكرى ليلعبان ويتناولان الفواكه والحلويات، واستمرا مع بعضهما حتى بلغت ذكرى عمر اثنى عشر سنة، ومنعها والدها ووالدتها من نزول مدينة الأحلام، لتنزل أختها زينب وعمرها سبع سنوات بديلاً عنها، تكدر فؤاد وعاش في وضع نفسي غير مريح وأصبح كثير الفوضى والمشاكل، ولا يلتزم بمساعدة والده في المحل وتعرض للعقاب بالتوبيخ تارةً والضرب تارةً أخرى من والده ، أما ذكرى فكانت تقضي وقتها متكدرة وحزينة وعنيدة في كل ما يطلب منها، لتساعد والدها وإخوانها، وفي بعض الأوقات ترفض التعاون معهم لتتعرض للضرب الشديد واجبارها على العمل لتؤدي عملها بدافع الخوف من والدها، اما فؤاد يسافر لقرية المرج  في جبل الغيم خفية بين الفترة والأخرى لرؤية ذكرى ويلتقي بها على عجل لدقائق ويتبادلان الهدايا من حلويات وشوكولاتة وفواكه، وفي كل لقاء يجددان تعهدهما على الوفاء لبعض حتى يتم زواجهما أو يتوفاهما الله ، حثت ذكرى فؤاد على تعلم التجارة وبناء مستقبله خطوةً خطوة حتى يصبح له محل ومنزل يجعله يستقل عن والده ويتزوجها ويقيما في مدينة الأحلام ، فنشط واجتهد في التجارة وبدأ حياته من الصفر، ليشتري البضائع بالجملة لحسابه الخاص ويعرضها في الأسواق أو على قارعة الطرق، وما أن بلغ عمره السابعة عشر سنة حتى امتلك محل أكبر من محل والده ليطوره بعد سنتين ويصبح أكثر سعة ، وفي عمر الواحد والعشرين بنى على مقربة من السوق منزلاً مكون من دور، الواجهة محلات تجارية وفي الخلف شقة للسكن، وأصبح في حالة استعداد للزواج منتظراً الفرصة ليتفاهم مع ذكرى على كيفية الزواج، وتقدم لذكرى العديد من العرسان لترفض وتعرضت للضرب أكثر من مرة منتظرةً  على احر من الجمر مجيء فؤاد للارتباط بها، اتفق فؤاد وذكرى على البدء بإجراءات الزواج، وطلب من والده خطبة ذكرى فقابله بالرفض الشديد للارتباط من سكان جبل الغيم لان نسائهم تعمل في الأسواق وعرضة للتحرش والمعاكسة الدائمة وقال : يا فؤاد نحن أسرة محافظة وعليك أن تختار امرأة محافظة وتلازم دارها معظم وقتها، وعرض عليه العديد من العرائس ولكنه رفض مصمماً على الزواج من ذكرى ، فأقسم والده لو أقدم على هذه الخطوة سيتبرأ منه، فاضطر فؤاد لاصطحاب بعض وجهاء مدينة الأحلام وذهبوا لمقابلة جلال قحطان الزهم، وعند وصولهم عرف ما يريدون ولم يستقبلهم الاستقبال اللائق ، و طرحوا عليه طلبهم يد ذكرى  و رفض رفضاً قاطعاً بحجة عدم اقتناعه بزواج ابنته للمدينة قائلاً : لا يوجد نصيب ، حاول فؤاد مرات عديدة لكن جلال قحطان الزهم رفض اخر مرة قائلاً: لا أريد تزويج ابنتي من ابن الثاقب فؤاد، وتضايق من كثرة الوساطات مهدداً باستخدام وسائل غير لائقة لصد فؤاد ، وأقدم جلال بعقد قران ابنته ذكرى على ناصر أحمد الطحس دون رضاها، وخيرها بين القبول أو القتل ، ويعتبر والد ناصر الطحس من كبار الأسر المالكة في قرية المرج ومن أثرياء جبل الغيم، وتحول الزواج مأتماً لها وعند لقاء ذكرى بناصر حاولت إقناعه أنها لا تريده زوجاً وتعتبره أخاً لها وان عقد الزواج باطل وغير صحيح لأنه تم بغير رضاها، فقابلها برد قاسي ومؤلم وقال لها : لم أتزوجك لتقولي هذا الكلام وعندي إذن من عمي جلال لتأديبك إذا رفضتي أو حاولتي التهرب من واجباتكِ كزوجة داخل البيت وخارجه ، توسلت إليه وعرضت عليه أن تخدمه وأهله وتكون طائعة وعبدة بشرط أن لا يلمسها ، عنفها ناصر وأمرها بالخضوع في سرير الزوجية فرفضت وقاومت لكنه أجبرها بالقوة وتركها تصرخ وتبكي قائلاً : لا تعتقدي أنكِ ستلعبي معي وعليكِ الخضوع أفضل من استمرار استخدام القوة ، وهكذا استمر بمعاشرتها بقوة وحملها معظم أعمال المنزل والزراعة ، وحملت بأول مولود وانقطعت علاقتها بفؤاد ولم يتمكن من التواصل معها بعد تهديد والدها له مضطراً للزواج من ابنة عمه وأنجب ولدا، وهكذا مرت السنيين لتنجب ذكرى ولدان وبنت، أما فؤاد فصار له بنتان وولدان وظل حبهما لبعض  كامنا في داخلهما ولم ييأس الطرفان من إمكانية الارتباط  حتى في الاحلام وإن لم يتحقق ، رضخت ذكرى وأقنعت نفسها بالتكيف مع ناصر وعائلته من أجل أولادها وحتى يسمح لها ناصر بالنزول لمدينة الأحلام لبيع المنتجات الزراعية كما كانت تفعل والدتها واقتنع ناصر وعائلته بنزولها للمدينة دون معرفتهم بموضوعها السابق على الرغم من معارضة والدها ووالدتها، ونزلت للمدينة في الفترة الأول لتبيع منتجاتها يوميا وبشكل طبيعي ، ولم تمضي ستة أشهر إلا وبدأت تسأل عن فؤاد وأخباره من المقربين، حتى عرفت عنوانه ووضعه العائلي ، وبعد تردد وصراع داخلي اتصلت فيه وتبادلا الحديث أكثر من مرة عبر التلفون حول وضعهما، ووصلا في الأخير إلى نتيجة أنهما ما زالا يحبان بعضهما ويعملان على الوفاء بالزواج كما تعاهدا وأقسما على ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق