
استطيقا الفنون
استكناه الجمال … لحظة وتجربة ذاتية تحكمها قواعد لامرئية وأسس مبهمة
مصطفى يوسف
يعد اليونان من أوائل الأمم والشعوب التي اهتمت بعلم الجمال، وكان أفلاطون 427 – 347 ق.م، أول من بحث في فكرة الجمال، وانتهى إلى أنها مثال خالد في عالم المثل الذي يفوق الواقع، في الوقت الذي يرى فيه أرسطو384 – 322 ق.م – أن الفنون الجميلة هي نوع من المحاكاة ولكنها محاكاة لا تتساوى والنقل الحرفي لما في الطبيعة. ويعرف كوبر بير، أستاذ الفلسفة بجامة كاليفورنيا، سابقاً، علم الجمال، بأنه العلم الذي يبحث في قوانين التذوق الجمالي، أي القوانين التي تبحث في الجمال من حيث كون جمالاً لذاته. هنا تجب الإشارة إلى الفرق الواضح الذي خلص إليه العلماء والباحثون في الجمال، الذي يتسع وينفتح ليسد المسافة بين تفسير طبيعة الفن والإحساس بالجمال في الموضوع المبدع، والنقد الذي يسعى دائماً لإصدار حكم على ما يبحث فيه من موضوعات.
هذه مقدمة أجدها ضرورية للإجابة على هذا السؤال، كيف نحس بالجمال في الفن وفي الموضوع المبدع بشكل عام؟ تنقسم الفنون، كما هو معلوم إلى تطبيقية، وهي تلك التي تنظمها قوانين معينة تخضع لها، وهي فنون وثيقة الصلة بالصناعة والتكنولوجيا، وفنون جميلة، كالشعر والموسيقا، وهي تتناول تجربة الإنسان الخاصة في عمليتي الخلق والإبداع.
خلص الفكر الفلسفي والعلمي إلى وجود صلة بين الجمال في عملية الخلق والإبداع الفني والإمساك والإحساس به عند التذوق، يقول الشاعر الفرنسي امبروز بول توسان فاليري: ” ان عملية الخلق عند الفنان إنما غايتها إثارة عملية أخرى عند المتذوق “، أي أن المتذوق يجري عملية خلق أخرى لدى تفكيكه العمل الإبداعي، أياً كان جنسه.
يقول الفيلسوف الألماني عمانويل كانط 1724 – 1804م-: ” إن الجميل هو ما يعجبنا، على نحو منزه من الغرض لأن موقفنا منه ليس موقف المنتفع”. أما الفيلسوف الأمريكي جون ديوي فيرى أن الخبرة الجمالية هي خبرة إنسانية، وهي ظاهرة اجتماعية مقطعة الأوصال عن بقية خبرات الحياة الأخرى، هذا الرأي يعارضه الفيلسوف الإسباني اورتيجاني جاسيت 1883- 1955، الذي يعتقد أن من العبث البحث في العمل الفني عن موضوعات ومعان مستمدة من حياتنا اليومية، وأن اللذة المستمدة من التعرف على شخصيات وأحداث في المسرح والتصوير ليست اللذة الحقيقية. وهناك مجموعة من الفلاسفة تذهب إلى أن الفنون الجميلة هي التي تشيع في الإنسان قدرته الخيالية وحاجته للحلم، وتعرف الجمال الفني بأنه: ” تنظيم للطبيعة “، وتبدو هذه النظرة متسقة مع ما ذهب اليه هيجل 1770- 1831م، الذي عرف الجميل:” بانه مركب مؤلف من التصور العقلي المجرد والمادة المحسوسة”، وهذه المادة المحسوسة كما نعرف هي الوسط الذي يتكون منه العمل الفني وتسبح فيه جزيئاته ويحقق له وجوده الملموس.
ولعل أحدث الاتجاهات في تعريف الجمال، هو ذاك الذي يرجع القدرة في استكناه والامساك بالجميل إلى نشاط حواس الإنسان الخمسة، التي تستشعر الجميل وتقربه من إدراك الفرد، مع استبعاد حاستي الذوق والشم منها، لارتباطهما بمجالي الغريزة والحاجة.
ورغما عن كل هذا – الذي دار ويدور حول الجمال والجميل والإحساس بهما، وتذوقهما – يبقى الإحساس بالجميل وتذوق تجربة ذاتية خاصة بفرد دون آخر، تتحكم فيها وتوجهها مجموعة من القواعد اللامرئية والأسس المبهمة، التي تتشكل وفقاً لآنية الظرف وعلاقة الإنسان مع الوسط الذي يتحرك فيه وآنية علاقته مع الموضوع المتذوق، لأن القيم الجمالية المنثورة في فراغات الموضوع المبدع تتيح التحرك بحرية في فضاء النص، الأمر الذي يحتم وبالضرورة اختلاف مُخرجات هذه التجربة.
والمثال على صدق ما أذهب إليه أن الذين يحسون بإبداعية الخلق وجمال الموسيقا في السيمفونية السابعة لبتهوفن، ليسوا هم بكل تأكيد الذين ينامون على أرصفة المدن، في انتظار يد تمتد إليهم بالإحسان.




