سياسة

بعد أن تضاءلت حظوظه في حكم السودان

هل يفعلها حميدتي ويفاجئ العالم بإعلان استقلال دولة دار السلام الكبرى

حيدر التوم خليفة

في مشهد كولاجي مصنوع ، قطعاََ ولصقاََ ، تمدد الرجل واستطال في صعود متوالِِ ، مثل حجر قُذٍف به الي الاعلي ، فأبي السقوط مُتحديا كل قوانين الفيزياء الكلاسيكية .. وهي حالة تستعصي ليس علي الفهم السليم وحده ، ولكن تتجاوز ذلك إلي مُخرجات التحليل المنطقي، ولا يمكن تفسيرها الا ضمن سياقات التدبير الكوني المخفي ..

فالرجل الذي كان قبل أقل من عقدين من الزمان ، لا يؤبه له اذا حضر ، ولا يُسمع له اذا تحدث ، ولا يُؤخذ له برأي اذا أشار ، ولا وجود له علي خارطة الفعل السياسي ولا أثر ، قد صار ملء السمع والبصر ، يشغل الناس حال قيامه وقعوده ، وبدأ يعيد تشكيل المشهد السوداني وفقا لطموحاته ورؤاه ، بعد أن إمتلك السلطة والمال وساحة وممكنات القرار ..

ولا أحد ينكر أن  صعوده التاريخي ، هو نتاج مباشر لمجموعة من الاسباب التي تدافعت لخلق هذا الواقع السياسي الدرامي ، ووضعته كشخصية فاعلة صانعة للحدث فيه …

ولعل أهمها هو شخصيته البدوية العفوية ، المرتكزة علي ذكاء فطري وقاد ، ومكر لا يبين ، وطموح بلا حدود ، ومرتكزات ميكافيلية لا تحتويها مجموعة قيم متمدنة محمية بحقوق الاخر  ، وإنما قائمة علي مِطية القبيلة ، وثقافة البادية المرتكزة علي الكر والفر ، وأخذ الرزق كِفاحاََ .. ونظرة ريعية تستند الي مفهوم الربح والخسارة فقط ، هذا من جانب ..

ومن جانب آخر هو أخطاء الاخرين الناتجة عن خلافاتهم وصراعاتهم حول السلطة ، وهنا تحديدا يبرز الخطأ الرئيسي للرئيس السابق عمر البشير ، والذي لم يقرأ المشهد جيداََ ، فأطلق له العنان ، وغيٌر له القوانين ، من غير أن يدري بأنه يصنع سجانه ، بقرارات لم يرى الا انها الاصوب لحماية ملكه المتداعي ، وصمه الاذان عن اصوات اقرب الناس إليه وتذكيره بمقولة ابن خلدون ( ما استعان اهل الحضر بأهل البادية في الحكم ، الا وغدروا بهم) ..

وهنا يمكنني عد عشرات الاسباب التي تضافرت في خلق المشهد السياسي ، المتسلسل ، والمتدفق بالمفاجآت بصورة لا يمكن التنبوء بها ، ولكن إجمالا يمكن القول أن الرجل هو نتاج الصراع السياسي الداخلي لاهل الحكم ، والفساد الاقتصادي ، والذي أدي الي إرتهان اقتصاد البلاد الي مجموعة شركات تتبع للحاضنة العسكرية بمسمياتها المختلفة ، وسرعة توالدها ، وتأثير ذلك علي المناخ العام ، والانصراف الي التمكين لأفرادها ، وإهمال الواجب الأساسي لهذه المنظومات ، الامر الذي سهٌل من اختراقها ، وترويضها بالكامل ..

هذا قاد الي تقزم الفكرة ، وسقوط منظومة القيم الحاملة للمشروع الحضاري الانقاذي ، فإنشطرت المجموعة ، وإحتد الصراع ، وتشتت شذرا مذرا ، فأصابها الضعف والهوان ، وجاءتها الطامة من حيث لم تحتسب ..

أعلاه يمثل بعضا من صناعة المشهد العام ، وأسباب صعود حميدتي من صبي للرئيس ، الي نائب للرئيس ، ومن حامِِ للرئيس ، الي سجان للرئيس ، وهكذا دائما ما تكون أخطاء الطغاة مميته ، لانها لا تعتمد الي إعمال العقل تحليلا في الفعل والنتيجة ، وإنما علي اراء البطانة الفاسدة ، التي تقرا العقل الباطن للرئيس وتستنطقه ، وتنسج من رغباته التي تتنزل قرارات دينا يُتعبد به ، من غير إدراك لمخاطرها الآنية وتأثيراتها المستقبلية  ، وإنما تقدم له ذلك وجبة شهية مميتة في طبق من ذهب ..

أي مراقب يمتلك حساََ متجاوزا ، يستنطق به  القراءة الصائبة للواقع السياسي ، ويحوز علي ادوات التحليل المتسق مع مخرجات هذا الواقع ، والتشريح الموضوعي له ، يدرك بأن طموح الرجل يتعدي من أن يكون دمية وحارسا للرئيس ، الي ان يكون الرئيس نفسه ..

فشخصيته المتمردة ، تأنف من أن تكون في خدمة الاخر ، أو أن تطأطأ رأسها الا عندما يخدم ذلك أهدافها الكلية ، فالرجل لا يستكين الا اذا كان ذلك مطلوبا ، او يمثل لبنة في بناء التمكين لمشروعه وحلمه الذي سعي جاهدا لتحقيقه .. وميكافليته لا تخطئها العين ..

لهذا فعند ثورة سبتمبر ٢٠١٣ ، درس الرجل الموقف ، وعرف أن الوقت لم يحن بعد ، فعوده ما زال طريا ، لهذا وجدها فرصة لإثبات ولائه لولي نعمته ، فكانت قواته هي المدد الاخير الذي استعانت به الحكومة لقمع الثورة ..

وفي ثورة ديسمبر ٢٠١٨ ، أنبأته عينه الفاحصة أن الفرصة قد جاءته في طبق من ذهب ، فآثر الابتعاد عن المشهد ، وسحب قواته بعيدا عن محيط الثوار ، مما خلق شعوراََ بأنه مناصر للثورة وشبابها ، ولكنه حقيقة كان يوازن بين الامور بعد دراستها بدقة ، ولو تصرف غير هذا ، وتصدي للثوار بسلاحه، لوجد من شرفاء الجيش الرد الحاسم ، ولتم الفتك به تماما .. خاصة وأن سيرته في قمع حركات دارفور وتورطه في جرائم إبادة جماعلية ، قد بدأ صداها يتردد كثيرا ، ضمن أروقة المنظمات الدولية ، خاصة العدلية منها ..

وبنجاح الثورة ، والتي لم يساهم فيها بنصيب ، او يرمي فيها بحجر ، الا بما يخدم خططه ، وبدفعِِ من صديقه البرهان ، وجد الرجل نفسه في موقع السياسي الذي يتطلب منه تغييرا شاملا في تفكيره وسلوكياته وحتي طريقة كلامه ..

وما ساعده انها كانت فترة ما بعض المخاض للثورة ، وان المشهد لم يستقر بعد ، وأن الصورة لم تتشكل ملامحها ، وكان هناك أكذوبتان تبرزان بشدة في الواقع السياسي ، من غير معرفة مصدرهما ، وهما من شكلا المشهد لاحقاََ ..

اولهما هو تلك الدعوة مجهولة المصدر ، وأن لم يكن من الصعب إدراك منبعها الاستخباري الخارجي ، والتي كانت تروج لدكتور حمدوك وتقدمه كنبي ومنقذِِ للسودان ، وتُقصي في همة عالية أي منافس له ، وذلك عبر عمل اعلامي ، وتدفق سلسالي منظم كثيف لا يمكن دفعه .. وهو الامر الذي دفعت ثمنه البلاد والثورة لاحقا..

أما الاكذوبة الثانية ، فقد بدأت مع نجاح الثورة ، ومحاولة تجيير نجاحها الي موقف حميدتي المزعوم المناصر للثوار ، وتفشي أكذوبة رفضه فض الاعتصام بقواته ، فالقرار في النهاية لم يكن قراره ، وكان من الممكن التعامل معه عسكريا ، لو فشلت الثورة ، خاصة وأن العديد من ضباط الجيش كانوا رافضين ، مجرد وجود قوات الدعم السريع  ليس كقوات موازية للجيش ، ولكن ولو رديفة تابعة له ، ولكن دائما كان رد القيادة الكذوب ، هو ان هذه القوات تخدم أهداف البلاد الخارجية من حيث وجودها في ارض اليمن ..

وقد صاحب هذه الاكذوبة ، عمل إعلامي كثيف ، عمد الي تقديم حميدتي كهبة السماء للسودان ، متجاوزا لطبيعة الاحداث ، طالبا من السودانيين نسيان حتي التاريخ القريب وأفعال الرجل ، وبدأت بعض الجهات تعمل علي تضخيمه ، وتوسوس له بأنه قد نضج تماما ، وأن الطريق أمامه صار مُعبدا لتحقيق حلمه المشروع في حكم السودان ..

ولأن عود الرجل مازال طريا في ميدان السياسة ، فقد عمدت عدة جهات للاستفادة منه ، وتوظيفه لتحقيق أهدافها ..

فهناك من كان يبحث عن فتات ، فزين له القبيح ، مما دعاه الي ارتكاب اول اخطائه الناتجة عن سذاجة سياسية ، وضعف في ادوات التحليل السياسي ، وذلك بإستدعائه لعطالي الادارة الاهلية ، لرسم مشهد مستعجل  قافز فوق الاشياء ، داعم له ، في فعل ينافي ويضاد تماما لمفاهيم الثورة واهدافها التحررية ، لأن قلاع الادارة الاهلية هي إحدي الاهداف التي عمدت الثورة الي تفكيكها وهدمها ، بوصفها خزانا ومعينا للطغاة وتحشييداََ لقوي رجعية تستغل أطر القبيلة الضيقة لتحقيق مكاسبها الذاتية ..

هذا الامر رسٌخ لديه فكرة أنه صار قاب قوسين أو ادني من إعتلاء سُدة الحكم ..متبعا بلا تبصر سياسة إحراق المراحل ..

وقد كان ثاني اخطائه القاتلة ، ا ن رأت بعض الجهات ذات الغرض إندفاعه وطموحه ، وضعف دائرته الاستشارية ، او غيابها  ، وعدم  اعتماده علي منهج علمي ممتلك لادوات التحليل السياسي ، ومعينات الاستبصار التنبؤي المستقبلي ، الامر الذي إنعكس في ضعف قراءته للمشهد ،  فالرجل كانت تقوده فطرته البدوية واهدافه الكبيرة، وبعض من مُكر عظيم ..

وهو أمر إعترف به مرارا وتكرارا ، وصرح بأنه تم إستغلاله ، وكثيرا ما ردد (لقد تم غشنا) ،  فهناك من صوٌر له بأن العقبة بينه وبين الرئاسة هو إعتصام هؤلاء الشباب ، وهم الذين حرروه وأخرجوه من جبة البشير الي فضاء الحرية الواسع .. لهذا كانت قواته هي العماد للقوات التي ارتكبت مجزرة فض الاعتصام ، والذي تفيد عدة روايات ان علي رأس قياتها ومشرفها المباشر  هو اخوه ونائبه في قوات الدعم السريع ..  وعندما أدرك حجم الجريمة ، وعظم الخديعة ، تحفظ علي مجموعة من الضباط الاسلاميين وما زال وعلي رأسهم اللواء الصادق سيد ، شقيق الشهيدين كما يُسمي ..

وفض الاعتصام  كانت له ارتدادات عنيفة لاحقا ، ولعل أهمها هو كشف حقيقته أمام الثوار ، وترسيخ صورته لديهم , ليس كحليف مناصر للثورة ولكن كمليشاوي قاتل لأخوانهم ، يجب ملاحقته قانونيا ومحاكمته قضائيا حسب مطالباتهم ، وهو الامر الذي سوف تكشف عنه فحوي نتائج وتقارير تقصيات وتحقيقات لجنة نبيل اديب ، والتي لا يساورني شك في ان العديد من أجهزة الاستخبارات العالمية تملك نسخا منها ، وهي التي سوف تستخدم ضده لاحقا وتجعل منه شخصا وظيفيا ، يفعل  ما يؤمر به ..

إن فض الاعتصام ومقتل هذا العدد المهول من الشباب ، والذين قدرهم البعض بأكثر من ثلاثة الاف ، والزعم بوجود مدافن جماعية سرية ، دق إسفينا بين الرجل وشباب الثورة ، خاصة وأن هذا الجرم جاء فقط بعد مضي سبعة اسابيع من الاطاحة بالبشير ..

وقد كان فض الاعتصام قراءة خاطئة منه ومن كل أعضاء المجلس العسكري ، والذي ما زالت أثاره تتفاعل حتي اليوم ، وما زال سيفا مُسلطا علي رقابهم ، لا فكاك لهم منه الا بالموت .. وقد أدخلهم في سكرة السلطة ، واحلام التخدير الوردية وهلاويسها ، ولم يستفيقوا منه الا علي وقع الحشود في الثلاثين من يونيو ٢٠١٩ .. وهو التاريخ الذي بدأ فيه حميدتي يتنكب طريق الواقعية السياسية ..

ولكن طموح الرجل لم يتوقف ، وظل يتمدد مستغلا ضعف رئيسه ، وضعف حمدوك ، وقلة خبرة حاضنته السياسية ، فوالي صعوده العسكري الزائف كفريق اول ، وتمدده السياسي الزائف كنائب لرئيس مجلس السيادة ، وهو منصب لا وجود له في الوثيقة الدستورية المثقوبة ، والتي يحاكي حالها قول القدال رحمه الله ..( زي شملة كنيزة الواسعة ، هي ثلاثية لكن قدها رباعي )

وقد استمال الرجل بالمال الكثيرين ، واستطاع ان يرسخ لقواته ، وأن يستقطب لها العديد من الكفاءات ، ومن الباحثين عن الثروة ، ومن المغامربن ، والمتعطلين ، وذلك بوصف أن الدعم السريع افضل الجهات الموظِفة من ناحية العائد المادي ، واتاحة فرصة الاغتراب القتالي في اليمن لمدة عام لمنتسبيها، والرجوع بعائد مجزئ لتحسين وضع المُبتعث ، ولكن ذلك إنحرف في اتجاه اخر ، في موقف إختصره احد قادة الدعم السريع ، وهو عميد علي ما أظن عندما قال ( إن الكثير من جنود الدعم السريع ، عند عودتهم من اليمن تركوا قوات الدعم ، وصرفوا استحقاقاتهم المالية ، وبدلا عن ان يوظفوها في إنشاء مشاريع استثمارية ، اتجه معظمهم الي شراء سلاح ودراجة نارية ، والانطلاق بهما الي ممارسة النهب المسلح)

وقد عمد الرجل  الي تكوين امبراطورية مالية ضخمة ، مستغلا عمولاته من صفقات توريد المقاتليين الي اليمن ، والدعم الاوربي لوقف الهجرة الي اوروبا ، وتملكه لذهب جبل عامر ، وتحالفه مع بعض شركات التعدين السودانية العسكرية منها والمدنية ، اضافة الي شراكات خارجية ، تم رصدها ونشر تقارير وافية عنها ، في العديد من الصحف العالمية ، وقد قدرت بعض الجهات الاستخباربة العليمة ، أن ثروته تلامس الاربعين مليار دولار ، مما يقذف به ذلك الي قلب قائمة مجلة فوربس لتقييم الثروات ، ورصد الاثرياء ، ولو صدق هذا الامر لتبوأ الرجل منزلة اول قائمة اثرياء افريقيا ، وهو امر يؤكده تسجيل لاحد افراد عائلته صرح فيه ، بأن عائلة دقلوا هي أثري عائلات افريقيا .

وهذا المال قد أحسن استغلاله ، لتلميع صورته ، وتنظيفها من درن الماضي الذي علق بها ، وتبييض تقارير سوداء قدمته كمجرم حرب ، ومحوها من ذاكرة الشعوب ، رغما عن انها محفوظة في أضابير أجهزة استخبارات عديدة ، تعمل علي تطويع الرجل وابتزازه ، واستغلاله لتحقيق مصالحها في مساومات لاحقة ..

وقد عمد الرجل وضمن تخطيطه للوصول الي حكم السودان ، الي أستغلال كل شاردة وواردة للوصول الي مبتغاه ، ومن ضمن هذا ، كان اتفاقية سلام جوبا ، ذات الوجهين ، والتي اري ان اهدافها الاولي كُتبت في اجتماع إنجمينا بينه وبين الحركات المسلحة ، برعاية الرئيس المقتول ادريس دبي ، وهي الاتفاقية السرية التي عمدت ، الي إنهاء حكم الجلابة ، كما يزعمون ، وبداية حكمهم للسودان ، الامر الذي يتطلب منهم تقديم الكثير من التنازلات وتجاوز العديد من المرارات ..

وبهذا الفهم كانت هي المنهل الخفي الذي شكل اتفاقية جوبا ، تلك التي مهدت الطريق لتنفيذ اتفاقية انجمينا ، وهو امر تم إعداده علي درجة عالية من السرية ، وكان أول ضحاياه الفريق جمال الدين عمر وزير الدفاع ، والذي صاحب موته المفاجئ دخان كثيف ، وطرح عدة أسئلة عن وفاته واسبابها وهل فيها شبهة جنائية ، وما هو دور الدولة المضيفة في ذلك ، ودور العديد من الاخرين ..؟ وهو ما ستكشف عنه الايام لاحقا ..

وعلي حسب تحليلي ، فإن اتفاقية جوبا، صُممت لإنفاذ مسلكين مدني وعسكري ، اولهما التمكين لابناء دارفور لحكم السودان ، عبر عمليات الاحلال والابدال الجارية الان في القطاع المدني ، وفرض ذلك وحمايته اعتمادا علي القوة العسكرية للدعم السريع ، وجيوش الحركات المسلحة ..

إن حميدتي لا يعوزه الذكاء ليفهم بأن اي مواجهة له مع الجيش سوف تكون خاسرة تماما ، لفارق القوة بين الطرفين ، فهذا جيش إحترافي خبر الحروب تماما ، جيش متعدد الافرع والاسلحة ، مُصنع لها ، والدعم السريع قوات بلا خبرة ، تم النفخ فيها إعلاميا ، يقودها ضباط منتدبون من القوات المسلحة ، سرعان ما يرجعون الي قواعدهم العسكرية ، ادا ما حدثت مواجهة بين الطرفين ..

وهي قوات عماد تسليحها الدوشكا ، وتعتمد علي عربات البك ٱب التي يمكن إصطيادها بمدافع الار بي جي المحمولة علي الكتف ، وأن اي معركة لها مع الجيش لن تدوم ساعات قليلة ، وبالتالي فهو مدرك تماما بأن اي هزيمة له من الجيش ، إن نجا منها شخصيا ، فسوف تجرده من كل شيئ ، الرتبة والوظيفة والثروة ، وسوف تجعله هدفا مشروعا لها ، وهو يعلم أن السوخوي ذراعها طويلة , ودرونات مصنع الصافات تستحث الخُطي وتستسرع التحليق ..

لهذا فإن موضوع قيامه بإنقلاب ما زال ضبابيا ، إلا  أن يكون قد  يئس من المسلك الاول بعد ان إستطال خلاف المدنيين والعسكريين ، فقذف بآخر سهامه ، علها تصيب ، وإن أخطات فدارفور اولي به ، وأن جائزته المغنومة سوف تكون أكثر من الاياب ، وهي صنع مجد له ، بصنع دولة وتأسيسها ..

وهنا يبرز سؤال جوهري ، الا وهو لماذا استعصم حميدتي بدارفور حقيقة ، اذا لم يكن للامر صلة بمحاولة انقلابية رتب لها الدعم ..؟

أكييد أن إشتداد الضغوطات والمطالبات علي الرجل ، بحل الدعم السريع وتذويبه في الجيش ، إنفاذا لاتفاقية جوبا ، وتنفيذا لرغبة قيادات الجيش العليا ، المحمولة علي ذلك بضغط من رتب وسيطة وصغيرة ، وإصرار القيادة علي ذلك ، الامر الذي يعني اذا تم ، تجريدا كاملا لسلطاته ، وهدما لمراكز قوته ، مما يجعله نهبا لكل طامع ، ولقمة لكل طالب ثأر ، لهذا آثر الابتعاد عن الخرطوم والاستعصام بحاضنته الدارفورية ، والاعداد الجيد لخطوته القادمة ، إما فصلا لدارفور ، أو زحفا نحو الخرطوم ، مع ترك مساحة للوسطاء لاصلاح ذات البين ، ورتق الفتق ، بينه وبين قادة الجيش الذين عملوا بنصيحته وكربوا قاشهم ..

ولهذا أعتقد أن الامور تسير حثيثا نحو تنفيذ اعلان استقلال دارفور ، وهو أمر ايضا  تعضده أزمة العربات والاليات المدرعة التابعة للجيش ، والتي استولي عليها الدعم السريع أخيرا ، كما افادت الانباء المتداولة ، وما تبع ذلك من إعلان حميدتي لدي مخاطبته لجنوده عن تكوين سلاح المدرعات ، والذي وعد فيه جنود مدرعات الدعم السريع بالدعم العاجل اللازم ، وما يتبع ذلك من ترقيات نتيجة لإنشاء وهيكلة هذا السلاح ..

المشهد الان بكلياته يتجه نحو التصعيد ، وواضح ان الجيش قد كرب قاشه تجاه حميدتي ، بل تجاه كل المشهد السياسي خاصة بعد كلام البرهان اليوم في إحدي زياراته لولاية نهر النيل ، وواضح ان التسخين ينتظر فقط نتائج رحلة بايدن الي السعودية يوم الجمعة ١٦ يوليو وإجتماعه بمجموعة من رؤساء الدول العربية ، وما يحويه البيان الختامي عن الشأن السوداني ، وهو عضو مرشح مهم للانضمام الي الناتو العربي الاسرائيلي ، وارجو قراءة المشهد مستصحبين تصريحات الاعلامي المصري عمرو اديب ، لسان حال السيسي عند الانقلاب القادم وجازر الدم في السودان ، والايام حبلي …

إن حميدتي ادرك الان ان كل جهوده لتلميع صورته وسط المكون السوداني غير الدارفوري تقريبا قد فشلت ، وأن جهوده وامواله التي أنفقها لصناعة حاضنة شعبية له وسط اهل السودان الكوشي ، قد ذهبت هدرا ، وأن الجماعة الذين بذل لهم الاموال ، هم محترفوا سياسة يجيدون لعبة ، (أكلوا توركم وأدوا زولكم ) ، فها هو الشرق ينقلب عليه ، والرأي العام يلعنه ، ويتهمه بشق صف البجا ، واهل الجزيرة والبطانة ناقمون عليه ، والكواهلة تداعوا بالالاف حماية لأرضهم من خططه الرامية لاسكان اهل غرب افريقيا في مناطقهم مكررا فعل الخليفة عبدالله ، وأهل الشمال قطعوا الطريق أمام مركباته ومنعوها المرور ، وما هي الا ايام وسوف يقومون بإغلاق التعدين ، وقفله أمام شركاته ، وشركات شركائه ، وكلام البرهان واضح ، وهو يمثل الضوء الاخضر لأبناء الشمال لأستعادة ثرواتهم من أيدي الطامعين من ابناء المكونات الاخري ..

هذا يعني أن امبراطوريته المالية تتفكك ، وتنهار معها احلامه بحكم السودان ، في استنساخ لجهادية جديدة ، بعد سقوطها علي أيدي كتشنر قبل قرن وربع القرن من الزمان ، فلا مجال الي إعادة التاريخ ، او تشغيل نفس اللعبة المنتهية .. أو قد يصحو الرجل المغامر ، ويعمل علي توحيد قوات حركات دارفور تحت قيادته ، ومن ثم سلوك طريق المغامرة والذهاب بها الي الخرطوم لإقتلاع الحكم عنوة ، وتنصيب نفسه حاكما للسودان ، في تنفيذ عنيف لاتفاقية إنجمينا ، وهو امر له مخاطره كما ذكرت أعلاه ، ولكنه سبناربو غير مستبعد .. ولكنه يعني نهايته بالكلية ..

هذا في الشأن الداخلي أما خارجيا ، فالرجل محاصر ، مطلوب ، ولن يسمح له الغرب بإعتلاء سُدة الحكم لبلد في مساحة وامكانيات وأهمية السودان ، خاصة العالم الغربي ، الذي إستمع له صوتا وصورة ، وهو يعلن وقوفه بجانب بوتين ضد الغرب ، في موقف أسماه بعضهم بشراكة الذهب والدم ..

وملفات الرجل في محكمة الجنايات الدولية، وأضابير اجهزة الاستخبارات العالمية ثقيلة ينوء بحملها العصبة من الرجال ، خاصة بعد الاندياح  والدفق المعلوماتي الذي تطوع به علي كوشيب ضمن إعترافاته في مجازر دارفور ، ودور الرجل فيها ..

وكوشيب منذ البداية لم يكن مقصودا لذاته ، فهو سمكة صغيرة تم القبض عليها لإستعمالها طُعماََ لإصطياد حيتان كبري ..ومن ضمنها حميدتي ، الذي تضخم ملفه لدي المحكمة بعد إعترافات كوشيب .. خاصة وأن العالم صار حساسا تجاه حقوق الانسان ، نتيجة لضغوط منظمات المجتمع المدني  ..

لكل هذه الاسباب ولغيرها فالرجل لا أمل له في حكم السودان سلميا ، مهما أرسل من رسائل في البريد الاسرائيلي ، فالعالم يراقب ، وعين العدالة ناظرة ، وفاحصة .. لهذا فلماذا لا يجرب حظه من دارفور ، بإنشاء دولة دار السلام … أو يأخذ الحكم عنوة بغزو الخرطوم ؟

إن خطوة انشاء دولة دارفور بعد فصلها عن السودان ، يجد تقريبا القبول من العديد من الدول الكبري ، وذلك خدمة لأهدافها ، خاصة وأن دارفور بدأت تأخذ طريقها ضمن الاهتمام الدولي ، ليس كمنطقة مآسي ، وإنما كمنطقة موارد هائلة تحتاج الي استغلال ..

فدارفور اليوم في خضم الصراع الامريكي الروسي الفرنسي عليها ..

ورغما عن أن الروس سعوا بكل جد إلي تمكين حميدتي من حكم كل السودان ، الا انهم ادركوا استحالة ذلك ، نتيجة لتعقيد الواقع السوداني ، ونتيجة للمعارضة الصريحة للمحور الغربي لاكمال هذا الامر .. فهم لن يمانعوا في فصله لدارفور ، بل ودعمه ، لان ذلك سوف يعينهم علي تنفيذ مشروعهم الساعي الي بسط سيطرتهم علي وسط غرب افريقيا ، وطرد الوجود التاريخي الفرنسي منها ، وقد نجحوا في ذلك في افريقيا الوسطي ومالي ، مع تحجيمه في النيجر ، وغانا ، بل وصل تأثيرهم الي الجزائر ..

أما امريكا فان خطتها الخمسينية ١٩٧٠ … ٢٠٢٠ قد بُنيت علي تقسيم السودان الي خمس دول مستقلة ، وكان من المفترض إكمال هذا الامر قبل اعوام ، وذلك عن طريق ابتزاز نظام البشير ، ولكن انفجار ثورة ديسمبر ، وتفشي جائحة كورونا قادا الي تأخيره ، وهو التاخير الذي استمر حتي اليوم ، مع قيام الحرب الروسية الاوكرانية ، وإنشغال امريكا بترتيب المنطقة وفقا للمعطيات الجديدة التي أفرزتها هذه الحرب ، ولكن اجمالا فأن أمريكا سوف ترحب بهكذا خطوة ، وإن تمنعت في العلن ..

أما فرنسا فلا جدال عندي أنها قد أتمت رؤيتها وترتيباتها عبر الحركات المسلحة ، التي ظلت اجهزة مخابراتها ترعاها ، وتقدم لها كل عون ممكن ..

كل الذي ذكرته فيما تقدم عبارة عن فرضيات قائمة علي معلومات ومشاهدات بعضها صحيح وبعضها يحتمل التأويل ، وتبعا لاحداث لا يمكن تجاوزها ، وقد يصدق ما جئت به من تحليل ، وقد يخيب ، وقد تتغير الاحداث وتنقلب ، فهي سريعة الدوران في السودان ، لدرجة تمنع استقرارها لفترة قصيرة ، حتي تبني عليها موقفا صلداََ ورأيا أكيداََ يمكن الوثوق به ..

وختاما يبرز السؤال الاهم .. ما هو رد فعل الجيش المتوقع إن صار هكذا قرار ..؟

وهو ما سأجيب عليه في المقال القادم ، وإن كنت أتمني ان يكون أول المباركين له .. ولكن لو كان الامر أمر غزو فلكل حادث حديث .. ، وفي الحالتين لن يوافق الجيش ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق