خارج الحدودسياسة

تمكين الفساد في مصر … غادة والي وشباب السلطة

عصام شعبان

أخذت واقعة اتهام مصمّمة غرافيك مصرية بالسطو على لوحات فنان روسي، واستخدامها في تجميل الخط الثالث من مترو الأنفاق في مصر، أبعادا متعدّدة، تتجاوز انتهاك الملكية الفكرية، بحيث أصبحت الواقعة الفردية تجسيدا وإطارا للنقاش العام في خلل الإدارة، وعلاقاتها بشبكات المصالح، وتزاوج السياسي والاقتصادي. وضمن الواقعة، تبرز عمليات صناعة النخب الشبابية وتقديمهم للرأي العام نماذج رائدة يمتلكون من مقومات النجاح، ومسوغات العبور، ما يجعلهم نجوما، يعيدون إنتاج المقولات الرسمية، مقربين من النظام ومحل احتفاء، يلعبون دورا في التنمية!

موقف محرج تركته الواقعة، وأسئلة عن محاباة أطراف من السلطة ورعايتها، وزيرات وقيادات نسائية، صاحبة الواقعة، غير أن ما يسترعي الانتباه، من حالة تصعيد سريع، سبقتها حملة ترويج إعلامي، وكأنها مرحلة تأهيل واعداد، للعب دور قيادي وسياسي، يستند إلى خطاب يتغنّى بحب الوطن، لينتهى الأمر بواقعة سطو، يعبر النموذج المصنوع، سريع الصعود، عن عملية لاستثمار رأس المال الاجتماعي والسياسي، لتسيير أعمال تجارية، اعتمادا على صلاتٍ بمؤسساتٍ رسمية، تفتح أبواب البزنس، متسلّحة بشعارات عن الهوية المصرية والفرعونية، ودور الفن في مكافحة الإرهاب، الشعارات السابقة، مجرد كليشيه، بوابة عبور للعمل مع مؤسسات حكومية وهيئات ومنظمات إقليمية ودولية، تدلّ عليها مشاريع ضخمة (معلنة بالمناسبة) أنجزتها في فترة قصيرة، وتلخّص قصة صعود واحدة من كوادر مؤتمرات الشباب التي ترعاها مؤسّسات رسمية، وكيف أمكن لنموذج من المشاركين فيها، تحقيق مكاسب استنادا للقرب من السلطة، كما في الواقعة المتحدث عنها، وبعمل منسوخ. .. شيء مُخجل حقا، خصوصا والحديث يدور عن بلد غني بالفنانين والمبدعين. غير أن ما يثيره الموقف، من أسئلة عن حالات مشابهة صنعت، وسارت في الطريق نفسه، نماذج شابة، وثمّة حيتان أكبر في بلد يعاني ضائقة مالية.

تبدو القصة محرجة جدا، خصوصا للمهتمين بالملفين، الشبابي والنسوي، بوصفهما ملفّين يستند النظام إليهما في فكرة التمكين، بناء كوادر شبابية عبر مؤسّسات الدولة تكون سندا للسلطة. تضرب سردية تمكين الشباب والنساء، وربما أيضا الرهان على من يصنعون تلك الكوادر، وطريقتهم وكأنهم يسندون النظام، فتظهر علاماتٌ تشير على عكس ذلك، وجوه كثيرة صُنعت هي نتاج المحسوبية وشبكات المصالح، وسيادة التفاهة والاستسهال، ليس لديها شيء حقيقي تقدّمه، نماذج زائفة. لا تضرب وحسب قواعد التنافس بين الشباب المصري، لكن أيضا تشير إلى تقلص مساحة الزبونية والمستفيدين منها على أشخاصٍ بعينهم. وفي الحالتين، هناك معايير المحاباة والإعجاب الشكلي، والترويج الإعلامي، وصلات القرابة الحقيقية والمتخيّلة. وبالتالي، لا ينتظر أن تكون مخرجات هذه العملية منفصلةً عن المدخلات. الفساد لا ينتج غير الفساد، وغلق الأبواب ينتج العطن، لا ينتج الفساد مصادفةً أو كاستثناء، يحتاج عناصر إنتاجه، وبيئة محيطة تصنع كوادره، بما فيها من وجوه، ليست ذات قيمة في ذاتها، بقدر ما يحيط بها من ظرف وشبكة علاقات، تجعل الشخص مرئيا ونافذا، متكيّفا مع النظام وباحثا عن أقصى درجة استفادة منه. ولما كان الأصل في العلاقة تبادل المنافع والتساند، أو بتعبير مصري، شيلنى وأشيلك، أو حسب ما غنّى الشيخ إمام “وانا بتاعك يا بيه، واعرف معرفش ليه”، والتي تنطبق تماما على الحالة “وكام عبد المعين .. لابد فى المسؤولين .. وانا بتاع كل حاجه ودراعك اليمين”…

أُنتج النموذج محل النقاش ضمن شعارات تمكين الشباب والمرأة، وقدّم للرأي العام بوصفه رائدا وملهما، بينما تكشف الوقائع، المصادفات إن شئت، أن العينة بينة، وأن النتيجة ليست التمكين بمفهوم إزالة الحواجز أمام المشاركة وتعزيز فرصها، بقدر تمكين الفساد، الذي ارتكز على علاقاتٍ مع السلطة، ومشاركة في فاعليتها، وحضور دائم في مؤتمرات الشباب منذ 2017، بل حجز مقعد بين المكرّمين، والحديث باسم المرأة المصرية وتمثيل الشباب، غير كلام مستهلك بغرض الوصل مع السلطة، عن هوية مصر وحضارتها، ودورها في التنمية الاقتصادية، فضلا عن تمثيل مصر في مؤتمرات أممية، تناقش أوضاع النساء والثقافة والتنمية، ولم يكن ذلك كله مصادفة أو منقطع الصلة بمساندة متنفذين في السلطة، بوصفها، وعلى حد مسوّغات تكريم إحدى الهيئات النسوية، فتاة اجتازت التحدّيات لتحقيق حلمها!

باستثناء اعتذار الشركة الفرنسية والهيئة القومية للأنفاق التابعة لوزارة النقل، للفنان الروسي جورجي كوراسوف، لم يصدر رد فعل رسمي آخر، ولم تتضح خطوات لمراجعة الخطأ الجسيم، بما فيها نسخ اللوحات من دون إذن صاحبها، وتغير لون البشرة إلى الأسود، والذى فتح نقاشا جانبيا، عن الأفرو سنتر، ونزعات تصنيف أصل الحضارة الفرعونية عرقيا، هذا في ظل تغني المصمّمة بهوية مصر والرؤية البصرية لمصر.

للتشكيليين حقٌّ في أن يغضبوا من تفاصيل الواقعة، مرفق عام يجري التخطيط له فنيا في غيابهم، ومن دون استفادة من خبرات وعلوم ومواهب حقيقية، بل ومن دون قواعد منظّمة، ومناقصات ومسابقات يتنافس فيها المختصّون والموهوبون، في بلد يمتلك جامعات، ومعماريين ذوي خبرة ومكانة، وفنانين متميّزين، وكأن مصر تقزّمت في كل شيء، وتقلصت شؤون إدارتها على مجموعة محدودة، مدفوعة ومسيّرة بأفق محدود. الشباب، على اختلاف توجهاتهم، يتساءلون عن أي مواهب تلك، وأي إمكانات، تصعّد شابة لتتحدّث في الاقتصاد والثقافة والفنون داخل مصر وخارجها، وتكرّم رسميا في أكثر من مناسبة، ثم تحوز أعمالا تجارية مع مؤسّسات كبرى، لتوقع البلد في أزمةٍ وموقفٍ محرج، يشعر بالخجل، ويتنافى مع الشعور بالاعتزاز بحضارة مصر ومكانتها ومثقفيها، ويتناقض مع فكرة الهوية التي تجري المتاجرة بها. ربما تجاوز الإحساس بالإهانة فئات من الرأي العام تضم مثقفين وشبابا، وامتدت إلى شخصيات قريبة من بعض مؤسسات السلطة، مطالبة بالإفصاح والمحاسبة، في دلالة على ضيقٍ من عمليات صناعة النخب، وتقديمها للمجتمع تحت شعارات التمكين وريادة الأعمال، وينتهي حال بعضها، كما الواقعة محل النقاش، إلى موقفٍ يتضمّن وقائع تدليس وغشّ وفساد.

وفي السياق، تقدّم نائب برلماني وحيد بطلب إحاطة موجّه إلى وزارتي النقل والثقافة، مطالبا بكشف الحقائق، كيف أسندت مهمة التصميمات الفنية، وأي مبالغ صُرفت على المشروع، ذلك بعد أن فوجئ الجميع بأن الأعمال “الفنية” أولا منسوخة، وثانيا أن تكلفة المهمة التي نفذتها شركة “استديو والي” تصميم وطباعة بوستر زهيدة، بينما الباب مفتوحٌ لأقاويل إن مخصّصات المهمة ضخمة بالملايين، في وقتٍ لم تفصح هيئة المترو، والشركة الفرنسية التي تديره عن التكلفة، مكتفيةً بإعلان اعتذار عن الواقعة، وأنها فسخت التعاقد مع شركة “استوديو والي” منذ ثلاثة أشهر (ما الأسباب؟).

تشير الواقعة أيضا إلى عدة أمور، منها أن بعض الشعارات تُطرح من دون سؤال عن مضمونها، وأحيانا تجد رواجا إعلاميا، وانْ كانت تافهة، وإن مؤسسات إعلام مقدّرة تنطلي عليها نماذج زائفة تنطق بهذه الشعارات، تستضيفها وتروّجها، غير أن لاستراتيجيات العلاقات العامة والحملات الإعلامية دورا مركزيا في الوصل مع السلطة، وحيازة مكانة لديها، خصوصا أنها عكست توجّهات شاغلي مواقع اتخاذ القرار، كما يمكن القول إن الجوائز والقوائم والتصنيفات الدولية ليست بالضرورة أداة إثبات للجدارة في زماننا.

يبقى الموضوع الأساسي أن شعارات تمكين الشباب والنساء تستخدمها مجموعات المصالح، كما تستخدمها السلطة، وكثيرا ما يسعى مستخدموها إلى حيازة مكانةٍ سياسية واجتماعية، أو تحقيق مكاسب شخصية. ومع تلك الشعارات، يمكن حشو أكاذيب لرسم صورة غير واقعية. وغالبا يستعيض من لا يملكون مضمونا حقيقيا لما ينطقون به من شعارات، ويتصفون بالخواء، عن ذلك بأداء شكلي وشعارات عمومية. تبرز الصورة هنا، تأثيرات الغرافيك ذاتها، في جانبها المتعلق بالصنعة والسرعة والقدرة على الابهار، تحويل الأكاذيب إلى صور تبهر بعضهم، استخدام الشعار قناعا مع الصورة من أجل منفعة.

وتبرز إشكالية التمكين في ظل نظم مغلقة بأنها تنتج أنواعا شتّى من الفساد، كما تغيّب تكافؤ الفرص، وتبقى لذوي القرابة السياسية، بحيث تتحوّل من إزالة الحواجز لدى فئات هشّة إلى الاستحواذ على مواقع النفوذ والسلطة ووضع عراقيل أمام البقية.

كما تكشف قصة مصممة الغرافيك، كيف يُستثمر رأس المال الاجتماعي والسياسي، الجوائز، الإعلام، الشهادات الجامعية، لتحقيق أرباح مالية، إسناد أعمال حكومية لشركة خاصة، يحوز صاحبها نفوذا يستمدّه من قربٍ لموقع السلطة، وعبرها تفتح أبواب صناعة النجم، وعلاقات البزنس. الفتاة خرّيجة الجامعة الألمانية قدّمت بوصفها النموذج الشبابي والنسائي الرائد، الذي يكرّم في مناسبات رسمية من أعلى سلطة، وتطرح في عرضٍ يراه بعضهم شائقا أفكارا حول الرؤية والهوية البصرية، الفن والثقافة والأدب، ودورهم في مكافحة الإرهاب، لتتبنّى تصوّرها وزاراتٌ وهيئاتٌ أمام مسمع العالم ومرآه. وقبلها بسنوات، حظيت برعايةٍ ملحوظة، تلقى كلمةً تمثل فيها الشباب والمرأة المصرية في مؤتمرات دولية، ويفسح لها المجال والتخصّص، تتحدّث في الاقتصاد والتنمية والثقافة، بوصفها مثقفة شاملة، يتضح، فيما بعد، أن تصميمات غرافيك سابقة لها، وبعضها متواضع، منسوخة أصلا، كما تصميمات مشروع المترو.

تكشف القصة أيضا آليات إنتاج نخب شبابية يعتريها الزيف والتضليل، وتقديمها نموذجا رائدا ومبتغى ضمن عمليات تهيئة كتل شبابية مؤيدة للسلطة، تبدو مبهرةً من حيث الشكل ومستوى التعليم، وطامحة للصعود السياسي والاجتماعي، تساند السلطة. وصناعة النخب في مؤتمرات الشباب تجري عبر لجانٍ تدشّن ضمن تحالف دعم النظام واستيعاب كتل من الشباب. نحن أمام نموذج لشباب السلطة، بما فيهم من سمات وسلوك يتسم بالنشاط لاحتلال مواقع ومنافع تحت لافتة التمكين. وجرى تقديم هذا النموذج في مقابل نماذج وكتل شبابية كانت فاعلةً في المشهد السياسي، بعضها جرى استيعابه وآخر تم استبعاده والتضييق عليه، حين طبقت آليات شديدة الانتقائية، لا تسمح بالمشاركة في مجالات مختلفة، إلا في كنف السلطة. ربما نعود ونذكّر بشعارات قديمة، تطرحها السلطة في حقب متتالية، عن شبابها الوطني، في مواجهة من هم خارج نظامها السياسي. لم تتغيّر أدوات الدعاية عن نطاق شعارات الأمس، لكن هذا النوع من الشباب يمتاز بالوطنية والحرص على هوية مصر، يستورد صوراً أو ينسخها عن حضاراتها من فنان روسي ليثبت أصالته وهوية الوطن!

اليوم، أصبح التمكين عنوانا وباب نفاذ لشبابٍ برعاية الدولة، بينما تغلق الأبواب في ظل آليات الضبط، والسيطرة، لمصلحة أبناء السلطة والمنخرطين في مؤسّساتها، المشاركة في فاعليات وتقديم مبادرات، وهم “تابعون” بالتعبير الأنثروبولوجي الذي يفسر علاقات التراتب ومواقع الأفراد في ظل وحدات سياسة مغلقة، تمنع المشاركة لغير التابعين لها، وتمنح الامتيازات للتابعين، وتمكّنهم من الوصول إلى الموارد. وخلال ذلك، يصبح من خارج النسق السياسي للنظام مستبعدين حتى من مجالاتٍ ليست ذات صلة بالسياسة، تستطيع رؤية ذلك شرطا للترقّي الوظيفي في بعض المواقع. بتعبير دارج، يعود سؤال، هل أنت مرضيٌّ عنك؟

يرى بعضُهم أن تلك العلاقات فاسدة، بينما يراها آخرون قواعد طبيعية في ظل السلطوية، أو أحد مكوّناتها في تصورات أخرى لتوسيع شبكاتها من المؤيدين والتابعين، وتعميق وجودها الاجتماعي وإنتاج رموز شبابية ونسوية تستند إليهم مستقبلا.

(عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق