سياسة

ناموا وأعينكم مفتوحة!

فضيلي جماع

قد يختلف مكان وتاريخ الثورة – أي ثورة. لكن تظل غايةُ الثوراتِ كلِّها واحدة: تحقيق حلم الإنسان بإقامة مجتمع الحرية والعدالة والعيش الكريم. لذا فإنّ أوّل ما تستهدفه ثورات الشعوب القضاء على الاستبداد ومحوِ آثارِه، ثم السعي قُدُماً لإقامة سلطتها البديل. ولأنّ هزيمة وتفكيك النظم المستبدة ليس نزهة، فإنّ الثائر الحقيقي هو الذي يجمع بين خاصة الحلم، وإعمال ديناميات الثورة وخططها في مقارعة سلطة الاستبداد. إنّ الثائر الذي لا يحلم في صحوه بعالم الحرية والعدالة على أنقاض حكم الطغاة، لن يكون بمقدوره استخدام آليات الصراع بالكفاءة التي تقضي على دولة الاستبداد وتفكيك بنيتها. يقول الشاعر والمفكر المكسيكي الكبير أوكتافيو باز (1914-1998): «عليكَ أنْ تنامَ وعيناكَ مفتوحتان. عليكَ أن تحلُمَ بصوتٍ عالٍ. عليكَ أن تُغنّي حتى تأخُذَ الأغنيةُ جذورَها. “!!

قصدت من وراء هذه التقدمة أن أقول لمن يقفون في صف الثورة – وهم الملايين على طول البلاد وعرضها، أنّ القناعة بأنّ قلوبنا مع شباب الثورة لا تكفي. لقد سبقنا جيل الشباب الذي يقود شارعنا الهادر اليوم بوعيهم الجارف بالثورة. لأنهم وضعوا نصب أعينهم – منذ انفجار الثورة في 19 ديسمبر 2018م ، مروراً بالاعتصام التاريخي وجريمة فض الاعتصام، عطفاً على 30 يونيو الذي أعاد للثورة أجنحتها بعد أن ظن الواهمون أنهم قضوا عليها ، وضع جيل الشباب نصب أعينهم طيلة هذه الفترة أنّ إنجاح الثورة لن يتحقق خلف دوائر المحادثات المغلقة، ولا نصائح كبريات الدول لنا بالجلوس مع قتلة أبنائنا وبناتنا، لكي نقتسم معهم سلطة مؤقتة تفضي إلى قيام انتخابات تليها إقامة الدولة التي نحلم بها. تعرف لجان المقاومة وشباب الثورة أنّ إرخاء الأذن ينبغي أن يكون لنبض الشارع – للمغبونين من أبناء وبنات شعبنا. عرفوا منذ البداية أنّ الذي يفاوضك ويده على الزناد لا يمكن أن يكون حريصاً على خير هذه البلاد. عرفوا أنّ شعبنا الذي ظل يقاوم فاشية الأخوان المسلمين ثلاثين سنة لم يقف معه من نسميهم بالأشقاء ولا الأصدقاء. حتى إذا قطعنا رأس الحية، هُرِعوا إلينا. منهم من يمدُّ إلينا يمناه بالسلام وفي يسراه الخنجر. ومنهم يساوي بيننا وبين القتلة ولا يضيره أن يسدي إلينا النصح بالجلوس معهم لنصلح حال البلاد معاً إذ يدّعون! لا كانت هذه الثورة ولا كنا جديرين بوصايا رتل الشهداء وشرف دمع أمهاتهم إن أعطينا القاتل اعترافاً بالجلوس معه حول طاولة واحدة! لقد أشعل شعبنا ثورته دون الإذن من أحد. وستصل الثورة غاياتها دون وصاية من أحد. فالتاريخ يقول في سجلاته أن ليس من عصابة هزمت شعباً.

ومع كلِّ احترامنا لمهمة بعثة الأمم المتحدة ومعهم الإتحاد الأفريقي والإيقاد، إلا إنّنا نقول لهم: من الأفضل أن يعرف المجتمع الدولي ماذا يريد شعب السودان. فحين تلف وتدور دبلوماسية الوسطاء الدوليين في حلقة مفادها أن تساوي بين القاتل المدجج بالسلاح والمال والسلطة وبين القتيل المسالم الأعزل، نرى من الأفضل أن يفضوا هذا المولد ويتركوننا وشأننا. إنّ شعبنا قادر أن يلحق الهزيمة بالعصبة التي اختطفت بلداً بأكمله وسيرى العالم كيف تنتصر الشعوب على العصابات وقاطعي الطرق! هل يعلم دبلوماسيو الثلاثية كم من الشهداء والجرحى ونزلاء المعتقلات والمفقودين قدم شعبنا ثمناً للحرية في ثلاث سنوات من الزحف الثوري الجارف؟ إنّ شعباً أعزل تقف بناته وأولاده في وجه البندقية دون خوف من الموت لقادر أن يرفع راية الحرية في أرضه بالانتصار على عسكر ومليشيات الإخوان المسلمين طال الزمن أم قصر.

هل أحاطت «الثلاثية» التي تقول بأنها تلعب دور الوسيط -ونحن نصدقها – هل أحاطت المجتمع الدولي الذي تمثله بالخسائر البشرية الفادحة التي يدفعها شعب أعزل في مواجهة عصبة مدججة بالسلاح شعارها: (اطلق الرصاص لتقتل shoot to kill؟) وبعد كل هذا تعشم منا الثلاثية أن نعطي اعترافاً للقتلة بالجلوس إليهم حول طاولة واحدة؟

أفادت اللجنة المركزية للأطباء السودانيين في آخر إحصاء لها بعد التظاهرات السلمية الضخمة التي عمت مدن البلاد في الذكرى الثالثة ليوم 30 يونيو- أفادت أنّ حصيلة جريمة العسكر ومليشياتهم كانت 9 شهداء و629 جريحاً في يوم واحد. كانوا يستخدمون الرصاص الحي ضد المتظاهرين السلميين، مما يعطي الدليل بأن عصبة الانقلابين من عسكر الإخوان المسلمين ومن يقف معهم من مليشيات وقناصين – يخوضون حرباً ضد شعبنا بكل ما تعني كلمة حرب من معنى. فقد جاء ضمن رصد لجنة الأطباء السودانيين أنّ 35 إصابةً بالرّصاص الحي كانت في الصدر والعنق. وأنّ 14 إصابة كانت في الرأس. والأبشع أن من بين الإصابات 10 حالات دهس بسيارات الأجهزة الأمنية! هذه لغة الحرب، ومن الإضاعة للوقت التفكير – مجرد التفكير – في الجلوس إلى العصبة التي أعلنتها منذ أن اخترقت صف الثورة في الوثيقة الدستورية المعيبة التي شبعت موتاً، والتي قام بالتوقيع والحرص على شراكتها قرابة العامين ساسة زمن الحيرة

وتظل لجان المقاومة وشباب الثورة في الضفة الأخرى للنهر هم الحرس الحقيقي للثورة، والذين لو لاهم لما ظلت جذوة الثورة مشتعلة حتى اللحظة. أعود للقول بأنّهم فعلوا ويفعلون ذلك – رغم الضريبة الباهظة التي دفعوها من الشهداء والجرحى – لأنّ وعيهم بميكانيزم الثورة تخطى سواهم بمسافة. ولأنّ أعينهم كانت ولما تزل على هدف الثورة الأكبر – وهو هدم وتفكيك سلطة الاستبداد

إنّ الحرب المعلنة على شعبنا من بقايا عسكر ومليشيات وأجهزة أمن نظام الإخوان المسلمين، والتي أضحت بارزة للعيان – هذه الحرب القذرة على شعبنا – ستكون الباعث الحقيقي لوحدة قوى الثورة الحية. ادعموا المعتصمين بكل ما تملكون من مال وطعام. كونوا معهم.. من منصات الاعتصام سيعلن شعبنا خطوته التالية – العصيان المدني.

واخيراً.. أستأذن كل كنداكة وثائر من ثوار بلادي، أن أردد على مسامعهم كلمات الشاعر المكسيكي الكبير أوكتافيو باز:

عليكَ أنْ تنامَ وعيناكَ مفتوحتان.

عليكَ أن تحلُمَ بصوتٍ عالٍ.

عليكَ أن تُغنّي حتى تأخُذَ الأغنيةُ جذورَها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق